الجمعة 24 ربيع الأول 1441 هـ || الموافق 22 نونبر 2019 م


قائمة الأقسام   ||    روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة    ||    عدد المشاهدات: 238

القرآن الكريم يدعو المسلمين إلى رابطة حسن الظن بإخوانهم

(ضمن سلسلة روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة)
الحلقة رقم (31)

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


وردت جملةٌ من الآيات القرآنية في حسن الظن، وعدم تصديق ما قيل من الأقوال والظنون حتى يُتثبت من كلام الناقل، قال تعالى : {إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} ([1])، وكذا التثبت من صحة وقوع التهمة ، وهذا ما نص عليه الشرع المطهر ، ومن ذلك قوله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ } - إلى قوله تعالى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ (12)}([2]).

والشاهد في الآيتين السابقتين: أن أهل الإيمان لما سمعوا ما قيل في عائشة رضي الله عنها من الفحش أحسنوا الظن بها وبمن اتهم معها، وهذا واضح جلي في قوله تعالى: {ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً} .

قال الحسن البصري في تفسير هذه الآية: "وقال المؤمنون والمؤمنات: هذا الذي سمعناه من القول الذي رُمي به عائشة من الفاحشة كذب وإثم يبين لِمَن عَقِلَ وفَكَّر فيه أنه كذب وإثم وبهتان" ([3]).

وقد قيل في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}([4])، " قيل : إنها : نزلت في رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم اغتابا رفيقهما وذلك [أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر ضم الرجل المحتاج إلى الرجلين الموسرين فيخدمهما ، فضم سلمان إلى رجلين فتقدم سلمان إلى المنزل فغلبته عيناه فنام ولم يهيئ لهما شيئاً ، فجاءا فلم يجدا طعاماً وإداماً ، فقالا له : انطلق فاطلب لنا من النبي صلى الله عليه وسلم طعاماً وإداماً ، فذهب ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اذهب إلى أسامة بن زيد فقل له إن كان عندك فضل من طعام فليعطك ـ وكان أسامة خازن النبي صلى الله عليه وسلم ـ فذهب إليه فقال أسامة: ما عندي شيء فرجع إليهما فأخبرهما ، فقالا : قد كان عنده ولكنه بخل ثم بعثا سلمان إلى طائفة من الصحابة ، فلم يجد عندهم شيئاً ، فقالا : لو بعثنا سلمان إلى بئر سميحة ([5]) لغار ماؤها ، ثم انطلقا يتجسسان هل عند أسامة شيء ، فرآهما النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما لي أرى خَضِرَة اللحم في أفواهكما ، فقالا : يا نبي الله ، والله ما أكلنا في يومنا هذا لحماً ولا غيره ،فقال : " ولكنكما ظلتما تأكلان لحم سلمان وأسامة " فنزلت : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ "ذكره الثعلبي، أي لا تظنوا بأهل الخير سوءاً إن كنتم تعلمون من ظاهر أمرهم الخير "([6]).

وجاء في تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً} ([7]).
قال ابن عباس : كان رجل في غنيمة له ، فلحقه المسلمون ، فقال: السلام عليكم ، فقتلوه وأخذوا غنيمته ، فأنزل الله هذه الآية ([8]).

وفي رواية أخرى "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها المقداد بن الأسود، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا ، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح، فقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأهوى عليه المقداد فقتله ، فقال له رجل من أصحابه : أقتلت رجلاً شهد أن لا إله إلا الله ؟ والله لأذكرنَّ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : يا رسول الله إن رجلاً شهد أن لا إله إلا الله فقتله المقداد ، فقال : ادعوا لي المقداد [ ولما جاء، قال له ] يا مقداد : أقتلت رجلاً يقول : لا إله إلا الله، فكيف لك بلا إله إلا الله غداً؟، قال : فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ}، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد: " كان رجلاً مؤمناً يخفي إيمانه مع قوم كفار ، فأظهر إيمانه فقتلته ، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل"([9]).

أكتفي بهذا القدر، وللكلام بقية أستأنفه غداً بإذن الله، وفق الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.
______________
([1]) سورة الحجورات ، الآية رقم (6).
([2]) سورة النور ، الآية رقم (11ـ12).
([3]) جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري (18/ 96).
([4]) سورة الحجرات ، الآية رقم (12).
([5]) بئر قديمة ، كثيرة الماء ، كانت بالمدينة [ أنظر تاج العروس للزبيدي (6/ 486)].
([6]) الجامع لأحكام القرآن الكريم للقرطبي (16/ 331)، ولم أجد من أسند هذه الرواية بسند متصل سوى حكاية بعض المفسرين عن الثعالبي ، وهو حاطب ليل في الحديث.
([7]) سورة النساء ، الآية رقم (94).
([8]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب التفسير ، باب" وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً" (4/ 1677 رقم 4315)].
([9]) أخرجه مسلم في صحيحه مختصراً [كتاب الديات، وقول الله تعالى "ومن يقتل مؤمناً متعمداً ، فجزاؤه جهنم " (6/ 2518 رقم 6472)، والطبراني في المعجم الكبير واللفظ له (أحاديث عبد الله بن العباس، 12/ 30 رقم 12379) ] كلاهما من حديث ابن عباس.




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام