الجمعة 24 ربيع الأول 1441 هـ || الموافق 22 نونبر 2019 م


قائمة الأقسام   ||    روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة    ||    عدد المشاهدات: 215

" بسطِ الوجه وحسن الخلق " سببٌ لمرافقة الرسول صلى الله عليه وسلم
(ضمن سلسلة روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة)
الحلقة رقم (46)

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


مما لا شك فيه أن " بسطِ الوجه وحسن الخلق "سببٌ لمرافقة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويؤكد ذلك بقوله كما ثبت عند الترمذي وغيره: "إنَّ مِنْ أحبِّكم إليَّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً".
ومفهوم الحديث: أنَّ أبغضهم إليه وأبعدهم منه أسوؤهم أخلاقاً ، ومعناه : عليكم بحسن الخلق حتى تبلغوا قُرْبي.
فصاحب الخلق الحسن المطيع لربه هو القريب من الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، وصاحب الخلق السيئ هو البعيد عن دينه في الدنيا والآخرة.
وإليك أخي القارئ الكريم هذا النموذج العملي من حياة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي يُظْهِر لنا مَنْ كان يَحْذَرُهم ويتقيهم لبعدهم عن هديه وقلبه صلى الله عليه وسلم :
فعن عائشة رضي الله عنها كما في صحيح البخاري: أن رجلا استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآه قال: "بئس أخو العشيرة وبئس ابن العشيرة" ، فلما جلس تطلّق النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل، قالت عائشة: يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا ثم تطلَّقت في وجهه وانبسطت إليه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة متى عهدتني فحَّاشاً إنَّ شر الناس عند الله منزلةً يوم القيامة مَنْ تركه الناس اتقاء شره"([1]).
لقد كان هذا الرجل وهو عيينة بن حصن([2]) ممن يتقي رسول الله صلى الله عليه وسلم شره، فلم ينبسط له إلا عندما اقترب منه اتقاءَ قبح كلامه لأنه كان من جفاة العرب، أو لعله لم يكن أسلم قبل ذاك فخشي من لسانه وأذيته، وفي هذا النموذج طريقةُ نبوية في التعامل مع المخالفين وذلك بـ "مداراتهم اتقاء شرهم ما لم يؤدِّ ذلك إلى المداهنة في دين الله تعالى ... والفرق بين المداراة والمداهنة، أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معاً، وهي مباحة وربما استحبت، والمداهنة ترك الدين لصلاح الدنيا، والنبيصلى الله عليه وسلم إنما بذل له من دنياه حسن عشرته والرفق في مكالمته ، ومع ذلك فلم يمدحه بقولٍ فلم يناقض قولَه فيه فعلُه ، فإن قوله فيه قول حق ، وفعله معه حسن العشرة" ([3])، وهكذا يجب على الدعاة إلى الله أن يحسنوا التعامل مع المخالف حتى لايفحش شره، وأنَّ مثل ذلك لا يُعدُّ من المداهنة، بل أسلوب من أساليب الدعوة إلى الله، فلْيُقْصِر العبارة أولئك الذين ليس لهم إلا لمزُ الدعاة والعلماء واتهامهم بالمراوغة والتميع بسبب الحلم والفطنة اللتين تلقوهما العلماء الورعون من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أكتفي بهذا القدر، وللكلام بقية أستأنفه غداً بإذن الله، وفق الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.

_______
([1]) أخرجه البخاري في صحيحه [ كتاب الأدب ،باب لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحشاً (5/ 2244 رقم 5685 )] ، قال عياض: المراد بالعشيرة الجماعة أو القبيلة ، وقال غيره : العشيرة الأدنى إلى الرجل من أهله وهم ولد أبيه وجده، قوله " فلما جلس تطلق " بفتح الطاء المهملة وتشديد اللام أي أبدى له طلاقة وجهه، يقال وجهه طلق وطليق : أي مسترسل منبسط غير عبوس .
قال الخطابي: جمع هذا الحديث علماً وأدباً ، وليس في قول النبي صلى الله عليه وسلم في أمته بالأمور التي يسميهم بها ويضيفها إليهم من المكروه غيبة، وإنما يكون ذلك من بعضهم في بعض، بل الواجب عليه أن يبين ذلك ويفصح به ويعرف الناس أمره فإن ذلك من باب النصيحةوالشفقة على الأمة، ولكنه لما جُبِلَ عليه من الكرم وأعطيه من حسن الخلق أظهر له البشاشة ولم يجبه بالمكروه لتقتدي به أمته في اتقاء شر من هذا سبيله وفي مداراته ليسلموا من شره وغائلته، قلت [ القائل ابن حجر ] وظاهر كلامه أن يكون هذا من جملة الخصائص وليس كذلك بل كل من اطلع من حال شخص على شيء وخشى أن غيره يغتر بجميل ظاهره فيقع في محذور ما فعليه أن يطلعه على ما يحذر من ذلك قاصداً نصيحته، وإنما الذي يمكن أن يختص به النبي صلى الله عليه وسلم أن يكشف له عن حال من يغتر بشخص من غير أن يطلعه المغتر على حاله فيذم الشخص بحضرته ليتجنبه المغتر ليكون نصيحةً بخلاف غير النبي صلى الله عليه وسلم فإن جواز ذمه للشخص يتوقف على تحقق الأمر بالقول أو الفعل ممن يريد نصحه، وقال عياض : لم يكن عيينة [بن حصن] والله أعلم حينئذ أسلم فلم يكن القول فيه غيبة أو كان أسلم ولم يكن إسلامه ناصحاً فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين ذلك لئلا يغتر به من لم يعرف باطنه وقد كانت منه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعده أمور تدل على ضعف إيمانه فيكون ما وصفه به النبي صلى الله عليه وسلم من جملة علامات النبوة ، وأما إلانة القول له بعد أن دخل فعلى سبيل التأليف له ثم ذكر نحو ما تقدم وهذا الحديث أصل في المداراة ، وفي جواز غيبة أهل الكفر والفسق ونحوهم واللهأعلم. 
قوله " اتقاء شره " أي قبح كلامه لأن المذكور كان من جفاة العرب [ فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر (10/ 454ـ455) ، مصدر سابق].
([2]) عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري أبو مالك ، يقال كان اسمه حذيفة فلقب عيينة ، لأنه كان أصابته شجة فَجُحِظَتْ عيناه ، قال ابن السكن : له صحبة وكان من المؤلفة ، أسلم قبل الفتح وشهدها وشهد حنيناً والطائف ، وبعثه النبي صلى الله عليه وسلم لبني تميم فسبيبعض بني العنبر ، ثم كان مِمَنْ ارتد في عهد أبي بكر ومال إلى طلحة فبايعه ، ثم عاد إلى الإسلام ، وكان فيه جفاء سكان البوادي ، [ وقد مات في خلافة عثمان ، ولا يصح أن عمر قتله ] ، مات عن عشرة من الولد [ انظر الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (4/ 767ـ769) ، مصدرسابق].
([3]) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر(10/ 454) ، مصدر سابق.




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام