الجمعة 24 ربيع الأول 1441 هـ || الموافق 22 نونبر 2019 م


قائمة الأقسام   ||    روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة    ||    عدد المشاهدات: 220

حسن الظن في ما ظهر من أفعال الناس على ضوء السنة المطهرة

(ضمن سلسلة روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة)
الحلقة رقم (34)

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


وردت جملة من الأحاديث الصحيحة في حسن الظن في ما ظهر من الأفعال، وأن الفاعل يُحمل على أحسن المحامل لعل له عذراً أو مسوغاً ونحوها من الالتماسات والأعذار.

ففي الصحيحين عن عَلِيّ بن الحسين رضي الله عنهما: "أن صفية ([1]) زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعةً، ثم قامت تنقلب فقام النبي صلى الله عليه وسلم معها يقلبها ([2]) حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة ([3]) مر رجلان من الأنصار فسلما على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: على رسلكما ([4]) إنما هي صفية بنت حيي "، فقالا: سبحان الله يا رسول الله وكبر عليهما.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم ، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً " ([5]) .

وفي هذا الحديث "بيان شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته وإرشادهم إلى ما يدفع عنهم الإثم وفيه التحرز من التعرض لسوء الظن والاحتفاظ من كيد الشيطان والاعتذار، قال ابن دقيق العيد: وهذا متأكد في حق العلماء ومن يُقتدى به فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلاً يوجب سوء الظن بهم وإن كان لهم فيه مخلص لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم " ([6]).

وجاء الحديث عن أنس بلفظ: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مع إحدى نسائه فمر به رجل ، فدعاه فجاء ، فقال : يا فلان هذه زوجتي فلانة ، فقال : يا رسول الله مَنْ كنتُ أظنُّ به فلم أكنْ أظنُ بك ؟! ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم " ([7]).

قال النووي بعد ذكر هاتين الروايتين: "الحديث فيه فوائد منها بيان كمال شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته ومراعاته لمصالحهم وصيانة قلوبهم وجوارحهم وكان بالمؤمنين رحيماً ، فخاف صلى الله عليه وسلم أن يُلقي الشيطان في قلوبهما فيهلكا فان ظن السوء بالأنبياء كفر بالإجماع ، والكبائر غير جائزة عليهم ، وفيه أن من ظن شيئاً من نحو هذا بالنبي صلى الله عليه وسلم كفر .. وفيه استحباب التحرز من التعرض لسوء ظن الناس في الإنسان وطلب السلامة والاعتذار بالأعذار الصحيحة وأنه متى فعل ما قد ينكر ظاهره مما هو حق وقد يخفى أن يبين حاله ليدفع ظن السوء ، وفيه الاستعداد للتحفظ من مكايد الشيطان فإنه يجرى من الإنسان مجرى الدم فيتأهب الإنسان للاحتراز من وساوسه وشره والله أعلم " ([8])، وفي الصحيحين أيضاً عن كعب بن مالك ([9]) يحدث حين تخلف عن تبوك ، قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك غير أني كنت تخلفت في بدر ولم يعاتب أحداً تخلَّف ـ وفي الحديث: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما فَعَلَ كعب ؟ ، فقال رجل من بني سلمة : يا رسول الله حبسه برداه ونظره في عطفيه ([10])، فقال معاذ بن جبل : بئس ما قلت ، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم " ([11])، وفي قول معاذ بن جبل بيانُ أن حسن الظن مطلوب ولذا أقره النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الظن الحسن بكعب ولم يعنِّف عليه قولَه للرجل الذي من بني سلمة : "بئس ما قلت" وفيه أن زيادة العلم يُحَصِّنُ المسلم من الوقوع في إخوانه المسلمين ، وقد كان معاذ رضي الله عنه أعلم الصحابة بالحلال والحرام ([12]).

ومن ذلك حسن ظنه صلى الله عليه وسلم واعتذاره لحاطب بن أبي بلتعة ([13]) الذي "كتب إلى قريش كتاباً يخبرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ، ثم أعطاه امرأة، وجعل لها جعلاً على أن تُبلِّغه قريشا" ([14]).
فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فرد عليه بقوله "إنه قد شهد بدراً وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"
([15])، وقد جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل حاطباً ليتبين هل له من عذر أو دافع يخرجه من مأزق ما ظاهره الموالاة للأعداء التي قد يظنها البعض، فقال له: "يا حاطب ما هذا؟ قال : لا تعجل عليَّ يا رسول الله إني كنت امرأً ملصقاً في قريش ، وكان ممن كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يداً يحمون بها قرابتي ولم أفعله كفراً ولا ارتداداً عن ديني ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لقد صدقكم" ([16]).

ومن إحسان الظن ما رُوِيَ عن ابن عباس: "أن هذه الآية وهي قوله تعالى: {مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106)} ([17]).
نزلت في عمار بن ياسر ([18]) حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فوافقهم على ذلك مُكرهاً وجاء مُعتذراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية " ([19]).

وفي رواية "أن المشركين أخذوا عمار بن ياسر فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " كيف تجد قلبك؟" ، قال: مطمئناً بالإيما ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن عادوا فعد" ([20]).
حيث نجد في هذه الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الظن بعمار لعلمه بأنه مكره وقلبه مطمئن بالإيمان بنحو ما عذره به الشرع فقبل عذره وحَمَلَه على ما عُرِف به من الإيمان.

أكتفي بهذا القدر، وللكلام بقية أستأنفه غداً بإذن الله، وفق الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.
_______________
([1]) صفية بنت حيي بن أخطب بن سعنة بن ثعلبة بن عبيد بن كعب بن أبي حبيب من بني النضير ، وهو من سبط لاوي بن يعقوب ثم من ذرية هارون بن عمران أخي موسى عليهما السلام ، كانت تحت سلام بن مشكم ثم خلف عليها كنانة بن أبي الحقيق فقتل كنانة يوم خيبر فصارت صفية مع السبي فأخذها دحية ثم استعادها النبي صلى الله عليه وسلم فأعتقها وتزوجها كما في الصحيحين من حديث أنس، ماتت رضي الله عنها سنة خمسين للهجرة [ الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (7/ 738ـ741)].
([2]) قوله " ثم قامت تنقلب " أي ترد إلى بيتها " فقام معها يقلبها " بفتح أوله وسكون القاف أي يردها إلى منزلها [ انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر (4/ 279)].
([3]) أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم [ واسمها ] هند بنت أبي أمية ، كانت قبله عند أبي سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، فولدت له عمر وسلمة ودرة وزينب ، يقال : إنها أول ظعينة دخلت المدينة شرَّفها الله تعظيماً وتكريماً مهاجرة ، توفيت أم سلمة أول أيام يزيد بن معاوية ، وقيل : إنها توفيت في شهر رمضان أول شوال سنة تسع وخمسين للهجرة ، وصلى عليها أبو هريرة، وقيل: صلى عليها سعيد بن زيد أحد العشرة [ الاستيعاب بمعرفة الأصحاب لابن عبد البر (4/ 1920)] ، وكذا [أسد الغابة لابن الأثير (7/ 312)].
([4]) أي اتئدا ولا تعجلا ، قال الحافظ :" لم أقف على تسميتهما في شيء من كتب الحديث إلا أن ابن العطار في شرح العمدة زعم أنهما أسيد بن حضير وعباد بن بشر ولم يذكر لذلك مستنداً " كذا في فتح الباري (4/ 279).
([5]) أخرجه البخاري في صحيحه [ كتاب الإعتكاف, باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد (2/ 715 رقم 1930) ، ومسلم في صحيحه ، كتاب السلام ، باب بيان أنه يُستحب لمن رؤي خالياً بامرأة وكانت زوجته أو محرماً له أن يقول هذه فلانة ... (4/ 1712 رقم 2175)].
([6]) انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري (4/ 279).
([7]) أخرجه مسلم في صحيحه [ كتاب السلام ، باب بيان أنه يستحب لمن رؤي خالياً بامرأة وكانت زوجته أو محرماً له أن يقول هذه فلانة ليدفع ظن السوء به (4/ 1712 رقم 2174)].
([8]) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (14/ 156).
([9]) كعب بن مالك بن أبي كعب بن القين بن كعب أبو عبد الله الأنصاري السلمي ، ويقال أبو بشير ، شهد العقبة وبايع بها وتخلف عن بدر وشهد أحداً وما بعدها وتخلف في تبوك وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم ، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وأسيد بن حضير ، روى عنه أولاده عبد الله وعبد الرحمن وعبيد الله ومعبد ومحمد وابن عباس وجابر وغيرهم ، مات رضي الله عنه أيام قتل علي بن أبي طالب [الإصابة في تمييز الإصابة لابن حجر (5/ 610)].
([10]) أي منعه من الخروج إعجابه بنفسه ولباسه ، وبرداه مثنى برد ، وهو الكساء وعطفيه بالجر: مثنى عطف وهو الجانب.
([11]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك وقول الله عز وجل " وعلى الثلاثة الذين خلفوا "(4/ 1603) ، ومسلم في صحيحه [ كتاب التوبة ، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه (4/ 2120 رقم 2769)].
([12]) أخرج الترمذي وغيره من حديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أرحم أمتي بأمتي أبو بكر ، ... وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل.." وقال الترمذي : والحديث صحيح.
([13]) حاطب بن أبي بلتعة بفتح الموحدة وسكون اللام بعدها مثناة ثم مهملة مفتوحات بن عمرو بن عمير بن سلمة بن صعب بن سهل اللخمي رضي الله تعالى عنه، حليف بني أسد بن عبد العزى، وكان أحد فرسان قريش في الجاهلية وشعرائها، فأسلم وشهد بدراً، وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب إلى المقوقس ملك الإسكندرية، مات حاطب رضي الله عنه في سنة ثلاثين في خلافة عثمان، وله خمس وستون سنة [الإصابة في تمييز الإصابة لابن حجر (2/ 4ـ5)].
([14]) زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم(3/ 398)، تحقيق شعيب الأرناؤوط- عبد القادر الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت - الكويت، الطبعة: الرابعة عشر، 1407هـ – 1986م. .
([15]) أخرجه البخاري في صحيحه[ كتاب الجهاد والسير، باب الجاسوس، وقول الله تعالى " لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء " (3/ 1095 رقم 2845 ) ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أهل بدر رضي الله عنهم وقصة حاطب بن أبي بلتعة (4/ 1941 رقم 2494 ) كلاهما من حديث علي.
([16]) هو جزء من الحديث السابق .
([17]) سورة النحل ، الآية رقم (106).
([18]) عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة المذحجي ثم العنسي أبو اليقظان ، وهو من السابقين الأولين إلى الإسلام وهو حليف بني مخزوم . وأمه سمية وهي أول من استشهد في سبيل الله عز وجل وهو وأبوه وأمه من السابقين ، وأسلم عمار ورسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم ، وشهد بدراً وأحداً والخندق وبيعة الرضوان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستعمله عمر بن الخطاب على الكوفة ، قتل يوم الجمل مع جيش علي سنة37هـ [أسد الغابة لابن الأثير (4/ 139 وما بعدها)].
([19]) جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري(14/ 181).
([20]) المصدر السابق ( نفس الموضع ).




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام