الإثنين 14 شعبان 1447 هـ || الموافق 2 فبراير 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مختصر المنتقى من الفتاوى وزياداته    ||    عدد المشاهدات: 6262

حكم نقل أعضاء الميت للشخص المريض
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني 


س583: هل يجوز نقل أعضاء الميت للشخص المريض؟

ج583: كنت سابقاً أقول لا يجوز لأن في ذلك إهانةً له عملاً بما أخرجه أبو داود وأحمد وغيرهما من حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كسر عظم الميت ككسره حيًا"(1).

ثم عنَّ لي بعد دراسة متأنية أن أرجع إلى رأي إخواني في المجمع الفقهي الاسلامي الدولي بجدة حيث يتلخص ذلك قرارهم في الآتي:

أولًا: يقصد بالعضو هنا أي جزء من الإنسان، من أنسجة وخلايا ودماء ونحوها، كقرنية العين، سواء أكان متصلًا به، أم انفصل عنه.

ثانيًا: الانتفاع الذي هو محل البحث، هو استفادة دعت إليها ضرورة المستفيد لاستبقاء أصل الحياة، أو المحافظة على وظيفة أساسية من وظائف الجسم كالبصر ونحوه. على أن يكون المستفيد يتمتع بحياة محترمة شرعًا.

ثالثًا: تنقسم صورة الانتفاع هذه إلى الأقسام التالية:
1- نقل العضو من حي.
2- نقل العضو من ميت.
3- النقل من الأجنة.

الصورة الأولى: وهي نقل العضو من حي، تشمل الحالات التالية:

أ- نقل العضو من مكان من الجسد إلى مكان آخر من الجسد نفسه، كنقل الجلد، والغضاريف، والعظام، والأوردة، والدم ونحوها.

ب- نقل العضو من جسم إنسان حي إلى جسم إنسان آخر.

وينقسم العضو في هذه الحالة إلى ما تتوقف عليه الحياة، وما لا تتوقف عليه.

أما ما تتوقف عليه الحياة، فقد يكون فرديًّا، وقد يكون غير فردي، فالأول كالقلب والكبد، والثاني كالكلية والرئتين، وأما مالا تتوقف عليه الحياة، فمنه ما يقوم بوظيفة أساسية في الجسم، ومنه ما لا يقوم بها. ومنه ما يتجدد تلقائيا كالدم، ومنه ما لا يتجدد، ومنه ما له تأثير على الأنساب والمورثات، والشخصية العامة، كالخصية والمبيض وخلايا الجهاز العصبي، ومنه ما لا تأثير له على شيء من ذلك.

الصورة الثانية: وهي نقل العضو من ميت: ويلاحظ أن الموت يشمل حالتين:

الحالة الأولى: موت الدماغ بتعطل جميع وظائفه تعطلًا نهائيًّا لا رجعة فيه طبيًّا.

الحالة الثانية: توقف القلب والتنفس توقفًا تامًّا لا رجعة فيه طبيًّا. فقد روعي في كلتا الحالتين قرار المجمع في دورته الثالثة.

الصورة الثالثة: وهي النقل من الأجنة، وتتم الاستفادة منها في ثلاث حالات:
- حالة الأجنة التي تسقط تلقائيًّا.
- حالة الأجنة التي تسقط لعامل طبي أو جنائي.
- حالة (اللقائح المستنبتة خارج الرحم).

من حيث الأحكام الشرعية:

أولًا: يجوز نقل العضو من مكان من جسم الإنسان إلى مكان آخر من جسمه، مع مراعاة التأكد من أن النفع المتوقع من هذه العملية أرجح من الضرر المترتب عليها، وبشرط أن يكون ذلك: لإيجاد عضو مفقود، أو لإعادة شكله، أو وظيفته المعهودة له، أو لإصلاح عيب، أو إزالة دمامة تسبب للشخص أذى نفسيًّا أو عضويًّا.

ثانيًا: يجوز نقل العضو من جسم إنسان إلى جسم إنسان آخر، إن كان هذا العضو يتجدد تلقائيًّا، كالدم والجلد، ويراعى في ذلك اشتراط كون الباذل كامل الأهلية، وتحقق الشروط الشرعية المعتبرة.

ثالثًا: تجوز الاستفادة من جزء من العضو الذي استؤصل من الجسم لعلة مرضية لشخص آخر، كأخذ قرنية العين لإنسان ما عند استئصال العين لعلة مرضية.

رابعًا: يحرم نقل عضو تتوقف عليه الحياة كالقلب من إنسان حي إلى إنسان آخر.

خامسًا: يحرم نقل عضو من إنسان حي يعطل زواله وظيفة أساسية في حياته وإن لم تتوقف سلامة أصل الحياة عليها، كنقل قرنية العينين كلتيهما، أما إن كان النقل يعطل جزءًا من وظيفة أساسية، فهو محل بحث ونظر كما يأتي في الفقرة الثامنة.

سادسًا: يجوز نقل عضو من ميت إلى حي تتوقف حياته على ذلك العضو، أو تتوقف سلامة وظيفة أساسية فيه على ذلك. بشرط أن يأذن الميت قبل موته أو ورثته بعد موته، أو بشرط موافقة وليّ أمر المسلمين إن كان المتوفى مجهول الهوية أو لا ورثة له.

سابعًا: وينبغي ملاحظة: أن الاتفاق على جواز نقل العضو في الحالات التي تم بيانها، مشروط بأن لا يتم ذلك بوساطة بيع العضو. إذ لا يجوز إخضاع أعضاء الإنسان للبيع بحال ما.

أما بذل المال من المستفيد، ابتغاء الحصول على العضو المطلوب عند الضرورة أو مكافأة وتكريمًا، فمحل اجتهاد ونظر.

ثامنًا: كل ما عدا الحالات والصور المذكورة، مما يدخل في أصل الموضوع، فهو محل بحث ونظر، ويجب طرحه للدراسة والبحث في دورة قادمة على ضوء المعطيات الطبية والأحكام الشرعية، وبالله التوفيق. 
ــــــــــ
([1]) أخرجه أبو داود في سننه [كتاب الجنائز، باب في الحفار يجد العظم هل يتنكب ذلك المكان (2/231 رقم 3207)] من حديث أم المؤمنين عائشة.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام