الجمعة 24 ربيع الأول 1441 هـ || الموافق 22 نونبر 2019 م


قائمة الأقسام   ||    روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة    ||    عدد المشاهدات: 179

الأخـــــلاق العمليـــــــة في الشريعة الاسلامية

(ضمن سلسلة روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة)
الحلقة رقم (51)

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


الأخـــــلاق العمليـــــــة عبارة عن مجموعة السلوكيات التي دعانا الإسلام إليها وطلب منا فعلها ، منها ما هو على سبيل الإلزام ومنها ما هو على سبيل الندب، وتتمثل في "سلامة النفس نحو الأرفق الأحمد من الأفعال ، وقد يكون ذلك في ذات الله تعالى، وقد يكون فيما بين الناس، وهو في ذات الله عز وجل أن يكون العبد منشرح الصدر بأوامر الله ونواهيه، يفعل ما فرض عليه طيبَ النفس به سلساً نحوه، وينتهي عما حرم عليه واسعاً به غير متضجر منه ، ويرغب في نوافل الخير، وتَرَكَ كثيراً من المباح لوجه الله تعالى إذا رأى أنَّ تَرْكَه أقرب إلى العبادة من فعله، متبشراً لذلك غير ضجر منه، و لا متعسر به، وهو في المعاملات بين الناس أن يكون سمحاً بحقوقه لا يطالب غيره بها، ويوفي ما يجب لغيره عليها منه، فإنْ مرض فلم يُعد أو قَدِم من سفر فلم يُزر أو سَلَّم فلم يُرد عليه أو ضاف فلم يُكرَم أو شفع فلم يُجب أو أحسن فلم يُشكر أو دخل على قوم فلم يُمَكَّن أو تكلم فلم يُنصت له أو استأذن على صديق فلم يَأذن له أو خطب فلم يُزوج أو استمهل الدَّين فلم يُمهل أو استنقص فلم ينقص وما أشبه ذلك لم يَغْضب و لم يُعَاقب ولم يتنكر من حاله حال ولم يستشعر في نفسه أنه قد جُفِى وأُوْحِش ، وأنَّه يُقال كل ذلك إذا وجد السبيل إليه بمثله، بل يُضَم أنه لا يعتد بشيء من ذلك، ويقابل كلاً منه بما هو أحسن وأفضل وأقرب إلى البر والتقوى، وأشبه بما يُحمد و يُرضى، ثم يكون في إتقاء ما يكون عليه كهو في حظ ما يكون له ،فإذا مَرِض أخوه المسلم عاده، وإن جاءه في شفاعة [ شَفعَ له ] وإن استمهله في قضاء دين أمهله ، وإن احتاج منه إلى معونة أعانه ، وإن استسمحه في بيع سمح له، ولا ينظر إلى أنَّ الذي عامله كيف كانت معاملته إياه فيما خلا أو كيف يعامل الناس، إنما يتخذ الأحسنَ إماماً لنفسه فينحو نحوه ولا يخالفه، والخلق الحسن: قد يكون غريزة([1]) ، وقد يكون مكتسباً ، وإنما يصح اكتسابه لمن كان في غريزته أصل منه فهو يضم ما اكتسابُه إليه ما يضمه، ومعلوم في العادات أن ذا الرأي بمجالسته أولي الأحلام و النهي [ يزداد ] رأياً ، وأن العالم يزداد بمخالطة العلماء علماً ، وكذلك الصالح والعاقل بمجالسة الصلحاء والعقلاء [ يزداد صلاحاً وعقلاً ]، فلا يُنكر أن يكون ذو الخلق الجميل يزداد حسن الخلق بمجالسة أولي الأخلاق الحسنة "([2]).
وها هو سبحانه يحث نبيه صلى الله عليه وسلم على فعل هذه المكارم العظيمة بقوله: "خُذِ الْعَفْوَ، وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ "([3]).
قال جعفر الصادق : "أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق في هذه الآية وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية "([4]).
وقد اشتملت هذه الآية ، والتي بعدها([5]) "على أربع قواعد في التعامل مع الناس: فأولها: أَخْذُ العفو، وثانيها: الأمرُ بالمعروف.
وثالثها: الإعراضُ عن الجاهلين، ورابعها: الإستعاذةُ بالله من نزغ الشيطان"([6])، ثم حُسْنُ الخُلُق عملياً " يقوم على أربعة أركان لا يتصور قيام ساقه إلا عليها: الصبر والعفة والشجاعة والعدل" ([7]).
فالصبر حبس النفس على طاعة الله وحبسها عن معصيته ، وصاحب الخلق الحسن يحلم عمن جَهِلَ عليه ، ويحسن لمن أساء إليه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، ويعفو عمن ظلمه، ولا يتصف بمثل هذه الصفات إلا رجل عُرِف بالصبر، فهذا ركن الصبر الذي قال الله عنه " َإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور"([8]).
وأما العِفَّة فهي "العفاف يعني التنزه عما لا يباح والكف عنه " ([9]) وهذا الركن يُلزم صاحب الخلق الحسن بالتنزه "عن المحرمات والمكروهات وما يخل بكمال المروءة " ([10])فإنه لا يعد مرتكب المحرمات والمكروهات وما يخل بكمال المروءات من ذوي الأخلاق الحسنة.
وكذلك صفة الشجاعة صفة لازمة في حق ذوي الأخلاق الفاضلة، لأنها "فضيلة بين التهور والجبن، ومِنْ ثَمَّ عرفت بأنها ملكة متوسطة بين الجبن والتهور"([11]) فلا يكون الشجاع متهوراً فيسيئ إلى من أساء إليه ويظلم من ظلمه وينتقم لنفسه لأن هذا من الأمور المنافية للأخلاق الحميدة.
وأما ركن العدل الذي يعني الإنصاف والوسطية فهو الملكة التي يختص بها صاحب الخلق الحسن فيلتمس الأعذار تلو الأعذار للزالين ويقول " لعلَّ لأخي عذراً غاب عني ، فيجد له في الخير محملاً "، وكما قيل :
تأنَّ ولا تعجلْ بلومِكَ صاحباً ### لعلَّ له عذرًا وأنت تلومُ

أكتفي بهذا القدر، وللكلام بقية أستأنفه غداً بإذن الله، وفق الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.
_________
([1]) الصحيح في الأخلاق أنها مكتسبة كما قال تعالى : " والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون " قال ابن خلدون في مقدمته (ص125) : إن الإنسان ابن عوائده ومألوفه ، لا ابن طبيعته ومزاجه ، فالذي ألفه في الأحوال حتى صار خلقاً وملكةً وعادة تنزل بمنزلة الطبيعة والجدة "اهـ ، لكن قد يجبل الله الشخص على مكارم الأخلاق مِنَّةً يمنها على من يشاء من عباده كما مَنَّ بذلك على أنبيائه ومن ارتضى من خلقه.
([2]) شعب الإيمان للبيهقي (6/ 229) ، مصدر سابق.
([3]) سورة الأعراف ، الآية رقم (199).
([4]) الجامع لأحكام القرآن الكريم للقرطبي (7/ 345) ، مصدر سابق.
([5]) وهي في قوله تعالى : " وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ "[ سورة الأعراف ، الآية رقم (199)].
([6]) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر (8/ 306) ، مصدر سابق.
([7]) مدارج السالكين لابن القيم (3/ 308) ، مصدر سابق.
([8]) سورة آل عمران ، الآية رقم (186).
([9]) مدارج السالكين لابن القيم (3/ 308) ، مصدر سابق.
([10]) المصدر السابق (نفس الموضع).
([11]) فيض القدير للمناوي (1/ 49), مصدر سابق.




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام