الخميس 8 ربيع الآخر 1441 هـ || الموافق 5 دجنبر 2019 م


قائمة الأقسام   ||    روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة    ||    عدد المشاهدات: 389

أحاديث صحيحة في الأخلاق الفاضلة مع بيان بعض الأحاديث الضعيفة في الباب

(ضمن سلسلة روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة)
الحلقة رقم (42)

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


هذه جملة من الأحاديث الصحيحة التي أكَّد فيها النبي صلى الله عليه وسلم أهمية الأخلاق الفاضلة من خلال توجيهاته ونصائحه لأمته، ومن ذلك :

قوله صلى الله عليه وسلم : "إنّما بعثتُ لأتمّم صالحَ الأخلاق" ([1])، وفي رواية "بعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق " ([2]).

وعن أبي ذر أنه قال: لما بلغه مبعث النبي صلى الله عليه وسلم قال لأخيه إركبْ إلى هذا الوادي فاسمعْ مِنْ قوله، فرجع، فقال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق " ([3]).

وقد أحسن من قال:

ولمْ أرَ مِنْ عيوبِ الناسِ شيناً *** كنقصِ القادرينَ على التَّمامِ

وقال صلى الله عليه وسلم: "ما مِنْ شىءٍ أثقلُ في الميزان من حُسْنِ الخلق" ([4]).

وقال صلى الله عليه وسلم: "أنا زعيم ببيتٍ في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وببيتٍ في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حَسَّنَ خُلُقَه " ([5]).

وفي هذا الحديث تصريح منه صلى الله عليه وسلم في كونه ضامناً لكل مَنْ حسَّن خلقه بقصرٍ في أعلى الجنة ، يُقال هذا قصر فلان بن فلان.

وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليدرك بحسن الخلق درجةَ الصائم القائم " ([6]).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلُقاً" ([7]).

وقال صلى الله عليه وسلم: "الا أنبئكم بشراركم، فقال : هم الثرثارون المتشدقون، ألا أنبئكم بخياركم أحاسنكم أخلاقاً" ([8]).

ومن ذلك أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ مِنْ أحبِّكم إليَّ ، وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً" ([9]).

وروى الإمام أحمد في مسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله سبحانه قسَّم بينكم أخلاقكم كما قسَّم بينكم أرزاقكم ، وإن الله يُعطي الدنيا مَنْ يُحب ومَنْ لا يُحب ، ولا يُعطي الدين إلا مَنْ يحب ، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبَّه " ([10]).

وعن النّوّاس بن سمعان ([11]) رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البرّ والإثم ، فقال: "البرّ حسن الخلق، والإثمُ ما حاك في صدرك، وكرهتَ أن يطّلع عليه الناس" ([12])، فحصر رسول الله صلى الله عليه وسلم البر كله في حسن الخلق لواحدٍ من أمرين : إما لأهمية حسن الخلق في الإسلام ،وإما لشدة حاجة النواس بن سمعان إلى الخلق الحسن، والثاني أظهر.

وعن أبي ذر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتق الله حيثما كنت، وأتبعِ السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن" ([13]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة ، قال: "تقوى الله وحسن الخلق" ([14]).

وقال النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ، ولكن يسعهم منكم بسطُ الوجه وحسن الخلق " ([15]).

وعن أنس رضي الله عنه قال: لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ذر فقال: "يا أبا ذر ألآ أدلك على خصلتين هما أخفُ على الظهر وأثقل في الميزان من غيرهما؟
قال: بلى يا رسول الله.
قال: عليك بحسن الخلق، وطول الصمت، فوالذي نفسي بيده ما تجمَّل الخلائق بمثلهما "
([16]).

وكان يقول صلى الله عليه وسلم في دعائه: "اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت ، واصرف عنِّي سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت " ([17]).
ونحوها من الأحاديث التي أكَّد فيها النبي صلى الله عليه وسلم أهمية الأخلاق الفاضلة من خلال توجيهاته ونصائحه لأمته.
أكتفي بهذا القدر، وللكلام بقية أستأنفه غداً بإذن الله، وفق الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.

________
([1]) أخرجه أحمد في مسنده [مسند أبي هريرة (2/ 381 رقم 8939)]، والحديث صحيح.
([2]) أخرجه الحاكم في المستدرك [كتاب تواريخ المتقدمين من الأنبياء و المرسلين ، من كتاب آيات رسول الله صلى الله عليه وسلم التي هي دلائل النبوة (2/ 670 رقم 4221)] من حدبث أبي هريرة مرفوعاً ، وقال الذهبي في التلخيص " على شرط مسلم ".
([3]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب فضائل الصحابة ، باب إسلام أبي ذر الغفاري رضي الله عنه (3/ 1401 رقم 3648) ، ومسلم في صحيحه (كتاب فضائل الصحابة ، باب من فضائل أبي ذر رضي الله عنه (4/ 1923 رقم 2474)] من حديث ابن عباس.
قوله " يأمر بمكارم الأخلاق " أي الفضائل والمحاسن لا الرذائل والقبائح [ انظر عمدة القاري شرح صحيح البخاري للقاري (22/ 118).
([4]) أخرجه أبو داود في سننه [ كتاب الأدب ، باب في حسن الخلق (2/ 668 رقم 4799 )] من حديث أبي الدرداء، والحديث حسن.
([5]) أخرجه أبو داود في سننه [ كتاب الأدب ، باب في حسن الخلق (2/ 668 رقم 4800)] من حديث أبي أمامة، والحديث صحيح وقوله " زعيم " أي ضامن وكفيل ، " ببيت " قال الخطابي : البيت هاهنا القصر ، يقال : هذا بيت فلان أي قصره ، " في ربض الجنة " بفتحتين أي ما حولها خارجاً عنها تشبيهاً بالأبنية التي تكون حول المدن وتحت القلاع كذا في النهاية ، " المراء " أي الجدال كسراً لنفسه كي لا يرفع نفسه على خصمه بظهور فضله [ انظر عون المعبود لآبادي (13/ 108)].
([6]) أخرجه أحمد في المسند [مسند عائشة رضي الله عنها (6/ 133 رقم 25057)]، والحديث صحيح لغيره.
([7]) أخرجه أبوداود في سننه [كتاب السنة ، باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه (2/ 632 رقم 4682)]، والحديث صحيح.
([8]) أخرجه أحمد في المسند [مسند أبي هريرة رضي الله عنه (2/ 369 رقم 8808)]، والحديث حسن لغيره.
" في النهاية " الثرثارون " هم الذي يكثرون الكلام تكلفاً وخروجاً عن الحق ، والثرثرة كثرة الكلام وترديده، " والمتشدقون " المتوسعون في الكلام من غير احتياط واحتراز ، وقيل أراد بالمتشدق المستهزىء بالناس يلوي شدقه بهم وعليهم انتهى ، والشدق جانب الفم "[انظر تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي للمباركفوري (6/ 136)].
([9]) أخرجه الترمذي في سننه [كتاب البر والصلة ، باب معالي الأخلاق (4/ 370 رقم 2018)] من حديث جابر ، والحديث صحيح.
قوله " إنَّ مِن أحبكم إلي " أي في الدنيا " أحاسنكم أخلاقاً " نصبه على التمييز وجمعه لإرادة الأنواع أو لمقابلة الجمع بالجمع [ انظر تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي للمباركفوري (6/ 135)].
([10]) أخرجه أحمد في المسند [مسند ابن مسعود رضي الله عنه (1/ 387 رقم 3672)] ، والحديث ضعيف في إسناده : الصباح بن محمد بن أبي حازم البجلي الأحمسي الكوفي ، قال عنه الحافظ في تقريب التهذيب (ص274) : ضعيف أفرط فيه ابن حبان. اهـ
قوله " قسم بينكم أخلاقكم " قبل أن يخلق الخلق بزمن طويل " كما قسم بينكم أرزاقكم " أي قدَّر أخلاقاً لخلقه فيما يتخلفون فيها يتخلفون كل على حسب ما قُدِّر له كما قدر الأرزاق فأعطى كلاً من عباده ما يليق به في الحكمة ، وكما قدَّر فيهم رحمة واحدةً فقسمها بينهم على التفاوت فيها يتراحمون "[ فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي (1/ 487)].
وحكى ابن بطال تبعاً للطبري خلافاً هل حسن الخلق غريزة أو مكتسب؟ وتمسك من قال بأنه غريزة بحديث ابن مسعود " أن الله قسم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم "[ فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر (10/ 459)].
([11]) النواس بن سمعان بن خالد بن عمرو العامري الكلابي له ولأبيه صحبة ، وحديثه عند مسلم في صحيحه ، معدود في الشاميين ، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعنه أبو إدريس الخولاني وجبير بن نفير الحضرمي ، يقال : إن أباه سمعان بن خالد وفد على النبي صلى الله عليه وسلم فدعا له وأعطاه نعليه فقبلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجه أخته ، فلما دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم تعوذت منه فتركها وهي الكلابية [ الاستيعاب في معرفة الأصحاب (4/ 1534) ، الإصابة في تمييز الصحابة (6/ 478) ، تهذيب التهذيب (10/ 428)].
([12]) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب البر والصلة والآداب، باب تفسير البر والإثم (4/ 1980 رقم 2553)].
قال العلماء : البر يكون بمعنى الصلة، وبمعنى اللطف والمبرة وحسن الصحبة والعشرة وبمعنى الطاعة، وهذه الامور هي مجامع حسن الخلق ، ومعنى حاك في صدرك : أي تحرك فيه وتردد ولم ينشرح له الصدر وحصل في القلب منه شك وخوف كونه ذنباً [المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (16/ 111)].
([13]) أخرجه الترمذي في سننه [ كتاب البر والصلة ، باب ما جاء في معاشرة الناس (4/ 355 رقم 1987)] وهذا حديث صحيح.
قوله " اتق الله " أي بالإتيان بجميع الواجبات والانتهاء عن سائر المنكرات فإن التقوى أساس الدين وبه يرتقي إلى مراتب اليقين ، " حيث ما كنت " أي في الخلاء ، وفي النعماء ، والبلاء فإن الله عالم بسر أمرك كما أنه مطلع على ظواهرك ، فعليك برعاية دقائق الأدب في حفظ أوامره ومراضيه والاحتراز عن مساخطه ومساويه ، " واتقوا الله إن الله كان عليكم رقيباً " ، " وأتبع " أمر من باب الأفعال وهو متعد إلى مفعولين ، " السيئة " الصادرة منك صغيرة وكذا كبيرة على ما شهد به عموم الخبر وجرى عليه بعضهم، لكن خصه الجمهور بالصغائر ، " الحسنة " صلاةً أو صدقةً أو استغفاراً أو نحو ذلك ، " تمحها " أي تدفع الحسنة السيئة وترفعها ، والإسناد مجازي ، والمراد يمحو الله بها آثارها من القلب أو من ديوان الحفظة ، وذلك لأن المرض يُعالج بضده ، فالحسنات يذهبن السيئات ، " وخالق الناس " أمر من المخالقة مأخوذ من الخُلُق مع الخَلْق أي خالطهم وعاملهم، " بخلق حسن " أي تكلف معاشرتهم بالمجاملة في المعاملة وغيرها من نحو طلاقة وجه وخفض جانب وتلطف وإيناس وبذل ندى وتحمل أذى ، فإن فاعل ذلك يرجي له في الدنيا الفلاح ، وفي الآخرة الفوز بالنجاة والنجاح [ انظر تحفة الأحوذي للمباركفوري (6/ 104)].
([14]) أخرجه الترمذي في سننه [ كتاب البر والصلة ، باب ما جاء في حسن الخلق (4/ 363 رقم 2004)]، وهذا حديث حسن ، قوله " عن أكثر ما يدخل الناس الجنة " أي عن أكثر أسباب إدخالهم الجنة مع الفائزين ، "تقوى الله " وله مراتب أدناها التقوى عن الشرك ، " وحسن الخلق " أي مع الخلق وأدناه ترك أذاهم وأعلاه الإحسان إلى من أساء إليه منهم [ انظر تحفة الأحوذي للمباركفوري (6/ 120) ، مصدر سابق].
([15]) أخرجه أبو يعلى في مسنده [ مسند أبي هريرة ، حديث شهر بن حوشب عن أبي هريرة (11/ 428 رقم 6550)] ، وحسَّنه ابن حجر في فتح الباري(10/ 459).
([16]) أخرجه أبو يعلى في مسنده [ مسند أنس، حديث ثابت البناني عن أبي هريرة (6/ 53 رقم 3298)]، وفيه بشار بن الحكم الضبي وهو ضعيف ، قال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان (2/ 16):" قال أبو زرعة: منكر الحديث ،وقال ابن حبان: ينفرد عن ثابت بأشياء ليست من حديثه "اهـ
([17]) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه (1/ 534 رقم 771)] من حديث علي بن أبي طالب.
قوله " اهدني لأحسن الأخلاق " أي أرشدني لصوابها ووفقني للتخلق به ، قوله " واصرف عني سيئها " أي قبيحها.[المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (6/ 58)].




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام