السبت 20 صفر 1441 هـ || الموافق 19 أكتوبر 2019 م


قائمة الأقسام   ||    روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة    ||    عدد المشاهدات: 540

الأخوة وأثر قوتها خلال مرحلة ما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم

(ضمن سلسلة روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة)
الحلقة رقم (61)

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


أصحاب هذه المرحلة هم أهل القرون المفضلة الثلاثة ومن تبعهم بإحسان، والمقصود بـأهل القرون المفضلة: هم الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ، ثم يجيء أقوام تسبق شهادةُ أحدهم يمينَه ويمينُه شهادتَه" ([1]).
وقد أخذ الصحابة رضوان الله عليهم والتابعون ومن تبعهم بإحسان بكافة توجيهاتهصلى الله عليه وسلم ووصاياه حتى ظهرت فيهم آثارُ وثمارُ هذه الأخوة الإيمانية فصاروا يداً واحدة {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ} ([2])، وكان من ذلك الخير الذي حققوه أنْ فتحوا الأمصار وغنموا الغنائم فظهر أثر الرزق وبركته وأثر التمكين وشرفه بهذه الأخوة الصادقة وهذا التكاتف الإيماني ، حتى علا صيتهم في أرجاء المعمورة فَخَشِيَ صولتهم وقوتهم وشجاعتهم ملوك العالم أجمع.
وإليك أيها القارئ الكريم هذا المثل الرائع الدال على أثر هذه القوة والمنعة التي صنعها رجال محمد صلى الله عليه وسلم بأمر الله حتى أخافوا بها الشرق والغرب: ومن ذلك ما حدث في موقعة القادسية ([3]) التي كان فيها سعد بن أبي وقاص قائداً للمسلمين ورستم قائداً لقوات فارس المجوسية، و "كان المسلمون ما بين السبعة آلاف إلى الثمانية ، و[ جيش ] رستم ستين ألفاً " ([4])، وقبل بدء المعركة " بعث رستم إلى سعد أنْ يبعث اليه برجل عاقل عالم بما يسأله عنه ، فبعث إليه المغيرة بن شعبة ([5]) رضي الله عنه فلما قدم عليه جعل رستم يقول له: إنكم جيراننا وكنا نحسن إليكم ونكف الأذى عنكم فارجعوا إلى بلادكم ولا نمنع تجارتكم من الدخول إلى بلادنا ، فقال له المغيرة: إنا ليس طلبُنا الدنيا وإنما همُّنا وطلبُنا الآخرة، وقد بعث الله إلينا رسولاً، قال له: إني قد سَلَّطت هذه الطائفة على من لم يَدِنْ بديني فأنا منتقم بهم منهم، وأجعل لهم الغلبة ما داموا مقرِّين به، وهو دين الحق لا يرغب عنه أحد إلا ذُلَّ ولا يعتصم به إلا عُزَّ، فقال له رستم: فما هو؟
فقال: أمَّا عموده الذي لا يصلح شىء منه إلا به فشهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، والإقرار بما جاء من عند الله ، فقال : ما أحسن هذا وأيُّ شىء أيضاً ؟
قال: واخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله ، قال: وحَسَنٌ أيضاً، وأيُّ شىء أيضاً؟
قال: والناس بنو آدم فهم إخوة لأب وأم، قال: حسن أيضاً، ثم قال رستم: أرأيت إن دخلنا في دينكم أترجعون عن بلادنا ؟
قال: إي والله ، ثم لا نقرب بلادكم إلا في تجارة أو حاجة، قال: وحَسَنٌ أيضاً ... ولما خرج المغيرة من عنده ذاكر رستم رؤساء قومه في الإسلام فأَنِفُوا([6]) ذلك وأبوا أن يدخلوا فيه قَبَّحهم الله وأخزاهم وقد فعل، ثم بعث إليه سعد رسولاً أخر بطلبه وهو ربعي بن عامر([7]) فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق([8]) المذهبة، والزرابي([9]) الحرير ، وأظهر اليواقيت واللآلىء الثمينة ، والزينة العظيمة وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة وقد جلس على سرير من ذهب ، ودخل ربعي بثياب صفيقة([10]) وسيف وترس وفرس قصيرة ، ولم يزل راكبَها حتى داس بها على طرف البساط ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد ، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته([11]) على رأسه ، فقالوا له: ضع سلاحك، فقال: إنى لم آتكم وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت ، فقال رستم : ائذنوا له فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فَخَرق عامتها، فقالوا له: ما جاء بكم؟
فقال: الله ابتعثنا لِنُخْرِج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قَبِلَ ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نَفْضِى الى موعود الله، قالوا: وما موعود الله ؟
قال: الجنة لمن مات على قتالِ مَنْ أبى والظفر لِمَن بَقِي " ([12]) ثم أبى رستم ومن معه الإسلام فدارت المعركة ، فَنَصَرَ الله المسلمين وأذل الكافرين فذهبت دولتهم وسقطت معاقلهم ، فكان النصر حليفاً لدولة العدل والإيمان بهذه العزة وهذا الشرف.

اللَّهُ أكبرُ إنّ العدلَ مُشتهـــــــــرٌ... والجور مُنطمِسٌ والحقَّ مُنتصرُ
ونارُ أهل الخَنا والجَورِ خامدةٌ... ونورُ أهل الهدَى والدِّينُ مُزْدَهِرُ
ودولةُ العدل لا زالتْ مظفــرةً... ودولةُ الجهل معدومٌ بها الظفرُ
لو أنّ ثَمّ عُقولا يَفقهون بهــــا... تَفكّرُوا في خطوبِ الدهر وادكرُوا

أكتفي بهذا القدر، وللكلام بقية أستأنفه غداً بإذن الله، وفق الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.

________
([1]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الشهادات ، باب لا يشهد على شهادة جور إذا أُشهد " (2/ 938 رقم 2509) من حديث ابن مسعود.
([2]) سورة المائدة ، الآية رقم (54).
([3]) القادسية موضع بالعراق ، وقد كانت في شوال ، وقيل كانت في أول سنة 16هـ في زمن عمر ابن الخطاب ، وقد انتصر المسلمون فيها على مجوس فارس ، فقتل رستم والجالينوس وذو الحاجب، وفيها افتتحت الأردن كلها عنوةً إلا طبرية فافتتحت صلحاً [انظر كتاب العبر للذهبي ص1/ 19)،مصدر سابق].
([4]) تاريخ خليفة بن خياط (ص131) ، مصدر سابق.
([5]) المغيرة بن شعبة بن أبي عامر الثقفي أبو عيسى أو أبو محمد ، أسلم قبل عمرة الحديبية وشهدها وبيعة الرضوان ، وحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، روى عنه أولاده عروة وعقار وحمزة وغيرهم ، كان يقال له مغيرة الرأي ، وشهد اليمامة وفتوح الشام والعراق وكان من دهاة العرب ، وقال قبيصة بن جابر: صحبت المغيرة فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يُخرج من بابٍ منها إلا بالمكر لخرج المغيرة من أبوابها كلها، وولاه عمر البصرة ففتح ميسان وهمذان وعدة بلاد ، ثم بايع معاوية وولاه الكوفة ثم توفي سنة50هـ[الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (6/ 197) ،مصدر سابق].
(6) فاستكبروا.
(7) ربعي بن عامر بن خالد بن عمر ، وكان عمر أمدَّ به المثنى بن حارثة ، وكان من أشراف العرب ، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ، وشهد فتح دمشق ، ثم خرج إلى القادسية مع هاشم بن عتبة ، وشهد فتوح خراسان ، وولاه الأحنف لما فتح خراسان على طخارستان ،وقد تقدم غير مرة أنهم كانوا لا يُؤَمِّرون إلا الصحابة [ تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر (18/ 49)،مصدر سابق، الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (2/ 454) ، مصدر سابق].
(8) الوسائد.
(9) البسط المخملية.
(10) ضعيفة النَّسْج فإذا لبسها أحد لَصِقَتْ بأَرْدافِه [ انظر لسان العرب لابن منظور (9/ 180)،مصدر سابق].
([11]) ما يلبسه الجندي على رأسه لحمايته من ضربات الرماح والسيوف.
([12]) البداية والنهاية لابن كثير (7/ 39) ، مصدر سابق.




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام