السبت 20 صفر 1441 هـ || الموافق 19 أكتوبر 2019 م


قائمة الأقسام   ||    مختصر المنتقى من الفتاوى وزياداته    ||    عدد المشاهدات: 3447

حكم ترديد قصيدة شيخ الطريقة الصوفية الشاذلية "أطع امرنا نرفع لأجلك حجبنا" وحكم العشق لله ورسوله

بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني


س61: ما حكم ترديد القصيدة التي مطلعها: أطع أمرنا نرفع لأجلك حُجْبنا ...؟



ج61: هذه القصيدة للصوفي الشاذلي علي بن محمد بن محمد بن وفا الإسكندري الأصل، المصري، وقد صارت له طريقة صوفية اشتهرت فيما بعد بالطريقة الوفائية، حيث يجتمع اتباع هذه الطريقة في المساجد وأحيانا في بعض المنازل، وخاصة في المناسبات المبتدعة كالاحتفال بالمولد وليلة الاسراء والمعراج وليلة الهجرة وليلة منتصف شعبان والليلة البدرية ونحوها من المواسم غير الشرعية ويضربون الدفوف، وأحيانا الطبول بداخل المنزل أو المسجد ويغلقونه، ويرددون هذه القصيدة مع هزات الرأس والرقص الجماعي وحركات متعددة على الطريقة الشاذلية الوفائية المبتدعة وخاصة بعد صلاة العشاء، وفي هذه القصيدة أباح العشق لله، ولا شك أن حبنا لله ليس بعشق بإجماع علماء الأمة المعتبرين، وقد قال في قصيدته:
ولو ذقتَ من طعم المحبة ذرةً * عذرتَ الذي أضحى قتيلا بحبنا
وأكد ذلك بقوله:
فيا أيها العشاق هذا خطابنا * إليكم فما إيضاح ما عندكم لنا
فقال خواص العاشقين تذللا * يطيب لنا في معرك الحب قتلنا
ومن المعلوم لغة وشرعاً وتاريخاً أن العشق إفراط المحب لمحبوبه، وهو داء شيطاني مؤدي إلى الهلاك المملوء بكل أنواع الضيم والألم والأخطار، وله ثلاثة أسباب وهي: الاعراض عن الله، والجهل بدين الله، والضلال المبين، فكيف يعشق العبد ربه بطريق أصله شيطاني، تعالى الله عما يقول المتصوفة علواً كبيراً.
والمتصوفة الحلولية وغير الحلولية هم من أجاز لأنفسهم القول بأن الله معشوق ويجوز عشقه، وكان يقول بذلك أبو حامد الغزالي كما في إحياء علوم الدين قبل توبته رحمه الله، وقد كان متصوفاً وفيلسوفاً ومن علماء الكلام، ثم أعلن توبته، فوافته المنية قبل أن يصحح ما وقع منه من هفوات وخصوصاً في كتابه " إحياء علوم الدين".
وأما أهل السنة قاطبة فإنهم لا يجوزون العشق في حق الله لكونه مسلكاً شيطانياً من مسالك الفجار والفساق لا الصالحين.
قال سلطان العلماء العز بن عبد السلام كما في مجموع فتاوى العز بن عبد السلام (رقم192): "لا يجوز أن يُنسب إلى الله تعالى أنه يعشق ويُعشق؛ لأن العشق فساد في الطبع محيل لما لا وجود له، قال الأطباء: هو مرض سوداوي ووسواس يجلبه صاحبه إلى نفسه بالفكر في حسن الصور والشمائل، فمن أطلق هذا على محبته لله عُزِّر، وإطلاقه على محبة الله إياه أقبح وأعظم، فيعزر تعزيرًا أعظم من تعزير من أطلق هذا اللفظ علىَ محبته لربه؛ إذ لا يوصف الإله إلا بأوصاف الكمال ونعوت الجلال التي ورد استعمالها في الشرع، ثم قال رحمه الله: والفرق بين العشق والمحبة: أن العشق فساد يخيل أن أوصاف المعشوق فوق ما هي، ولا يتصور مثل هذا في حق الإله الذي يرى الأشياء ويعلمها على ما هي عليه، وكذلك لا يُطلَق على حب العبد للرب؛ لاستعارة أنه يخيل للعاشق فوق كمال المعشوق، والله لا يفوقه أحد على كماله، فضلاً أن نتخيل أنه فوق كماله" اهـ
وقال ابن تيمية في كتابه أمراض القلوب وشقاؤها (ص24): "ولهذا لَا يُوصف الله بالعشق وَلَا أَنه يعشق لأنه منزه عَن ذَلِك وَلَا يحمد من يتخيل فِيهِ خيالا فَاسِداً" اهـ
إنما الجائز في حق الله وفي حق رسوله هو الحب الشرعي قال الله تعالى: "وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّه".
وقال تعالى : "فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه".
وفي الصحيحين قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان – وذكر منهن -: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما".
قال ابن القيم في كتابه إغاثة اللهفان (2/ 133): ولما كانت المحبة جنسا تحته أنواع متفاوتة في القدر والوصف، كان أغلب ما يذكر فيها في حق الله تعالى ما يختص به ويليق به، كالعبادة والإنابة والإخبات، ولهذا لا يذكر فيها العشق والغرام والصبابة والشغف والهوى" اهـ
ناهيكم عن الطريقة الشاذلية الوفائية المبتدعة وما فيها من الشركيات والبدع، ومنها الاستغاثة بالموتى وتعظيم الأضرحة وطلب النصرة والمدد من بعض موتى المتصوفة الذين يسمونهم أولياء الطرق الصوفية، ومن ذلك قول أحدهم:
يا خائفين من التترْ لوذوا بقبر أبي عمرْ
والحاصل: أنه لا يجوز ترداد هذه القصيدة ولا نشرها، وقد شهرت هذه القصيدة بسوريا كما رأيت من عجائبهم هنالك واجتماعاتهم الصوفية ما يفوق الوصف، وذلك من خلال أربع رحلات علمية إلى المكتبة الظاهرية ومكتبة الأسد بدمشق، وبعض المدن الشامية التي يكثر فيها المتصوفة على الطريقة الشاذلية، وقد سمعت أحد أساتذة اللغة السوريين، وهو من مشاهير الدعاة اليوم ممن يخلط بين التصوف والوعظ يرددها، ولم أتمكن وأنا بدمشق من نصيحته، والواجب على المسلمين أن يأخذوا أحكام الشرع من الكتاب والسنة، فإذا طرأ أمر أو مسألة سألوا في ذلك العلماء الثقات، فليس كل واعظ عالماً، بل هناك وعاظ لا يفرقون بين الحديث الصحيح والموضوع ويجهلون مسائل العقيدة الصحيحة، وليسوا بأهل فقه وحديث ناهيكم عن مشايخ الرهبانية المتصوفة التي أشبهت دين النصارى.
قال ابن سيرين ـ رحمه الله كما في مقدمة صحيح مسلم: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم"، وبالله التوفيق.




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام