الجمعة 24 ربيع الأول 1441 هـ || الموافق 22 نونبر 2019 م


قائمة الأقسام   ||    روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة    ||    عدد المشاهدات: 250

ينبغي للمسلم عند النصيحة حسن الظن بأخيه المنصوح مع حسن الطرح

(ضمن سلسلة روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة)
الحلقة رقم (24)

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


إذا عرف الناصح الداء المراد إزالته من المتشبث به وقامت الحجة العلمية في كونه داءً يخالف الشريعة ، لزم البدء بالنصيحة لكن يجب " على الداعية عند النصح أن يحسن إلى المنصوح ، فيتلطف في بذلها غاية التلطف ، ويحتمل أذى المنصوح ولئامته، ويعامله معاملة الطبيب المشفق على المريض المشبع مرضاً ، وهو يحتمل سوء خلقه وشراسته ونفرته ، ويتلطف في وصول الدواء إليه بكل ممكن فذا شأن الناصح"([1]).
بحيث يختلي المسلم بأخيه ويحسن أسلوب الطرح وينبهه على العيب أو يرشده بما هو أولى وأجدر به شرعاً بأسلوب مقبول سائغ التداول ، حتى يتم المقصود الذي لأجله قام دافع النصح ،فيحتال " على صرفه عما يهواه من القبيح بألطف حيلة وأجمل وسيلة "([2]) بالحجة والبرهان، ولا يباشره بخطئه بقوله : لقد أخطأت أو زلت قدمك في كذا وكذا، أو وقعت في باطل أو معصية أو يا عاصي ، أو يا فاسق ، أو يا ضال ونحوها من الألفاظ الخشنة ، ولكن يطرح ذلك بذكر ما في المنصوح من وجوه الخير، أو يبدأ النصح بذكر ما كان عليه السلف من الخير والتناصح ونحو ذلك بحيث يجعل مقدمةً للنصح حتى لا يفاجئ المنصوح بعيبه وزلته فيقع في ما لا يحمد عقباه من ردة الفعل ، فإن كان خطيباً أو واعظاً فله أن ينصح دون أن يعين فيقول مثلاً " ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا ، أو يقولون كذا وكذا" كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ([3]) ويطرح المسألة طرحاً علمياً مبنياً على أدلة الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة ، فإذا كان الناصح من أصحاب الولاية أو القَدْر العلي فله أن يُعيِّن في المواضع التي يغلب فيها الظن المصلحة الراجحة فيذكر الأسماء بجرح مباشر ليردع المخطئ ويعيده إلى صوابه بحسب معرفته بحال المنصوح ونفسيته ونحوها من المسوِّغات.
ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل([4]) "يا معاذ أفتان أنت"([5]).
وقوله لأبي ذر "إنك امرأ فيك جاهلية" ([6]).
لذا ينبغي للناصح أن ينوِّع في الطرح العلمي مع النقد حسب المصلحة والمفسدة بحيث لا يُغَلِّبُ جانباً على جانب ، فإذا أظهر المنصوح التجاوب فاحمد الله واحمله على الظاهر وأحسن الظن به ، ولا تقل : لعله خجل مني أو استحى، أو تظاهر لي بخلاف باطنه، فهذه ظنون لا يجوز للناصح أن يُغَلِّبها فقد تكون وساوس شيطانية، وعليه أن يحمل المنصوح على أحسن المحامل، وقد أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عتبة قال سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "إن أناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيراً أمناه وقربناه وليس إلينا من سريرته شيء الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءاً لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة".

أكتفي بهذا القدر، وللكلام بقية أستأنفه غداً بإذن الله، وفق الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.

_________________
([1])كتاب الروح لابن القيم (ص257).
([2]) جواهر الأدب للسيد أحمد الهاشمي (ص13) ، مؤسسة المعارف، بيروت ، الطبعة الأولى.
([3]) ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله ، من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فليس له وإن اشترط مائة مرة "، وقوله : " ما بال أقوم يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم " ، ووعظ الناس بعد صلاة عشاء فقال : " أما بعد فما بال العامل نستعمله فيأتينا، فيقول هذا من عملكم وهذا أُهدي لي ، أفلا قعد في بيت أبيه وأمه فنظر هل يُهدى له أم لا؟"، و"رأى نخامة في قبلة المسجد فأقبل على الناس ، فقال : ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فيتنخع أمامه " ، وقوله : " ما بال رجال يواصلون إنكم لستم مثلي ، أما والله لو تماد لي الشهر لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تَعمقَهم " ، وقوله : " ما بال أقوام قالوا كذا وكذا ؟ لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني "، ومرة " قام النبي صلى الله عليه وسلم من العشي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : " أما بعد فما بال أقوام إذا غزونا يتخلف أحدهم عنا له نبيب كنبيب التيس " ،و"صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم أمراً فترخص فيه فبلغ ذلك ناساً من أصحابه فكأنهم كرهوه وتنزهوا عنه ، فبلغه ذلك فقام خطيباً فقال : " ما بال رجال بلغهم عني أمر ترخصت فيه فكرهوه وتنزهوا عنه ، فوالله لأنا أعلمهم باللهوأشدهم له خشية " وهذه الروايات كلها في الصحيحين أو أحدهما ، وهناك أخرى كثيرة تدل على حسن الأداء عند النصح دون تسمية المخطئ إلا مواضع قليلة لمصلحة راجحة كما سيأتي قريباً.
([4]) معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس ، أبو عبد الرحمن الأنصاري الخزرجي ،المقدم في علم الحلال والحرام، كان من أجمل الرجال ، شهد المشاهد كلها ، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث ، روى عنه ابن عباس وابن عمر وغيرهما ، بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ، وقدم منها في خلافة أبي بكر ، وكانت وفاته بالطاعون في الشام سنة سبع عشرة أو التي بعدها وهو قول الأكثر ،وعاش أربعاً وثلاثين سنة ، وقيل غير ذلك [أسد الغابة لابن الأثير(5/ 204)] وكذا [الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (6/ 136)].
([5]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الجماعة والإمامة ،باب من شكا إمامه إذا طول (1/ 249 رقم673) ، ومسلم في صحيحه كتاب الصلاة ، باب القراءة في العشاء (1/ 339 رقم 465)] كلاهما من حديثجابر بن عبد الله الأنصاري [ واللفظ للبخاري ] قال : أقبل رجل بناضحين وقد جنح الليل، فوافق معاذاً يصلي فترك ناضحه، وأقبل إلى معاذ فقرأ بسورة البقرة أو النساء فانطلق الرجل، وبلغه أن معاذاً نال منه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه معاذاً ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا معاذ أفتان أنت؟ أو(فاتن)ثلاث مرات، فلولا صليت بسبح اسم ربك ، والشمس وضحاها ، والليل إذا يغشى، فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة ".
([6]) أي خصلة جاهلية مع أن منزلة أبي ذر من الإيمان في الذروة العالية ، وإنما وبخَّه بذلك على عظيم منزلته عنده تحذيراً له عن معاودة مثل ذلك ، لأنه وإن كان معذوراً بوجه من وجوه العذر ، لكن وقوع ذلك من مثله يستعظم أكثر ممن هو دونه "[ انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر (1/ 85)] ، والحديث أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الإيمان ،باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك (1/ 20 رقم 30)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب إطعام المملوك مما يأكل وإلباسه مما يلبس ولا يكلفه ما يغلبه (3/ 1282 رقم 1661)]كلاهما من حديث المعرور بن سويد قال : " لقيت أبا ذر بالربذة وعليه حلة وعلى غلامه حلة ، فسألته عن ذلك ؟ فقال: إني ساببت رجلاً فعيَّرتُه بأمه ، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم : " يا أبا ذر أعيرته بأمه ؟! إنك امرءٌ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم ، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده ، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم ".




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام