الخميس 8 ربيع الآخر 1441 هـ || الموافق 5 دجنبر 2019 م


قائمة الأقسام   ||    المهدي المنتظر المزعوم: محمد عبده الحودلي "الملقب بـ : حسن التهامي"    ||    عدد المشاهدات: 880

أسباب ادعاء المهدية

( ضمن موضوع المهدي المنتظر المزعوم : محمد عبده الحودلي " الملقب بـ : حسن التهامي" دراسة شرعية وصفية )

الحلقة رقم (4)

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني

ذكرت في اللقاء السابق الأسباب التي يتوهم بعضهم بسببها أن هذا العصر عصر المهدي، وفي هذا اللقاء سأسلط الضوء على أسباب ادعاء المهدية، ويمكن إيجاز هذه الأسباب في الآتي :

السبب الأو : الأحلام والرؤى المنامية.

ومن أمثلتها في هذا الباب ما يلي:

في عام 1978م ادعى بعضهم أنه رأى رؤيا منامية مفادها ان محمد بن عبد الله القحطاني السعودي الجنسية " هو المهدي" و: أنه رأى النبي يقول له : إنه المهدي رغم أنه لم ير صورة النبي عليه الصلاة والسلام على حقيقته كما ورد في السنة الصحيحة، حيث جاء في السنة أن النبي عليه الصلاة والسلام: " كان أحسن الناس وجها مثل القمر مستديراً، ليس بالطويل الذاهب، ولا بالقصير، ربعة من القوم، أزهر اللون، ليس بأبيض أمهق، مشربا وجهه حمرة، ضليع الفم، أشكل العينين، منهوس الكعبين، وكان شعره يضرب منكبيه، يبلغ شعره شحمة أذنيه"، هذه هي صفات النبي عليه الصلاة والسلام الخلْقية، وهي المقصودة من قوله عليه الصلاة والسلام: "من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي" أخرجه البخاري.

فمن رأى القحطاني لم ير النبي عليه الصلاة والسلام في منامه بهذه الصفات، وإنما رأى شيطاناً أوهمه أنه رسول الله، ولو كان هو النبي لرآه بصفاته التي سبق ذكرها من السنة، والتي يصعب على الشيطان أن يتمثل بها كما في الحديث.

وفي الحديث أيضاً دلالة على أن الشيطان قد يأتي الشخص في منامه ويوهمه أنه النبي لكن الصفات هي المقياس في كونه النبي أو لا، كما تقدم.

فلما علم جهيمان بن محمد العتيبي بهذا الحلم من نسيبه القحطاني او غيره أقنع القحطاني أن ذاك رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأن القحطاني هو المهدي، فانتشر حلم القحطاني، وصار له أتباع كثيرون، وصارت الأحلام الشيطانية تتكرر لدى الأتباع أن محمد القحطاني هو المهدي، فاستغل الشيطان هذا الموقف، وصار الأتباع يُقنعون بعض الناس بالأحلام أن القحطاني هو المهدي، فنشط ابليس في باب الأحلام وخاصة مع المصاب منهم بالعين والمس والسحر.

ثم دخل أتباع هذا الدعي الحرم لمبايعته بقيادة جهيمان ومعه المهدي المزعوم القحطاني يحملون الأسلحة في داخل جنائز الموتى في صلاة فجر الأول من محرم 1400هـ الموافق 20 نوفمبر عام 1979م، حيث نادى جهيمان ومن معه المصلين بعد صلاة الفجر، وقال جهيمان للناس : هذا هو الإمام المهدي فبايعوه، فأنكر الناس عليه وعليهم، وكان عدد من دخلوا لهذه المهمة المهدية المزعومة أكثر من مائتي مسلح ، وقد قضت السلطات السعودية على هذه الجماعة المبتدعة ولم يبق لها أثر، فقد مات مهديهم ومن معه، ولو كان الحق حليفه لمكنه الله فإن المهدي يظهر في وقته ويمكنه الله ويصلح أمره في ليلة، فلا يستعجل هؤلاء ظهور المهدي فليس هذا العصر عصره.

وهكذا أيضاً كثير من أدعياء المهدية اليوم يقول إنه المهدي بسبب حلم رآه أو مجموعة أحلام، مع أن علماء الاسلام أجمعوا على أن الأحلام المنامية والرؤى باختلاف أشكالها لا يُبنى عليها حكم شرعي، لكن هؤلاء الأدعياء ومن حولهم صاروا يُحكِّمون أهواءهم فلا يدركون غلطهم إلا بعد ضياع كثير من العمر في مثل هذه التورهات.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية كما في الفتاوى (27/458): "فأما المنامات فكثير منها، بل أكثرها كذب، وقد عرفنا في زماننا بمصر والشام والعراق من يدعي أنه رأي منامات... ثم قال رحمه الله : لا يجوز أن يثبت بها شئ بالاتفاق"اهـ.

وقال الشاطبي رحمه الله في الاعتصام (1/231-232): "الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعاً على حال" اهـ.

السبب الثاني: الدجل.

حيث أن بعضهم يكذب على الناس فيقول لهم: إنه المهدي كذباً وزوراً، فإذا سألته ما حجتك؟! أجابك بسلسلة من الأكاذيب والترهات والحكايات التي يخترعها ليثبت لغيره زوراً أنه المهدي.

وظهور هذا الصنف من علامات الساعة، مصداقاً لقول رسول الله عليه الصلاة والسلام: "يكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، يَأْتُونَكُمْ مِنَ الأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ لاَ يُضِلُّونَكُمْ وَلاَ يَفْتِنُونَكُمْ"، أخرجه مسلم في صحيحه.

وأعظم أدعياء المهدية دجلاً على الاطلاق في العصر الحديث ثلاثة: الأول: وهو أعظمهم دجلاً دجال الكويت المرتزق الدعي الحسين بن موسى بن الحسين اللحيدي، ودونه بقليل الدجال المرتزق اليمني ناصر بن محمد القردعي اليماني، ودونهما دجلاً الدعي العراقي الرافضي أحمد الحسن البصري اليمــاني، وهناك أدعياء آخرون يتفاوتون في طبقات الدجل، وكل واحد يغطي على دجل الآخر فلا يناظره ولا يرد عليه، لكون الشياطين واحدة وان اختلفت مسمياتها وبعض صفاتها.

السبب الثالث: الاسترزاق.

فإن الانسان يُبتلى بالمحن والفقر فيكسل عن البحث عن عملٍ يقتات منه، فيخترع له بدعة، ومن هذه البدع الادعاء بأنه المهدي.

ولذلك عامة مدعي المهدية "المشاهير" اليوم يُفرضون على أتباعهم دفع مبلغ شهري، جزء منه للدعي، والبعض الآخر لإدارة هذا المشروع المهدوي الشيطاني الذي يختلف تماماً عن ظهور المهدي الحق في وقته، فالمهدي إذا ظهر لا يسأل الناس كرائم أموالهم ولا يتسول لأنه خليفة على منهاج النبوة بخلاف هؤلاء الأدعياء المرتزقة، ولا يعني ذلك أننا نقطع بأن المهدي هو المذكور في صحيح مسلم من حديث جابر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "يكون في آخر أمتي خليفة يحثى المال حثياً ولا يعده عداً"، فقد يكون المهدي وقد يكون غيره،ل كننا نقطع بأن المال في زمن المهدي يفيض ويكثر ويعطيه الناس بكثرة لحديث أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يخرج في آخر أمتي المهدي يسقيه الله الغيث وتخرج الأرض نباتها ويعطي المال صحاحا وتكثر الماشية وتعظم الأمة يعيش سبعا أو ثمانيا، يعني حجة "، أخرجه الحاكم في " المستدرك "، وقال : صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، والأمر كما قالا، وأيضاً يؤكد ذلك ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: "ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم صلى الله عليه وسلم حكما مُقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد"، ومن المعلوم أن زمن عيسى في زمن المهدي كما سيأتي معنا في سلسلة " علامات الساعة ونهاية الدنيا" بإذن الله، اما ما أخرجه الترمذي وغيره من حديث أبي سعيد أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "إن في أمتي المهدي يخرج يعيش خمساً أو سبعاً أو تسعاً، فيجيء إليه الرجل فيقول: يا مهدي أعطني أعطني فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله" فهذا حديث لا يصح لأن في إسناده زيد العمي المعروف بابن الحَوَارِي وهو ضعيف، وقال ابن عدي في كتاب الكامل في الضعفاء: "عامة ما يرويه ضعيف".

السبب الرابع : السحر والمس الشيطاني.

وقد سبق أن قلت: يعتبر الممسوسون والمسحورون أكثر الناس عرضة للهلوسة بظهور المهدي، وأن هذا زمانه وأنه هو المهدي أو فلاناً من الناس هو المهدي، وهذا عرفناه بالتجربة، وعامة الأدعياء اليوم مبتلون بهذه الأمراض الشيطانية من مس وسحر.

وسبحان الله عامة من ادعى المهدية لا يخلو من مرض السحر أو المس، وقد بعث لي أحد التائبين ممن كان من أتباع مدعي المهدية الدجال الكويتي المعروف باللحيدي أنه كان يراه في المنام في رؤى كثيرة تثبت له انه المهدي قطعاً، وقد ناصره عشر سنوات متتاليات رغم أن اللحيدي من المشاهير الذين يعتمدون على عمل السحر لاتباعهم، ورغم أن اللحيدي يدعي أنه خاتم الرسل، وأنه محدَّث، ومهدي، وأنه الدابة، وأنه القحطاني، وأنه مستشار الله، وأن الله سينزل قريبا على جبل أحد، وأنه سبحانه هو الذي سيحكم العالم بنفسه، وأن المسجد الأقصى هو المسجد النبوي.

فيا سبحان الله: هل مثل هذا يكون مهدياً؟!!! هذا دجال من دجالة العصر الكبار.

وبعث أحد التائبين - ممن كان من أتباع مدعي المهدية الدعي ناصر القردعي - رسالةً، قال في رسالته : كان ناصر يوهمنا بأنه المهدي وبعد ما تيقن لي أن المهدي يتبع الكتاب والسنة ولا يحرف الدين كما يفعل ناصر اليماني تركته وفررت منه كما فر غيري، وكنا نراه سابقاً عندما كنا نؤمن به في منامنا يأتينا بالأخبار ونصدق ما نراه، لكن تبين لنا أن اليماني متلبس به شيطان وأن الذي يأتينا هو شيطان بصورة ناصر اليماني حتى نصدق أنه المهدي، وأحياناً يوهمنا الشيطان أنه النبي لكننا لا نراه، وإنما يتخيل لنا في مخيلتنا في المنام.

السبب الخامس: طلب الشهرة.

بعضهم يحب الظهور والشهرة، فيظهر بدعة أنه المهدي حتى يشتهر ويعرفه الناس، وهذا حال عامة الأدعياء ممن يبحث عن الشهرة والصيت ولو بشئ ممقوت، وحالهم كحال الذي بال في بئر زمزم ليشتهر.

فقد جاء في بعض كتب التاريخ: "بينما الحُجّاجُ يطُوفون بالكعبةِ ويغرفُون الماءَ من بئرِ زمزمٍ، إذ قامَ أعرابيٌّ فحسَرَ عن ثوبه، ثمّ بالَ في البئرِ والنّاسُ ينظُرون، فما كانَ منهم إلا أن انهَالُوا عليه بالضّربِ حتى كادَ أن يموت، فخلّصه حُرّاسُ الحَرَمِ منهم، وجاؤوا به إلى أمير مكّة، فقال له : قبّحَكَ الله، لِمَ فعلتَ هذا ؟! فقال: حتى يعرفني النّاسُ فيقولوا : هذا الذي بال في بئر زمزم" اهـ

السبب السادس: المرض النفسي أو الاختلال العقلي.

بعضهم قد يدعي المهدية نظراً لمرض نفسي أو اختلال عقلي، ولعلكم إذا جالستم بعض أطباء الأمراض النفسية أو أطباء الدماغ والمخ ستعرفون حالات كثيرة من هذا الصنف، وقد تم القبض على بعض هؤلاء الأدعياء في مصر كما نشرته بعض الصحف والمواقع بسبب هاتين العاهتين، ومنهم على المشهور : " محمد عبد النبي عويس في سيناء، وأحمد عبد المتجلي من الإسماعيلية، ومحمد محمود، وعاطف محمد حسين وأشرف عبدالحميد، وعبدالفتاح محمد دردير ويحيى أحمد محمد، وسلامة علي محمد، وأحمد عبدالعظيم وأحمد الجنايني وأحمد محمود الحجاج ومحمود قاسم أبو جعفر، وعمرو عبد العاطي في القاهرة وبعض المحافظات المصرية، وقد ذكرت هؤلاء وغيرهم في مقال لي بعنوان: "العقيد ناصر اليماني وأسماء مدعي المهدية في العصر الحديث" ضمن سلسلة ردودي على الدعي ناصر القردعي، الحلقة رقم (5).

وذكر موقع " العربية نت" عن الدكتور: يسري عبد المحسن، أستاذ الطب النفسي، يحلل هذه الظاهرة ويقول: "إن هؤلاء الذين يدعون أنهم “المهدي المنتظر” مصابون بخلل عقلي، وهذا الخلل يحدث نتيجة اضطراب وتغير في “كيمياء المخ”، حيث يعاني المريض بذلك من أعراض ذهنية مشوشة وإحساس بالوهم وهلاوس تنتابه وتجعله يصدق أشياء عجيبة وغريبة عن نفسه" اهـ

قلت: وهذا فيما إذا كان الدعي مصاباً بسبب هاتين العاهتين أو أحدهما، لكون أسباب الادعاء تختلف من حال لحال حسب الأسباب المتقدمة.

وقد تتفق هذه الأسباب الستة كلها في شخص واحد، وقد يكون بعضها دون البعض الآخر.

وأخيراً أقول : نحن في زمن الجهل والهوى، فكل من أظهر بدعة وجد له من يتابعه من العوام وأهل الأهواء لكثرة الجهل وقلة العلم، وهذه سنة قديمة عُرفت منذ آلاف السنين في التاريخ البوذي والشعوب الماضية غير المسلمة، حتى صار في تاريخ الإسلام ما يشبهها من بدع الطوائف التي ادعى بعضهم أنه المهدي وأنه رسول الله الخاتم، وأنه الله - تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً -.

قال الإمام ابن بطة العكبري في كتابه الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة : " والناسُ في زماننا هذا أسرابٌ كالطير يتبع بعضهم بعضًا، لو ظهر لهم مَن يدعي النُّبوة مع علمهم بأنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خاتم الأنبياء لأتَّبعوه، أو مَن يدعي الربوبية لوجد على ذلك أتباعًا وشِيَعًا" اهـ

أكتفي بهذا القدر، على أن نلتقي في لقاء الغد بإذن الله، مع موضوع جديد من هذه السلسلة، بعنوان : " وسائل وطرق الترويج لمهدوية الحودلي".
وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام