الأحد 18 ربيع الآخر 1441 هـ || الموافق 15 دجنبر 2019 م


قائمة الأقسام   ||    أسئلة حول ثورات الربيع العربي وأقوال الثوار    ||    عدد المشاهدات: 273

هل النظام الوضعي مجرد اتفاق بين الحاكم والمحكوم، فإذا أخل الحاكم بالاتفاق، فمن حق الشعب الخروج عليه بالثورة وتبديله بمن يرونه أفضل منه؟

(ضمن حلقات أسئلة حول ثورات الربيع العربي وأقوال الثوار)
حوار هادئ مع الدكتور صادق بن محمد البيضاني
الحلقة رقم (13)

أجرى الحوار : عارف عقلان المدحجي


س13 : ما تقولون في من يقول إن الأنظمة الموصوفة بالفاسدة لا دخل لها بأحكام الشريعة الاسلامية، وإنما هي مجرد أنظمة إدارية تقوم على أساس اتفاق بين الحاكم والمحكوم، فإذا أخل الحاكم بالاتفاق، فمن حق الشعب الخروج عليه وتبديله بمن يرونه أفضل منه، لأن هذا هو المتفق عليه بين الحاكم والشعب فالاتفاق اداري دنيوي محض لا علاقة له بالدين؟

ج13 : هذا القائل حصر هذه المسألة من منظور إداري علماني ولبرالي، وقد لا يكون هذا المتكلم علمانيا ولا لبرالياً لكن هذا قول العلمانيين واللبراليين، حيث يقولون الكلمة قبل أن يعقلوها، وكأن المتكلم يريد أن يقول : إن الأنظمة الوضعية إذا تصادمت مع أحكام الدين فالحكم حينها للنظام الوضعي لا للشريعة الاسلامية، لأن هذا هو الذي تم الاتفاق عليه بين الحاكم والمحكوم وهذا هو نظام الدولة المدنية، فإذا قلت له : هذه الأنظمة تتصادم مع الدين!، قال لك: وما دخل الدين في ذلك فنظام الدولة لا ديني.

هم يقولون: "ما لقيصر لقيصر، وما لله لله "، ويقولون : " الدولة لا صلة لها بالدين " وتارة يقولون: "السياسة لا صلة لها بالدين "، ويقولون: "الدين لله، والوطن للجميع" في الوقت نفسه يستخدمون سلطة الدولة بكل قوتها وأجهزتها للقضاء على العلماء والمدرسة الدينية ومحاربة الاسلام ارضاء لأعداء الله وحفاظاً على مناصبهم، فهي خدعة للشعوب ليقولوا لهم زوراً : تمسكوا بالدين بعيداً عن الحاكمية فأنتم أحرار، بينما هم في الواقع لا يعطون الحرية الدينية لأحد، بل يحاربون الدين وعلماءه ومن يعتصم به من خلال السلطة، حتى صار المتدين والعالم الحكيم النصوح مهمشاً في كل هيئات ومؤسسات الدولة حتى في وظيفته الدينية ومقامه الشرعي النظامي، وتجدون راتبه أقل في الدولة وبشروط قد لا تسلم من ذله وإهانته، وكأنه مجرد عالة على المجتمع، ومهمشاً لا قيمة له من وجهة نظرهم، وليس له ذنب سوى أنه قال ربي الله، واحترامه من قبل الدولة أدنى ، وأيضاً تحاربه بعض السلطات وبعض موظفيها ممن لا مروءة له، كما تجدون التعليم والاعلام وغيرها من الوسائل التي تحت السلطات الحاكمة بغير ما أنزل الله مسيرة ضد الاسلام وأهله، فأين زعمكم الذي تدعونه وتصفونه بوصف "حرية الأديان"، و "احترام الآخرين" في ظل الأنظمة الوضعية؟! مجرد شماعات تضحكون بها على من يصدقكم ممن لا ثقافة له، وممن هو أجير يعمل لأجل يشبع بطنه ولو على حساب الدين ليحارب كل فضيلة.

الحرب على المتدينين والمدرسة الدينية الاسلامية واضح مهما أخفاه دعاة العلمانية واللبرالية وغيرهم من حماة الأنظمة الوضعية، ومثل ذلك لا يخفى على العقلاء، ولن يطول هذا الجور والتعتيم الثقافي، فالله حامي دينه وعباده المتقين، ولكل باطل نهاية، ولذا أقول كما قال طرفة بن العبد :

يا لكِ مِنْ قُبّرَةٍ بمعمرِ ### خلالكِ الجوّ فبيضي واصفِري

قد رُفِعَ الفَخُّ، فماذا تَحْذَري؟### ونقّري ما شِئتِ أن تُنقّري

قد ذَهَبَ الصّيّادُ عنكِ، فابشِري،### لا بدّ يوماً أن تُصادي فاصبري

المهم لا بد أن يستيقظ بعض المغفلين ويدرك عامة المسلمين خطر هذه الأنظمة على الشعوب، ومهما يكن من شئ فلله في خلقه شؤون.

نحن نكرر ونقول: إن الادارة والنظام والسياسة من الدين بشرط ألا تخالف أحكام الشرع المطهر، فإذا خالفته فهي مجرد خداع ونفاق وتدليس كما هو الحال اليوم في السياسة العصرية الهشة، وسيحل غضب الله وعقابه على كل من خالف وحارب دينه بسياسة غير شرعية عاجلاً أو آجلاً، فإن الله يمهل ولا يهمل، " وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ".

الدين الاسلامي دين النظام في كل شئ، وقد أسس النبي عليه الصلاة والسلام دولته على النظام بالمدينة النبوية، وهكذا الأمر في عهد دولة الخلفاء الراشدين الأربعة، وكذا الحال في دولة بني أمية وبني العباس وبقية الدول التي حكمت بالشريعة الإسلامية، ولا يعني تطبيق النظام الاسلامي ألا تكون لنا علاقة مع عدونا في ظل المصالح المشتركة، فالسياسة الشرعية لا تنافي إقامة علاقات دولية وثيقة مع كل دول العالم الخارجي من غير السلمين، لكن للأسف أن بعض العوام والجهلة بالشرع وضوابطه يظن أن هذا العصر عصر متطور، وبالتالي يتعذر فيه تطبيق النظام الاسلامي، ولا شك أن هذا يعود لجهله بالسياسة الشرعية الموافقة للكتاب والسنة.

لذا أقول للسائل إذا فرض عدونا الخارجي علينا النظام الوضعي من خلال عماله وموظفيه في بلادنا العربية والاسلامية فعلينا أن نتعامل معه وفق الشرع المطهر وليس وفق نظام العدو المحارب للدين، هكذا تعامل النبي عليه الصلاة والسلام مع الأنظمة الوضعية في زمانه " أنظمة الفرس والروم وأهل الشرك والوثنية"، وهكذا جرت العادة في الخلافات الاسلامية الراشدة، حتى غدت كلمة المسلمين مدوية في أرجاء العالم كله وترجمها العجم في كتبهم، وسموها شعار المسلمين : " نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإذا ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله".

وقد أفردت في ذلك مقالاً بعنوان: "الموقف الشرعي من الديمقراطية في حال فرضها على الشعب".

فلا تقل يا أخي: سأتعامل مع الحاكم الظالم أو الطاغوت معاملة النظام الوضعي لا الاسلامي الشرعي بحجة أن نظام الدولة وضعي اداري، يقوم على أساس اتفاق بيني وبين الحاكم لأن هذا يفضي إلى كارثة مأساوية وأكبر مثال ما حصل في ثورات الربيع، فإن من خرج على الحاكم قال : إن النظام الوضعي أباح للشعب أن يخرجوا على الحاكم إذا لم يلتزم بالاتفاق بينه وبين الشعب، وتناسى هذا الصنف حكم الشرع الذي ينص على قاعدة : لا يجوز إزالة الشر بما هو أشر منه؛ بل يجب درء الشر بما يزيله أو يخففه، أما درء الشر بشر أكثر فلا يجوز بإجماع المسلمين".

فالحاكم الغشوم لا يتقي الله في شعبه ولا يعترف بأي اتفاق، بل وسيقف معه مصدرو الديمقراطية من أمريكان وأوربيين ويهود ونصارى وملاحدة ووثنيين، ويتناسون الديمقراطية اليونانية " العجوز الشمطاء " لينتقموا من المسلمين " الأعداء التاريخيين " كما يزعمون، وهذا بالفعل هو عين ما حصل، فلا تصدقوا أعداء الله وأذنابهم - رحمكم الله -.

لقد كانت النتيجة : سفك الدماء واسقاط الدين وعلمائه لأجل تغريب الشعب وإبعاده عن حكم الله وحتى يضعفوا شوكتنا نحن المسلمين، هذه هي النتيجة العكسية الدامية التي مزقت الصف الاسلامي وعرضته للويل والحروب بسبب وسيلة وضعية ديمقراطية هي من صنيع عدونا، ولذا حرم الشرع كل وسيلة تؤدي إلى نتيجة عكسية غير محمودة، فقال تعالى: "وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ، كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ".

عندما نتكلم بمثل هذا الكلام لا يعني أننا نقول للناس أطيعوا الحاكم في ظلمه وفساده، وإنما نقصد أن تطبقوا في الحاكم ضوابط الشرع الحكيم سواء كان الحاكم مسلماً ظالماً أو كان الحاكم طاغوتياً لا حظ له من الاسلام، فالحكمة ضالة المؤمن: "يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ، وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًاً"، فإذا عاملت الحاكم وفق نظام أعداء الله فأعلم أنك ظالم تتصارع مع ظالم مستبد، إذن النتيجة الفشل، وسيبتليك الله بالهزيمة لأنك أنت والحاكم ظلمة، فأنت ظالم لم تطبق أحكام الدين في الظالم لشعبه، وهو أظلم منك لأنه يحكم بغير ما أنزل، وكما يقال: "كيفما تكونوا يول عليكم" فلو كنتم أيها الشعب ظلمة لأنفسكم لبعدكم عن الدين وضوابطه الشرعية فسيسلط الله عليكم حكاماً ظلمة عقوبة لكم حتى تراجعوا دينكم، وهذا هو الحاصل اليوم، فكما تدين تدان.

الإسلام دين ونظام، وقد حكم العالم لسنوات طويلة من غير ديمقراطية وأنظمة وضعية، فهذا هارون الرشيد حكم ربع الكرة الأرضية بلا ديمقراطية، وقبله الخلفاء الراشدون، وأيضاً الدولة الأموية والعباسية ودولة السلاجقة السنية وغيرها من دول الإسلام السالفة، وكلها لديها أنظمة إدارية مرتبة من غير ديمقراطية، ولا أنظمة وضعية مع وجود قصور في كل هذه الدول المتلاحقة، لكنها في الجملة لم تقبل الأنظمة الوضعية الفاسدة،

فالنظام الإسلامي فيه آليات واجتهادات لعلماء السياسة الشرعية، وكلها تصب في مصب أدلة الكتاب والسنة من غير نظر لآلية الديمقراطية والأنظمة الوضعية لأنها تتصادم مع أحكام الدين.

الذي يؤلمنا أن بعض المسلمين يريدون أن يعبروا عن مفهومهم ورأيهم بعيداً عن الدين وأحكامه، ولا يدري هؤلاء بأنفسهم إلا وقد صاروا أداة للكافرين ولقمة سائغة للأعداء من غير شعور، وهذا ما وقع فيه بعض الإسلاميين والمثقفين من الأحزاب الأخرى الذين زلت ألسنتهم وأقلامهم بمدح الديمقراطية وبعض الأنظمة الوضعية لآجل يغطوا بعض غلطاتهم أمام جمهورهم الذي تلقى كلامهم وكأنه موافق للشرع المطهر، فصححوا أوضاعكم مع الله ومع دينه القويم، وعودوا إلى تاريخكم التليد القائم على كتاب الله وسنة رسوله، فإنه لن يصلح هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

للحوار بقية، يتبع في حلقات قادمة بإذن الله.


## تنبيه من إدارة الصفحة : من أحب الحصول على كافة حلقات الحوار لهذه السلسلة وغيرها من السلاسل فليطلبها من الإخوة المشرفين على الصفحة والقائمين على خدمات التواصل الاجتماعي عبر الواتس اب هدية منا في ملف واحد بي دي اف.




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام