السبت 20 صفر 1441 هـ || الموافق 19 أكتوبر 2019 م


قائمة الأقسام   ||    أسئلة حول ثورات الربيع العربي وأقوال الثوار    ||    عدد المشاهدات: 27899

ثورات الربيع العربي وإجماع اهل السنة على حرمة الخروج على الولاة حقناً للدماء وتسكيناً للدهماء

حوار هادئ مع الدكتور صادق بن محمد البيضاني

أجرى الحوار: عارف عقلان المدحجي

الحلقة رقم (4)


س4: وما هو رأي فضيلتك في قول القائل: "الخروج المسلح عليهم - يعني على الحكام- مختلف فيه ... ونؤكد اننا لا ندعو إلى الثورات المسلحة وان كانت قد تفرض فرضا في حالات معينة تجوز شرعا عند جمع من السلف والخلف وبشروط"؟


ج4: هذه مسألتان، المسألة الأولى: هل الخروج على الحكام الظلمة مختلف فيه؟، والثانية: هل الثورة المسلحة جائزة في بعض الحالات؟ وهل أجازها بعض السلف؟ وهل بالفعل: "أن هذا جائز شرعاً عند جمع من السلف"، رغم أنه قال في أول العبارة: "ونؤكد اننا لا ندعو الى الثورات المسلحة"، وقبلها قال: "الخروج المسلح على الحكام مختلف فيه".

العبارات تحتاج إلى ضبط، أو أنك يا أخي لم تضبط كلامه، وعلى كل حال أقول: أما جواز الثورة المسلحة على الحكام الظلمة فهو قول الدواعش وتنظيم القاعدة اليوم، وهو قول المبتدعة كالخوارج قديماً، وأما أصحاب ثورات الربيع العربي فهم يقولون إنها سلمية ويؤكدون أنهم ضد الثورات المسلحة، بينما بعض الجهات الرسمية - أيام الرئيس السابق علي عبدالله صالح - اتهمت الثوار بأنهم استخدموا السلاح الحي وأنها غير سلمية وبرهنوا ذلك بانضمام معسكر الفرقة الأولى مدرع وبعض القبائل المسلحة، وأظهروا بعض اللقطات المصورة حسب زعم الجهات المختصة آنذاك، واتهموا بها حزب الاصلاح وأنكر الحزب ذلك تماماً.

وقديماً كان سيد قطب رحمه الله - أحد قادة الاخوان بمصر - قد زرع في أذهان بعض شباب الإخوان الخروج المسلح على حاكم مصر وغيره من الحكام مع اظهار مذهب الخوارج فحاربه الإخوان وأنكروا عليه.

يقول الدكتور يوسف القرضاوي (في كتابه أولويات الحركة الإسلامية، صفحة 110): " في هذه المرحلة ظهرت كتب سيد قطب التي تمثل المرحلة الأخيرة من تفكيره الذي تنضح بتكفير المجتمع...وإعلان الجهاد الهجومي على الناس كافة" اهـ

وقال فريد عبد الخالق أحد قادة الإخوان في كتابه (الإخوان المسلمون في ميزان الحق" ص115): "إن نشأة فكرة التكفير بدأت بين بعض شباب الإخوان في سجن القناطر في أواخر الخمسينات وبداية الستينات وإنهم تأثروا بفكر سيد قطب وكتاباته وأخذوا منها أن المجتمع في جاهلية، وإنه قد كفر حكامُه الذين تنكروا لحاكمية الله بعدم الحكم بما أنزل الله ومحكوميهم إذ رضوا بذلك" اهـ

وقال علي عشماوي (في كتابه التاريخ السري للإخوان المسلمين صفحة 80): "وجاءني أحد الإخوان وقال لي إنه سوف يرفض أكل ذبيحة المسلمين الموجودة حالياً، فذهبت إلى سيد قطب وسألته عن ذلك فقال: دعهم يأكلوها فيعتبروها ذبيحة أهل الكتاب، فعلى الأقل المسلمون الآن هم أهل كتاب (!!)" اهـ

وقال علي عشماوي أيضاً (في الكتاب نفسه صفحة 112) وهو يصف زيارته لسيد قطب ومقابلته له: "وجاء وقت صلاة الجمعة، فقلت لسيد قطب دعنا نقم ونصلي وكانت المفاجأة أن علمتُ – ولأول مرة- أنه لا يصلي الجمعة "(!!)، وقال إنه يرى أن صلاة الجمعة تسقط إذا سقطت الخلافة وأنه لا جمعة إلا بخلافة " اهـ

وبعد اعدام سيد قطب ظهر شكري أحمد مصطفى، وكان من الإخوان المسلمين، وقد سجنه الرئيس جمال عبد الناصر ضمن قادة الإخوان في الستينيات الميلادية وكان قد أحيا فكر سيد قطب من جديد وأظهر فكر الخوارج لدى خروجه من السجن فنقم على الدولة وعلى الإخوان المسلمين كما نقم قبله سيد قطب، فتبرأ منه الإخوان، وتم سجنه مرة أخرى، ومن ثم إعدامه شنقاً عام 1978م.

فالحاصل: أن الثورات المسلحة مذهب خارجي قديماً وحديثاً، والاخوان المسلمون يؤكدون أن ثورتهم في العصر الحديث سلمية وأنهم ضد فكر سيد قطب وضد فكر الخوارج كما تقدم، مع أني لا أتفق معهم أن خروجهم جائز، بل هو خروج على الحاكم سواء قالوا الاعتصامات والمظاهرات سلمية أو غير سلمية لكون هذه الاعتصامات والخروج أدى إلى مفاسد عظمى لم تحقن الدماء ولم تسكن الدهماء، وقد بينت ذلك في مقالات عدة، وسأبينه إن تكرر السؤال عنه في هذا اللقاء إن شاء الله.

وأما المسألة الثانية وهي قوله: إن بعض السلف أجاز الخروج على الحاكم الظالم، ومنه الخروج بالسلاح، فهذا كلام غير وجيه.

قل شذ بعض العلماء أو قل أخطأ بعضهم فرأى الخروج، وعلى كل حال، الخروج على الحاكم الظالم هو مذهب المبتدعة كالخوارج والرافضة والمعتزلة والقدرية والإباضية وبعض الأشاعرة، وأما من شذ من غيرهم أو أخطأ فلا يُلتفت لشذوذه وخطئه، فليس كل خلاف يذكره بعضهم يكون شرعياً، وليس الشذوذ والخطأ معتبراً.

قال الإمام ابن عبد البر في كتابه التمهيد (23/279): "وإلى منازعة الظالم الجائر ذهبت طوائف من المعتزلة وعامة الخوارج، وأما أهل الحق وهم أهل السنة فقالوا: هذا هو الاختيار أن يكون الإمام فاضلًا عدلًا محسنًا؛ فإن لم يكن فالصبر على طاعة الجائرين من الأئمة أولى من الخروج عليه؛ لأن في منازعته والخروج استبدال الأمن بالخوف، ولأن ذلك يحمل على إهراق الدماء، وشن الغارات والفساد في الأرض، وذلك أعظم من الصبر على جوره وفسقه، والأصول تشهد والعقل والدين أن أعظم المكروهين أولاهما بالترك" اهـ

وقال الإمام ابن بطال رحمه الله في كتابه شرح صحيح البخاري (19/7): "والفقهاء مجمعون على أن الإمام المتغلب طاعته لازمة؛ ما أقام الجمعات والجهاد، وأن طاعته خير من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء " اهـ

وقال الإمام ابن حجر رحمه الله في كتابه فتح الباري بشرح صحيح البخاري (13/7): "وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء:" اهـ

وقد نقلت في كتابي "حكم الخروج على الحكام وما قيل فيه من الخلاف" - وهو مطبوع – اجماع أهل السنة والجماعة على حرمة الخروج على الحاكم الظالم، وقد نقل هذا الاجماع أكثر من عشرين عالماً من العلماء المتقدمين، وحتى لا أطيل سأذكر بعض أقوالهم بما يفي بالمقصود رغم أن نقل ابن عبد البر وابن بطال وابن حجر السابق للإجماع كافي:

1-قال الإمام محمد بن إسماعيل البخاري ( صاحب الصحيح ) رحمه الله: "لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم أهل الحجاز ومكة والمدينة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد والشام ومصر لقيتهم كراتٍ قرنًا بعد قرن، ثم قرنًا بعد قرن، أدركتهم وهم متوافرون منذ أكثر من ست وأربعين سنة، أهل الشام ومصر والجزيرة مرتين، والبصرة أربع مرات في سنين ذوي عدد الحجاز ستة أعوام، ولا أحصي كم دخلت الكوفة وبغداد مع محدثي أهل خراسان...فما رأيت واحدًا منهم يختلف في هذه الأشياء: ... وألا ننازع الأمر أهله لقول النبي صلى الله عليه وسلم :"ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله وطاعة ولاة الأمر، ولزوم جماعتهم ؛فإن دعوتهم تحيط من ورائهم"، ثم أكد في قوله: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ، وألا يرى السيف على أمة محمد"([1]) اهـ

2-وقال أبو جعفر الطحاوي (صاحب العقيدة الطحاوية) رحمه الله: "هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة... وما يعتقدون من أصول الدين ويدينون به رب العالمين... ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدًا من طاعتهم" ([2]) اهـ

3-وقال الامام ابن بطة العكبري رحمه الله: "مما أجمع على شرحنا له أهل الإسلام مذ بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم إلى وقتنا هذا... ثم بعد ذلك الكف والقعود في الفتنة، ولا تخرج بالسيف على الأئمة وإن ظلموا، ... وقد أجمع العلماء من أهل الفقه والعلم والنساك والعباد والزهاد من أول هذه الأمة إلى وقتنا هذا: أن صلاة الجمعة والعيدين، إلى أن قال: والسمع والطاعة لمن ولوه وإن كان عبدًا حبشيًا إلا في معصية الله عز وجل فليس لمخلوق فيها طاعة"([3])اهـ

4- -وقال الإمام أبو الحسن الأشعري الذي تبرأ من الاعتزال ومن مذهب الأشاعرة: "جملة ما عليه أهل الحديث والسنة...ويرون الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح وألا يخرجوا عليهم بالسيف "([4])

5-وقال الإمام النووي رحمه الله: "وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل، وحكى عن المعتزلة أيضًا، فغلط من قائله، مخالف للإجماع "([5])

6-وقال الإمام ابن تيمية رحمه الله: "وأما أهل العلم والدين والفضل فلا يرخصون لأحد فيما نهى الله عنه من معصية ولاة الأمور وغشهم والخروج عليهم بوجه من الوجوه، كما قد عرف من عادات أهل السنة والدين قديمًا وحديثًا ومن سيرة غيرهم"([6])

7-وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: "وقد ذكرنا في أول الكتاب جملة من مقالات أهل السنة والحديث التي أجمعوا عليها كما حكاه الأشعري عنهم، ونحكي إجماعهم كما حكاه حرب بن إسماعيل الكرماني عنهم بلفظه قال في مسائله المشهورة: هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة بعروقها المعروفين بها، المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، وأدركت من أدركت من علماء أهل الحجاز والشام وغيرهم عليها؛ فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج عن جماعة السنة وسبيل الحق، قال: وهو مذهب أحمد وإسحاق بن إبراهيم وعبد الله بن مخلد وعبد الله بن الزبير الحميدي وسعيد بن منصور وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم وكان من قولهم....والانقياد لمن ولاه الله عز وجل أمركم لا تنزع يدًا من طاعته ولا تخرج عليه بسيف حتى يجعل الله لكل فرجًا ومخرجًا ،ولا تخرج على السلطان ، وتسمع وتطيع، ولا تنكث بيعته، فمن فعل ذلك فهو مبتدع مخالف مفارق للسنة والجماعة"([7]) اهـ

وهناك أقوال غيرها نقلوا فيها الاجماع أيضاً على عدم الخروج على الولاة الظلمة، وقد نثرتها مفرقة في بعض مطبوعاتي ومقالاتي.

وقد انكر ابن حزم الظاهري دعوى الاجماع وهو جهمي من حيث المعتقد وكان انكاره من خلال رده على ابن مجاهد البصري الطائي الذي نقل الاجماع على عدم جواز الخروج على ولاة الامر الظلمة وإلى ذلك الانكار اشار القاض عياض، وقد رد الائمة الذين نقلوا الاجماع على ابن حزم كما في المصادر السابقة التي نقلت منها الاجماع لعلماء الأمة وقالوا بأن ما حصل يوم الحرة في الخروج على يزيد خطأ وأن ابن الزبير ومن معه لما أخطأ أنكر عليه الصحابة يومها ومثل ذلك خروج الحسن البصري ومن معه للقتال مع الخارجي عبدالرحمن بن الاشعث ثم إن الحسن البصري ومن معه اعترفوا بخطئهم وتراجعوا واستغفروا، وأما الحسين ومن رافقه في سفره، فقد انتقل للكوفة ولم يخرج على يزيد بالسيف، ولذا لما قاتله المنافق عبيد الله بن زياد وقتله غضب عليه يزيد واستاء منه، وأما معاوية فقد اختلف مع علي رضي الله عنه في زمن خلافته بسبب مطالبة معاوية علياً أن يقيم حكم الله في قتلة عثمان، ولم يخرج عليه، وقد تعذر قيام الحكم في القتلة لكونهم خوارج جاءوا من مصر والعراق وغيرها، ..، وكان معاوية أميراً على اقليم الشام منذ عينه عمر بن الخطاب واستمر في زمن عثمان، وكذلك في زمن علي رضي الله عنه، ثم حصل وانتهى بقتال لا نصر فيه لأحدى الطائفتين في موقعة صفين، ثم عقب القتال انتهى إلى تحكيم لم تثمر نتائجه، فبقي علي رضي الله عنه خليفة للمسلمين ومعاوية رضي الله عنه أميراً على أهل الشام، فقام الخوارج باتفاق بينهم أن يقوم عبد الرحمن بن ملجم بقتل علي ومعاوية معاً فبدأ بعلي رضي الله عنه فقتله، فقبض عليه المسلمون فأمر الحسن بقتل عبد الرحمن بن ملجم، وبايع الناس الحسن بن علي رضي الله عنه خليفة خلفاً لأبيه، فبقي أميراً ستة أشهر، ثم رأى أن من مصلحة الأمة أن يتنازل عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان، فدعا معاوية إليه فوافق، وسمي ذلك العام بعام الجماعة، فلم يأخذ معاوية رضي الله عنه الحكم بالسيف كما يكتب فسقة المنافقين والمستشرقين والرافضة.

لكننا نقول كانت فئة معاوية رضي الله عنه، هي الفئة الباغية في مقاتلة جيش علي رضي الله عنه، لقول النبي عليه الصلاة والسلام لعمار بن ياسر كما في الصحيحين: "يا عمار تقتلك الفئة الباغية".

فالفئة فئة الحرب، وأما الحكم فقد بايعه عليه المسلمون في عصره، وأجمع على بيعته الصحابة، حتى سمي عام الجماعة كما تقدم، وكان معاوية رضي الله عنه عدلاً حليماً حكيماً لم يعرف بظلم لرعيته فترة حكمه، ولم يختلف مع علي لأجل الخلافة ولا طلبها وإنما كان يطالب هو ومن معه من بني أمية عالياً بإقامة حكم الله في قتلة عثمان، ولا يصح أن معاوية خلع من رقبته بيعة علي بل بقيَ مبايعاً لعلي حتى قُتل علي رضي الله عنه، ثم أهل السنة لا يصوبونه في مقاتلة علي بن أبي طالب ولا يصوبونه في توليته ابنه يزيداً، ويعتبرونه أخطأ في هذين الموضعين، ويترضون عنه فخطؤه مغفور له في بحر حسناته رضي الله عنه، فقد كان كاتب الوحي ودعا له النبي عليه الصلاة والسلام.

للحوار بقية، يتبع في حلقات قادمة بإذن الله.

 

([1]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (1/ 172).

([2]) انظر شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (ص368).

([3]) الشرح والإبانة لابن بطة (175)، (276).

([4]) مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين لأبي الحسن الأشعري (295)، (290).

([5]) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (12/229).

([6]) مجموع الفتاوى لابن تيمية (35/12).

([7]) حادي الأرواح لابن القيم (289).




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام