الخميس 16 ربيع الأول 1441 هـ || الموافق 14 نونبر 2019 م


قائمة الأقسام   ||    روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة    ||    عدد المشاهدات: 224

الأمثلة التطبيقية في حياة السلف من خلال حثهم الناس على الأخلاق

(ضمن سلسلة روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة)
الحلقة رقم (50)

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


لقد أرشد سلفنا الصالح هذه الأمة إلى الأخلاق الفاضلة ونصحوهم بمخالطة ذوي الأخـلاق الكريمة ، وحذروهم من مسـاوئ الأخلاق وأهلها أسوةً بالرسول صلى الله عليه وسلم
وإليكم جملةً من هذه الأمثلة التطبيقية :
قال عمر رضي الله عنه: "خالطوا الناس بالأخلاق وزايلوهم بالأعمال"([1]).
وقال الفضيل: "إذا خالطت فخالط حسن الخلق فإنه لا يدعو إلا إلى خير، ثم قال: "والذين يمشون على الأرض هوناً " ، قال: بالسكينة والوقار، "وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً " ، قال : إن جَهِلَ عليه حلم ، وإن أسيء إليه أحسن ، وإن حُرِمَ أعطى ، وإن قطع وصل أولئك" ([2]).
وعن معاذ بن سعد الأعور ([3]) قال: "كنت جالساً عند عطاء بن أبي رباح، فحدث بحديث فعرض رجل من القوم في حديثه فغضب، وقال: ما هذه الأخلاق وما هذه الطبائع إني لأسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم منه به فأريه أني لا أحسن شيئاً منه " ([4]).
ويُروى عن سفيان بن حسين ([5]) أنه قال: "ذكرت رجلاً بسوء عند إياس بن معاوية ([6])، فنظر في وجهي ، وقال: أغزوت الروم ؟! قلت: لا ، قال: السند والهند والترك، قلت: لا ، قال: أفيسلم منك الروم والسند والهند والترك ولم يسلم منك أخوك المسلم ([7])؟!
قال: فلم أَعُد بعدها " ([8]) ونحوها من الأمثلة التطبيقية التي تدل على حرص السلف على الأخلاق الحسنة وتعليمها للناس ، فرضي الله علـى أولئك القوم الذين تدرَّعوا الإيمان والعمل:
________
أَسلافُ خَيرٍ لِلكَمالِ تَسابقوا *** بِعَزيمةٍ وَتَدرَّعوا الإِيمانا
كانتَ قُلوبُهُمُ تَفيضُ بَرَحمةٍ *** لمــا اهتـدوا وتـدبـروا القرآنــا 
رَفَعوا البِناءَ فَجاءَ خَلفٌ بَعدَهُم *** نَشَرَ الفَسادَ وَقَوَّضَ ([9]) البُنيانا
خُلِقَ العِبادُ إِلى السَعادةِ وَالصَفا *** لَكِن لِسوء الحَظِّ ما أَشقانا
حَسَدٌ وَبُغضٌ وَاِغتيابٌ قَد فَشا *** بَينَ الشُعوبِ وَهَدَّمَ الأَركانا
لَو كانَ فينا ألفةٌ وَتَحاببٌ *** ما اِستَعبَدَتنا في الوَرى أَعدانا

أكتفي بهذا القدر، وللكلام بقية أستأنفه غداً بإذن الله، وفق الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.
_______
([1]) مداراة الناس لابن أبي الدنيا (ص37) ، مصدر سابق.
([2]) تعظيم قدر الصلاة للمروزي (2/ 864)، مصدر سابق.
([3]) روى عن عطاء، وعنه مهدي بن ميمون [تهذيب التهذيب لابن حجر (10/ 173)، مصدر سابق].
([4]) حلية الأولياء لأبي النعيم الأصبهاني (3/ 311) ، مصدر سابق.
([5]) سفيان بن حسين بن الحسن أبو محمد ويقال أبو الحسن الواسطي ،روى عن إياس بن معاوية والحكم بن عتيبة وغيرهما ، وعنه شعبة وعمر بن علي المقدمي ومحمد بن يزيد الواسطي وغيرهم ، مات بالري مع المهدي وكان مؤدباً ثقة [ انظر تهذيب التهذيب لابن حجر (4/ 96)، مصدر سابق].
([6]) إياس بن معاوية بن قرة بن إياس بن هلال المزني أبو واثلة البصري قاضيها ، ولجده صحبة ، روى عن أنس وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وغيرهم ، وعنه أيوب وحميد الطويل والحمادان وسفيان وحسين وغيرهم ، كان ثقة ، مات سنة 122هـ[تهذيب التهذيب لابن حجر (1/ 341)].
([7]) الناظر اليوم إلى مجتمعنا الإسلامي يجد ما يكدِّر الخاطر ويُدْمي القلب ويبهت العقل لما يقوم به بعض أفراد هذه الأمة من النقد اللاذع والفحش الظاهر لمن يخالفه الرأي ولو في مسألة سائغٍ فيها الخلاف، ناهيك عن جملة الافتراءات والشتائم والدعاوي التي لا تقوم على برهان ، وهذا يُنبئ عن خطر عظيم وشر مستطير ، والمؤسف من ذلك كله وجود من ينتسب للعلم الشرعي ممن لم يوطد نفسه بانتحاله هذا المنهج المخالف للفطرة فضلاً عن مخالفته الشريعة.
وقد يغلب على بعضهم النية الحسنة ودعوى التقرب إلى الله بنقد المخالف بقسوة تحت ستار " علم الجرح والتعديل" هذا العلم الذي لم يقم إلا على ضوابطَ متينة وِفْقَ شروط رصينة يتصدره أكابر علماء كل عصر ممن شُهِد له بسعة العلم والورع والزهد ، وكان إماماً لأهل بلدته أو قبلةً لعلماء عصره ممن يشتغل بعيبه أكثر من شغله بعيب غيره إلا ما أضطر إليه عند أن يجد أن المصلحة تدفعه لنقد المخالف الذي إن سكت عنه أفضى إلى مفسدة أعظم بعد أن يتحرى الصواب ويقدم نصيحة السر وليس ما أنكره على المخالف من المسائل المستصاغ فيها الخلاف ونحوها من الضوابط التي اعتمدها أهل هذا الشأن.
أمَّا شخصٌ لم يطلب العلم أصلاً أو طلب العلم خمس سنين ونحوها أو دونها ولم يملك آلة الاجتهاد ولم تنطبق في حقه شروط المُجَرِّح فلا يُعدُّ تجريحه حجة لأنه لا يخرج تجريحه عن ستة أمور : مبالغ في الجرح، أو ناقد لمن لا يستحق النقد ، أو أراد التشفي ، أو الانتقام ، أو الظهور ، أو التزلف من فلان الذي اتخذه قبلةً وديناً يسير عليه ، نعوذ بالله من الخذلان.
وهذه الأمور سببها قلة العلم والتصدر قبل الأهلية وما أكثرهم اليوم !!
ومهما يكن من شئ فإن صلاح الأمة لا يقوم على أساس الكراهية وإرساء العداوات وإجحاف الحقوق وإهمال ذوي القدرات العلمية بحجة خطأ أو هفوة ، وإنما الصلاح بتتبع هدي الإسلام والوقوف حيث وقف سلفنا الصالح ، فإن العبد يرتكب الذنب اليوم ويتركه غداً لكونه مجبولاً على ذلك.
([8]) البداية والنهاية لابن كثير (9/ 336) ، مصدر سابق.
([9]) قَوَّضَ البناء تقويضاً: نقضه من غير هدم، وتَقَوَّضَتِ الحِلَق والصفوف: انتقضت [ انظر مختار الصحاح للرازي (ص560) ، مصدر سابق].




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام