الخميس 16 ربيع الأول 1441 هـ || الموافق 14 نونبر 2019 م


قائمة الأقسام   ||    روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة    ||    عدد المشاهدات: 238

الأخوة هي التناصر والتراحم والمؤاساة بين المسلمين، لله وفي الله، لا نصب العداء من منطلق خلافات شخصية أو حزبية أو طائفية يمكن علاجها بالدليل الشرعي الصحيح

(ضمن سلسلة روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة)
الحلقة رقم (2)

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


الأخوة في المفهوم الشرعي العام : تعني التناصر والتراحم والمؤاساة والتحابب في الله

1ـ قال القرطبي([1]) : "المؤاخاة مُفاعلة من الأخوَّة ، ومعناها أن يتعاقد الرجلان على التناصر والمؤاساة حتى يصيرا كالأخوين نسباً ([2])" اهـ

2ـ قال ابن القيم ([3]): "ولما كان مقتضى الأخوة التراحم والتواصل والتناصر فعلق عليها المغتاب ضد مقتضاها من الذم والعيب والطعن كان ذلك نظير تقطيع لحم أخيه والأخوة تقتضي حفظه وصيانته والذب عنه، وهذا يعني أن الأُخُوَّة في المنظور الشرعي: التعاقد بين اثنين فأكثر من أهل الإسلام على التناصر والمؤاساة حتى يصيرا كالأخوين نسباً([4])"، وهذا هو المقصود من أُخوة الدين ، وهو محل بحثنا.

ومن هذا المنطلق قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله ، ومنع لله فقد استكمل الإيمان"([5]).

وعندما نقيد الأخوّة ونجعلها في الله فإنها تُخْرِج العبد تماماً عن أخوة الهوى والعلاقات الذاتية والحزبية والطائفية والشيطانية التي لغير الله.

قال ابن تيمية: "كحب النصارى للمسيح، وحب اليهود لموسى ، وحب الرافضة لعلي، وحب الغلاة لشيوخهم وأئمتهم مثل من يوالى شيخاً أو إماماً وينفر عن نظيره وهما متقاربان أو متساويان فى الرتبة"([6]) اهـ.

فالأخوة في الدين قائمة على أساس متين ألا وهو الترابط بين المتحابين للقيام بواجب التناصح والتعاون بما يحقق للجميع الحياة الحقيقية التي قال الله عنها: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (97)}([7]).

إنها الأخوة الصادقة التي قال الله عنها: {الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67)}([8]).

قال ابن كثير ([9]): "أي كل صداقة وصحابة لغير الله فإنها تنقلب يوم القيامة عداوة ، إلا ما كان لله عز وجل فإنه دائم بدوامه ، وهذا كما قال إبراهيم عليه السلام لقومه: {وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ (25)} ([10])" اهـ.

وإنما المؤمن من يوالى جميع أهل الإيمان ـ بقدر ما عندهم من إيمان ـ مولاةَ من يعتقد أن ولاءه مبنيٌّ على الإيمان الذي شرعه الله.

قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} ([11]).

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً وشبك بين أصابعه"([12])، وقال: "مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم كمثل الجسد، اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" ([13])، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تقاطعوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً" ([14])، ونحوها من الأحاديث الصحيحة.

يُروى عن علي بن أبي طالب ([15]) رضي الله عنه أنه قال: "عليكم بالإخوان فإنهم عدة في الدنيا والآخرة، ألا تسمع إلى قول أهل النار: {فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101)}([16]).

للكلام بقية نستأنفه في لقاء الغد بإذن الله، وفق الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.
______________________
([1]) محمد بن أحمد بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي ، المتوفى سنة 671هـ ، مصنف التفسير المشهور بجامع أحكام القرآن ، وله أيضاً من الكتب : الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى ، التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ، وغير ذلك [ الوافي في الوفيات للصفدي(2/ 86ـ87) مصدر سابق ] ، وكذا [طبقات المفسرين للأدنروي (ص246) ، مصدر سابق].
([2]) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ، تأليف بدر الدين محمود بن أحمد العيني، (11/ 163) ، شركة ومكتبة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة الأولى، 1392هـ – 1972م.
([3]) محمد بن أبي بكر بن أيوب الدمشقي المعروف بابن قيم الجوزية ، ولد سنة 691هـ، وتوفي سنة 751هـ، وكان قد لازم ابن تيمية وأخذ عنه علماً جماً ، فكان ذا فنون من العلوم، له من التصانيف: إعلام الموقعين عن رب العالمين ، اغاثه اللهفان في مصائد الشيطان ، تحفة الودود في أحكام المولود وغيرها [الشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية (ص33) ، تأليف: مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي، تحقيق نجم عبد الرحمن خلف ، دار الفرقان , مؤسسة الرسالة ، بيروت ، الطبعة الأولى 1404هـ].
([4]) إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم (1/ 170) ، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد ، دار الجيل ، بيروت ، 1973م.
([5]) أخرجه أبو داود في سننه [ كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، (2/ 632 ، رقم 4681)]، والحديث صحيح.
([6]) مجموع الفتاوى، لأحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (18/ 320)، تحقيق عبدالرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي, مكتبة ابن تيمية, بيروت, الطبعة الثانية.
([7]) سورة النحل ، الآية رقم (97).
([8]) سورة الزخرف ، الآية رقم (67).
([9]) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي أبو الفداء ، قال الذهبي : إمام محدث مفت بارع ، أخذ العلوم من الحسين العراقي والقاسم بن عساكر ، ولازم الحافظ المزي ، وتزوج بنته وسمع من الشيخ تقي الدين ابن تيمية ، ومن مصنفاته التاريخ الكبير والتفسير الكبير ، ولد سنة 701هـ بمجيدل القرية من عمل بُصرى ، وتوفي سنة 774هـ [الرد الوافر، تأليف: محمد بن أبي بكر بن ناصر الدين الدمشقي(ص92)، تحقيق زهير الشاويش ، المكتب الإسلامي ، بيروت ، الطبعة: الأولى 1393هـ] ، وكذا [طبقات المفسرين للأدنروي (ص260)].
([10]) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (4/ 134)، دار الفكر، بيروت، 1401هـ، والآية رقم (25) من سورة العنكبوت.
([11]) سورة الحجرات، الآية رقم (10).
([12]) أخرجه البخاري في صحيحه [أبواب المساجد، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، (1/ 182رقم 466)، ومسلم في صحيحه (كتاب البر والصلة والآداب ، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم (4/ 1999رقم 2585)] من حديث أبي موسى الأشعري.
([13]) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم (4/ 1999رقم 2586)] من حديث النعمان بن بشير.
([14]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب النكاح ، باب لا يخطب من خطب على أخيه حتى ينكح أو يدع [(5/ 1976رقم 4849)] ، ومسلم في صحيحه [كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم (4/ 1985رقم 2563)] من حديث أبي هريرة.
([15]) علي بن أبي طالب بن عبد مناف بن عبد المطلب أبو الحسن أمير المؤمنين، روى عن النبي وعن أبي بكر وعمر وغيرهم ، وروى عنه ولداه الحسن والحسين، وابن مسعود وغيرهم، ولد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح، وكان قتله ليلة السابع عشر من شهر رمضان سنة 40هـ [الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (4/ 564)].
([16]) فيض القدير شرح الجامع الصغير، لعبدالرؤوف المناوي (5/ 412)، المكتبة التجارية الكبرى بمصر، الطبعة الأولى، 1356هـ ، والآية رقم (100ـ101) من سورة الشعراء.




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام