الجمعة 21 جمادى الأولى 1441 هـ || الموافق 17 يناير 2020 م


قائمة الأقسام   ||    أسئلة حول ثورات الربيع العربي وأقوال الثوار    ||    عدد المشاهدات: 418

الخروج الثوري المسمى عصريا بالسلمي الذي يمنعه الحاكم خروج عن طاعة ولي الأمر

حوار هادئ مع الدكتور صادق بن محمد البيضاني

أجرى الحوار: عارف عقلان المدحجي

 

الحلقة رقم (5)


س5: ما هو قولكم في من يقول: " إن ثورة فبراير - باليمن على الرئيس علي عبد الله صالح- ليست خروجاً مسلحاً فيها اختلاف بين الائمة بل هي معارضة سلمية مشروعة"، وأيضاً هل صحت الآثار التالية، وما المقصود منها: 1- أن أبا بكر الصديق قال: "أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، ... أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم"، 2- "أن عمر بن الخطاب قال يوماً وحوله المهاجرون والأنصار: "أرأيتم لو ترخصت في بعض الأمر ماذا كنتم فاعلين" قال: فقال له بشير بن سعد: "لو فعلت قومناك تقويم القادح" فقال عمر: "أنتم إذا أنتم"، 3- أن عثمان قال: "إن وجدتم في كتاب الله عز وجل أن تضعوا رجلي في القيد، فضعوها"، 4- أن علي بن أبي طالب قال: "ألا وإنه ليس لي أمر دونكم، إلا أن مفاتيح مالكم معي، ألا وإنه ليس لي أن آخذ منه درهماً دونكم، رضيتم؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد عليهم، ثم بايعهم على ذلك ...ثم قال: يا أيها الناس: إن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم"؟


ج5: سبق الجواب عن قضية الخروج على الحاكم هل هو مقيد بالسلاح أو قد يكون بغير السلاح، ومما قلته آنفاً أن الانكار على الحاكم من غير فتنة مؤدية للخروج عليه جائز بحيث يكون الانكار عبارة عن نصيحة من حكيم غيور على الدين والعرض والأرض لحديث أبي سعيد الخدري الذي يقول فيه كما في سنن ابن ماجه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر"، يؤكد نصيحة السر بقوله: "عند سلطان جائر"، ولم يقل: "عند العامة ولم يقل بالاعتصامات والمظاهرات ضد الحاكم وعلى المنابر وفي الصحف ووسائل الإعلام ونحوها" لأن مثل ذلك لم نر منه سوى المفاسد والدماء وتفلت الأمن وظهور الفساد منذ القدم حتى الساعة.

وقد ثبت في مسند الإمام أحمد وعند ابن ابى عاصم في السنة عن عياض بن غنم رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "من أراد أن ينصح لذي سلطان في أمر فلا يبده علانية، وليأخذه بيده، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدَّى الذي عليه".

وأما من يدعى أن الخروج لا يكون إلا بالسيف فقد أخطأ، إذ لا يكون السيف إلاّ تعبيراً عمّا في النفوس"، و "رب كلمة تقتل أمة"، وقد أجمع العلماء على أن الخوارج خرجوا على عثمان رغم أنهم لم يخرجوا عليه بالسيف ليحاربوا جيشه وإنما تكلموا وحرضوا الناس فسماهم يومها أهل السنة قاطبة بأنهم خوارج، ولم يخرجوا بالسيوف على جماعة المسلمين إلا زمن علي رضي الله عنه

ولذا بين النووي أن الخروج قد يكون بالسيف وبغيره بإجماع المسلمين فقال كما في شرح مسلم (12/229): "وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين" اهـ حيث ذكر الخروج المطلق ثم أردفه بالقتال المسلح ليبين أن الاجماع انعقد بالخروج عن طاعته سواء بالكلمة أو السيف وهذا ما عليه السلف ومن بعدهم، فالخروج لا يعني عدم الانكار الجائز كما تقدم.

ومثله ما قاله علماء الاسلام ممن نقلوا اجماع أهل السنة بعدم الخروج على الحاكم الظالم، وإنما ذكروا القتال بالسيف لشهرته لا لتقييده كما بينته لكم سابقاً، فالخوارج سموا بالخوارج لخروجهم على السلطان بالكلمة وسموهم بالخوارج قبل خروجهم بالسيف بسنين، وهذا هو المقصود من قوله عليه الصلاة والسلام: "اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة" أخرجه البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه.

يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى(35/12) "وأما أهل العلم والدين والفضل فلا يرخصون لأحد فيما نهى الله عنه من معصية ولاة الأمور وغشهم والخروج عليهم بوجه من الوجوه، كما قد عرف من عادات أهل السنة والدين قديمًا وحديثًا ومن سيرة غيرهم" اهـ

فذكر ابن تيمية أن الخروج يحرم في كل الوجوه لا فرق بين السيف أو غيره.

ومثله قال الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه حادي الأرواح (289): "والانقياد لمن ولاه الله عز وجل أمركم لا تنزع يدًا من طاعته ولا تخرج عليه بسيف حتى يجعل الله لكل فرجًا ومخرجًا، ولا تخرج على السلطان، وتسمع وتطيع، ولا تنكث بيعته، فمن فعل ذلك فهو مبتدع مخالف مفارق للسنة والجماعة" اهـ

فذكر الخروج بالسيف والخروج المطلق.

فعدم السمع للأمير بالمعروف خروج عن طاعته، ثم ولاة الأمر في عام ثورات الربيع منعوا الناس من البقاء في ساحات الاعتصام وأيضاً منعوا المظاهرات فهل قبلوا أم رفضوا، الجواب رفضوا، وهذا عين الخروج عن الطاعة لكونه أمرهم بمعروف لا بمعصية، مما سبب ذلك سفك دماء المعتصمين فلا تسموه سلمياً حتى تعرفوا أن السلمي هذا خروج عن طاعة ولي الأمر وإن لم يكن مسلحاً، ثم السلطان الظالم الغشوم لم يقم سلطانه إلا بالسيف ولا زال يحرسه بالسيف، فحفاظاً على سلامة الدماء والبعد عن بطشه لزم الابتعاد عن مواطن الخروج عليه درءاً للمفاسد وجلباً للمصالح، هكذا قامت نصوص الشريعة، وكما قلت سابقاً في المثل العامي: "من أيقظ الثور وهو راقد؟!

ومما لا يخفى عليكم أن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان كان من الحكام الظلمة وقتل أميره الحجاج بن يوسف الصحابي الجليل عبد الله بن الزبير، وهدم الكعبة بالمنجنيق من جبل أبي قبيس وعبد الله بن عمر وغيره من الصحابة أحياء ويبايعونه رغم هذا كلّه، ولم يخلعوا يد الطاعة بل خطأوا الزبير ومن معه.

وأما أن الثورة مشروعة فنعم مشروعة في النظام الديمقراطي الذي جاءنا من اليهود والنصارى، أما في شريعة محمد بن عبد الله فلا أثر لها سوى ادعاء وتبريرات ثورية، ولعلك تذكر قولي سابقاً عندما قلت لك: إني ناقشت بعض من تسميهم بمشايخ فبراير حول هذه الثورة، فلما لم يجدوا مخرجاً شرعياً قال لي بعضهم: نحن قمنا بالثورة لأن الدستور كفل لنا ذلك، فقلت تقصد الدستور الديمقراطي وليس الشرعي فقال: الديمقراطية هي الحكم السائد في اليمن، فقلت: إذن من البداية قل لي إن القضية ديمقراطية وليست قضية دين ودفع مفاسد عن الأمة، أما أنك تسوق لي مجموعة من الأدلة الشرعية في غير موضعها لتبرر الثورة الديمقراطية، فهذا لا يليق، ولا يجوز لك شرعاً.

وأما الآثار الأربعة التي ذكرها عن الخلفاء الراشدين فكلها ثابتة ما عدا أثر علي رضي الله عنه فإنه ضعيف جداً مسلسل بالمجاهيل، ولا مانع من الاستدلال على سبيل الاستئناس بهذه الاثار الثلاثة الثابتة على الانكار على الوالي الظالم دون الخروج عليه ودون تأليب العامة للخروج عليه كما بسطته في مقدمة هذا المقال وأطلت فيه النفس في كتابي: " الوثيقة المهمة" وأيضاً من خلال مقالات "دراسات شرعية منهجية في ظل الانحراف الفكري" وإليك الخلاصة في تخريج هذه الآثار:

أولاً أثر أبي بكر الصديق وهو قوله: "أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، ... أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم " فقد أخرجه الدارقطني في كتابه المؤتلف والمختلف وفي غرائب مالك، والبيهقى في السنن الكبرى، وابن هشام في السيرة النبوية، وابن جرير في تاريخه، وأورده ابن كثير في البداية والنهاية ولم يسنده، وإنما نقلاً من كتاب المغازي لابن اسحاق، وصححه، والأثر حسن وقد صرح فيه ابن اسحاق بالتحديث، فهو ثابت لا محالة، وقد أخرجه عبدالرزاق الصنعاني في مصنفه بإسناد ضعيف فيه جهالة لكونه قال: "عن معمر قال: حدثني بعض أهل المدينة قال: خطب أبو بكر، وذكره، لكن هذه الرواية لا تضر فقد ثبت من رواية ابن اسحاق السابقة الذكر عن أنس موقوفاً.

وقد فسر علماء الاسلام قول أبي بكر بأنه من قبيل تواضعه واستصغاره لنفسه كما حكاه أبو نعيم الاصبهاني في كتابه الإمامة والرد على الرافضة (ص268).

وأما أثر عمر "أن عمر بن الخطاب قال يوماً وحوله المهاجرون والأنصار: "أرأيتم لو ترخصت في بعض الأمر ماذا كنتم فاعلين" قال: فقال له بشير بن سعد: "لو فعلت قومناك تقويم القدح" فقال عمر: "أنتم إذا أنتم" وقد ذكره السائل بلفظ: " تقويم القادح" وهذا خطأ، والصواب: "القدح"، وقد أخرجه البخاري في التاريخ الكبير، وابن عساكر في تاريخه، والهروي في جامعه، وأصله عند ابن المبارك في الزهد بغير السياق المذكور، والأثر في غاية الصحة، وقد تعجبت لمن ضعفه وضعف أثر أبي بكر السابق لكونه وقف على بعض طرقه دون أن يستوعب التخريج.

وليس معنى الحديث أن بشيراً ومن معه سيخرجون عن عمر لو أخطأ أو لم يعدل، وإنما المقصود أن يقوموه بالنصح والارشاد، ولم يقل أحد من أهل العلم المتقدمين أنه بمعنى الخروج عن طاعته أو أن عمر قصد ذلك، ولذا فعبارة: "لو فعلت قومناك تقويم القدح" كناية عن تقويمه بالنصيحة، والقدح هو السهم، ومنه الحديث الصحيح عند أبي داود وغيره وأصله في مسلم، قال النعمان بن بشير: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسوي الصف حتى يجعله مثل القدح".

وأما أثر عثمان أنه قال: "إن وجدتم في كتاب الله عز وجل أن تضعوا رجلي في القيد، فضعوها" فقد أخرجه أحمد في مسنده، وفي فضائل الصحابة، والأثر صحيح.

ومعنى الأثر: إن خالفت الشرع وعندكم دليل على المخالفة من كتاب الله استحق به القيد فافعلوا حتى أرجع لصوابي، وهذا من تواضعه إذ يتعذر فعل مثل ذلك من الصحابة لولي أمرهم رضي الله عنهم وعنه.

وأما أثر علي رضي الله عنه وهو قوله: "ألا وإنه ليس لي أمر دونكم، إلا أن مفاتيح مالكم معي، ألا وإنه ليس لي أن آخذ منه درهما دونكم، رضيتم؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد عليهم، ثم بايعهم على ذلك...ثم قال: يا أيها الناس: إن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم" فقد أخرجه الطبراني في تاريخه، وهو أثر ضعيف جداً، مسلسل بالمجاهيل، فجعفر بن عبد الله المحمدي من الحادية عشرة، وهو مجهول، وحسين بن عيسى بن زيد فيه ضعف وسكت عنه أبو حاتم، وعيسى بن زيد ثائر ولم يوثقه معتبر، وأبو ميمونة ضعيف، قال عنه يحيى بن معين: شيخ كوفي مُقَرْقَمٌ.

فلا يصح الأثر البتة، فأغنانا ذلك عن بيان معناه.

للحوار بقية، يتبع في حلقات قادمة بإذن الله.




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام