الخميس 8 ربيع الآخر 1441 هـ || الموافق 5 دجنبر 2019 م


قائمة الأقسام   ||    قضايا مطروحة للنقاش    ||    عدد المشاهدات: 258

العلمانية تطرق باب اليمن
( ضمن سلسلة قضايا مطروحة للنقاش)
الحلقة (1).
بقلم الدكتور : صادق بن محمد البيضاني


منذ قيام الثورة على الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين رحمه الله عام 1962م حتى هذه الساعة من العام 2017م والشعب اليمني يئن من الفقر والثأر والفساد الإداري والصراعات والحروب والانقلابات التي مزقت اليمن وجعلته وطناً جريحاً صريعاً لا يخرج من محنة إلا ويدخل في أخرى، ولا يخرج من حرب إلا ويدخل في حرب آخر، والضحية هو ذاك المواطن المسكين الذي يضحكون عليه بأكذوبات متكررة مثل " بناء اليمن الجديد، ومستقبل اليمن، واليمن ومواكبته للعصر" ومنذ طفولتي وأنا أسمع هذه الترهات التي لا واقع لها، بل الواقع أنه " اليمن الشهيد" من كثرة من قتل فيه من الشعب اليمني منذ عام 1962م حتى اليوم 2017م، والذي بلغ عددهم أكثر من مليون قتيل ما بين شهيد وثوري وخارجي، وما زال عداد القتلى بشكل يومي حتى هذه الساعة.
لقد سمى الثوريون العهد الإمامي بـ " العهد الظالم البائد المتخلف"، فأقاموا ثورتهم وأزاحوه وأتوا لنا بعهد ديمقراطي غربي زادنا فقراً وظلماً وتمزقاً وجعلنا شعباً متناحراً على السلطة كالوحوش الضارية، ولم يظفر بالسلطة إلا من ارتضاه الغرب حماة الديمقراطية " أعداء الاسلام" ولن يضعوا في السلطة إلا من يصلي عليهم بكرة وأصيلاً، منفذاً لهم ما يشاؤون.
واليوم من هذا العام 2017م عام الحزن والحرب والفقر والجوع والمرض جاءوا لنا بمشروع العلمانية التي قامت في بلاد أوربا ضد الطغيان الكنسي، ويريدون أن يطبقوها في اليمن ضد ديننا الاسلامي وأحكامه الشرعية السمحة بعد أن تمزق الوطن وشعبه، ليقولوا بأفواه أدواتهم باليمن : نريد يمناً علمانياً ديمقراطياً ضد التطرف الديني.
ويقصدون بالتطرف الديني القضاء على الهوية الإسلامية وإخراج الإسلام من قلوب المسلمين اليمنيين ليحل محله الالحاد والكفر والفسوق والعصيان، بمعنى تحويل الشعب اليمني إلى آداه تحارب دين الله كما فعل الغربيون في أوربا حتى حولوا أوربا إلى مستنقع الالحاد والدعارة وكل أنواع الفحش الذي يتصادم مع الأديان والفطرة والعقل السليم.
فهل يريد الشعب اليمني هذا الفسوق والرذيلة والفجور لتصير بلاد الايمان والحكمة بلاداً للرذيلة وتفسخ أبنائها وبناتها ليكونوا عبيداً لشهواتهم وشياطين الغرب بعيداً عن دينهم الذي اختاره لهم رب رحيم كريم رؤف؟؟!!!
إن المعاجم الانجليزية وقواميسها تفسر مفهوم العلمانية بقولها :
" إنَّ الأخلاقَ والتعليمَ يجب أن لا يكونا مبنيين على أُسُسٍ دينيَّة".
وتفسر معنى علماني : " بأنه : دنيوي ، مادي، لا دين له".
وتؤكد ذلك دائرة المعارف البريطانية حيث تقول : " العلمانية حركة اجتماعيَّة ، تهدف إلى نقل النَّاس من العناية بالآخرة إلى العناية بالدار الدنيا".
كما بينت دائرة المعارف البريطانيَّة " العلمانيَّة بأنها " نوع من الالحاد"، فقسمتها إلى : إلحادٍ نظري، وإلحادٍ عملي , وجعلت العلمانيَّة من الإلحاد العملي.
فلا تصدقوا من يقول لكم إن العلمانية تعني العلم وتعني بقاء الدين لمن أراده، والسلطة لا دخل لها بالدين فحسب، وخذوا من تركيا في العهد العلماني نموذجاً، كما ذكرته لكم في مقالي: " الديمقراطية وتركيا (1)".
إن العلمانية نوع من الارهاب الذي يفرضه الغرب على المسلمين ودولهم اليوم لأجل هدف واحد وهو محاربة الدين والقضاء على أحكامه ومبادئه وقيام دولة يسمونها بالدولة المدنية بمعنى " دولة علمانية قسرية لا تطبق الشريعة الاسلامية".
هذا هو الارهاب العلماني الذي تطرَّف ضد أحكام الله وحارب من يقف ضد نظامه، واليوم يقولون لعوام المجتمع اليمني وسخفاء العقول - كذباً وزوراً مكرراً -: " العلمانية باليمن ستحول الوطن إلى "يمن جديد ومستقبل عيش رغيد" وستقوم ضد " فكرة الدولة الدينية، التي يرتكز عليها مشروعها الاستبدادي التسلطي”.
وأنتم متى تركتم الدين يحكم اليمن؟!!، بل أنتم ضد الدين وضد أحكامه الاسلامية من قبل عام 1962م حتى هذه الساعة.
لقد بدأت المملكة اليمنية المتوكلية في أواخر عهد الإمام أحمد بتطوير اليمن على ضعف نظراً لتطور الحياة، في الوقت نفسه كانت حكومة السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود في بلاد نجد والحجاز تتجه في الاتجاه نفسه لتطوير بلاد نجد والحجاز لمواكبة العصر، فلكل عصر حال، وكان نظام المملكتين نظاماً إسلامياً يطبق الشريعة الإسلامية لولا ما في العهد الإمامي اليمني من الظلم والاستبداد، فقامت الثورة عام 1962م ضد المملكة اليمنية المتوكلية فاسقطتها وغيرت نظام اليمن الاسلامي إلى نظام ديمقراطي غربي مزق الشعب اليمني وحزبه وأكثر صراعاته، بينما استمرت مملكة السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود في تطورها وتقدمها فتحولت إلى مملكة عظمى، وصارت دولة متقدمة بعيداً عن الديمقراطية والتحزب والتشرذم حتى هذه الساعة، وصارت أقوى دولة في المنطقة رغم أن اليمن في عهد الإمام أحمد كانت تنافسها وتسابقها في ذلك بخلاف اليوم.
ولا يعني ذلك ان العهد الإمامي متقدم في مشاريعه على العهد الجمهوري ولكن اقصد ان الثروات لم تستغل في مصارفها لتطوير اليمن حسب دعوى من قام بالثورة عام ١٩٦٢م.
بل أنتم يا دعاة الديمقراطية لم نر في دساتيركم الغربية منذ قمتم بثورة 1962م حتى اليوم سوى محاربة الدين حتى أذلكم الله، أتدرون لماذا أذلكم؟ لأن من ابتغى العزة في غير الاسلام وأحكام الله أذله الله، وأشقاه في الدنيا والآخرة، وها أنتم اليوم في الشقاء والذل والهوان، حتى صرتم حديث المجالس والإذاعات والقنوات في دول العالم، وصار اليمني بسبب أنظمتكم يتعرض للفقر والمحن والهوان في الداخل والخارج.
لقد حققتم للشعب إضعاف اليمن وإفساده وتمزيقه وتشرذمه وغياب الاستقرار والأمان والعدالة والنظام حتى صار المواطن اليمني لا يجد يمناً رحيماً يحتضنه سوى صبره واعتماده على نفسه بعد الله، وهناك ملايين اليمنيين في المهجر تركوا اليمن بسبب النظام الديمقراطي التشرذمي والعصابات الحزبية التي تتقاتل على السلطة منذ عام 1962م حتى اليوم.
نعم كان يوجد في عهد الإمامة ظلم لكنكم فقتموه ظلماً وجوراً وبلغتم القنطرة، فقد كان العهد الإمامي في عصور يكثر فيها الفقر وعصركم عصر النفط والكنوز والغاز وتقدم الصناعة والتجارة والزراعة والموارد البحرية والوسائل الحديثة وغيرها، وكلها تدري على السلطة اليمنية مليارات الدولارات، لكن للأسف كثرت الأموال وكثرت السرقات والرشاوي والظلم في المحاكم والاستبداد والفقر والثأر والمرض، وفوق ذلك تطالبون دول العالم بدعم السلطة منذ قيام الثورة إلى اليوم، ويذهب أغلب الدعم لمصالح شخصية وحزبية في الدولة، وصارت اليمن عبارة عن سلطة عصابات، لا سلطة أمة.
فإلى متى ستظلون آداة للغرب من مستنقع إلى مستنقع.
إن خلافات اليمن كثيرة ومتعددة الجوانب منذ دخول النظام الوضعي الديمقراطي إلى اليمن عام 1962م فمنها خلافات سياسية ودينية وقبلية.
ومن الخطأ أن يردد بعض العلمانيين والببغاوات في الإعلام بشقيه المزيف والمسير قولهم : "إن الدولة اليمنية منذ قيام الثورة عام 1962م حتى اليوم عبارة عن دولة هجينة - خليط من العلمانية والدينية - وإن هذا الخليط هو الذي أدى إلى قيام ثورة الربيع ضد السلطة عام 2011م، وهو الذي أدى إلى سقوط الدولة اليوم، وإن المتدينين استخدموا الدين سلماً للوصول للسلطة، والتكفير سيفاً للقضاء على الخصوم، وأنه لا حل سوى العلمانية التي تبعد المتدينين عن المشاركة السياسية في الدولة".
والجواب : أن كل بلاء باليمن كان بسبب أيادي يمنية عميلة للغرب، وبسبب أيادي باعت ضميرها وأخلاقها ودينها لإبليس، وبسبب كثرة معاصي وذنوب الشعب، وبسبب الشجرة الخبيثة القات التي جمدت العقل اليمني عن التفكير الصحيح، فعاقبكم الله جميعاً حتى وصل اليمن وشعبه إلى ما وصل إليه.
قال الله تعالى : " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم " أي : مهما أصابكم أيها الناس من المصائب فإنما هو بسبب سيئات عملتموها فلا تلوموا إلا أنفسكم.
ثم هؤلاء الذين قلتم بأنهم متدينون وشاركوا الدولة وأنهم سبب سقوطها، فمن هو الذي ترأس اليمن منهم، ووصل إلى هرم السلطة منذ عام 1962م حتى اليوم؟ لا أحد.
الشيخ عبد المجيد الزنداني احتاج له الرئيس السابق علي عبد الله صالح عام 1994م لأجل يشارك الإخوان المسلمون حرب الانفصال، فوضعه نائباً لرئيس الجمهورية، فلما انتهت الحرب، وحصل على مراده أزاله.
ولما كان نائباً للرئيس كانت أغلب قراراته لا تنفذ بسبب شياطين في السلطة، فأي صلاحية أمتلكها المتدينون في الدولة حتى تثوروا ضدهم وتلمزوهم؟!!
وقبله الأستاذ محمد بن محمود الزبيري الذي شعر أن قيام الثورة وسلطة السلال مجرد سلطة ديمقراطية تحارب الدين وأحكامه وأنها لم تكن السلطة التي تطبق شرع الله وترحم الشعب، فأنشئ " حزب الله" عام 1963م فاتهمه الديمقراطيون من ناصريين وغيرهم بأنه عميل للسعودية ثم قامت عليه الأرض بما رحبت، والسبب أنه كان يدعو لتطبيق الشريعة الإسلامية في الدولة وإحلال السلام والعطف على المواطن والشفقة عليه وانقاذ اليمن من غياهب الظلم والتخلف والفقر والمرض.
وكافة المتدينين الذين تقلدوا المناصب في الدولة اليمنية بعد ثورة 1962م حتى اليوم لم تتح لهم فرصة القرار الفاعل، فأي هجينة تقصدونها زوراً وبهتاناً؟!!
وأما أنهم استخدموا الدين سلماً للوصول للسلطة فنِعْمَ ما فعلوا لو صح ذلك، فقوم قالوا نتحكم للشرع عملاً بقول الله : " إن الحكم إلا لله" خير من قوم فسقوا وفجروا واحتكموا لإبليس وللأنظمة الوضعية وباعوا الوطن وشعبه للأعداء، وكأنهم يقولون " ربنا ابليس" وقالوا : " الدين أفيون الشعوب".
وأما أن المتدينين استخدموا التكفير سيفاً للقضاء على الخصوم فهذا كذب وخلط ومغالطة، لأن جماعة التكفير هاجت بسبب محاربتكم للدين، وبسبب أفكاركم الديمقراطية بشقيها اللبرالي والعلماني، وبسبب محاربتكم لعقيدة الشعب، فكفرتكم واستحلت دماءكم باعتبار أنكم مدرسة غربية عميلة تحارب الحكم بما أنزل الله، وأول من وقف ضدهم هم العلماء والدعاة لأجل اطفاء الفتنة وحفاظاً على دماء الشعوب، والواقع أكبر شاهد، ومع ذلك حاربتم العلماء وكل من كان صمام أمان للوطن والشعب.
لقد اتهمتم العلماء والدعاة بالتطرف، وأنتم سادة التطرف والانحلال والرجعية، لكن من كانت بضاعته الكذب فهو لا يستحي من كثرته، ولذا قال يوزف غوبلز: " اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس"، ومنه أخذتم هذه القاعدة.
وأخيراً يطالعنا رويبضة من وادعة يقول زوراً وبهتاناً: " إن النقاش الحالي حول العلمانية في اليمن، راق جداً، بل إن الدولة العلمانية صارت مطلباً شعبياً إلى حد ما، لكن الناس يطلقون عليها اسم الدولة المدنية”.
وهذا كذب على اليمنيين، فالشعب اليمني شعب مسلم متدين بسيط لا يريد نظاماً ولا منهجاً يبعده عن الله وأحكامه، فيحلل له شرب الخمور والزنا وإقامة بيوت الدعارة ونكاح الرجل من الرجل وعدم ولاية الآباء على الأبناء والبنات إذا بلغوا سن ١٨ سنة، كما لا يرضى الشعب اليمني بإسقاط الحدود الشرعية وإباحة الاختلاط في المدارس والجامعات ونشر الرذيلة ومحاربة الدين والتضييق على العلماء والدعاة ونحوها مما لا يحل، لكن متى فرضت الدولة قوانين العلمانية على الشعب اليمني بقوة السلاح وجبروت السلطة والتخويف والتهديد والتأييد الغربي العدواني فقد عرضته للفساد والاباحية كما فعلوا بتركيا عام 1924م وما بعدها.
ولذا فالعلمانية منهج إرهابي متطرف يستخدم القوة والعنف والسلطة لإذلال الشعوب، وإرهابه أخطر من ارهاب الخوارج الذين هاجوا ضد فكرة " من لم يطبق أحكام الشريعة".
وهناك سبعة أحزاب يمنية تكتلت لدعم العلمانية باليمن، ولا يستبعد مع الأيام من مصالحة وطنية وتسوية سياسية بين العصابات الحزبية المتناحرة على السلطة وقيام مسرحية مظاهرة يسمونها مليونية بصنعاء كالتي تم عملها بمصر للإطاحة بالرئيس المصري السابق محمد مرسي، ثم يقولون للعالم ها هو الشعب اليمني يريد العلمانية، أو يقولون تصويت، فتتم التصويتات المزورة التي تكررت على مر السنين، ثم يقولون غالبية الأصوات تطلب العلمانية، ثم تتحول الدولة إلى علمانية لتفسد الحرث والنسل، وهناك من الدول العربية من يعمل كأداة عميلة وداعمة لمشروع العلمانية باليمن، ومستعدة أن تنفق مليارات لأجل علمنة اليمن خوفاً من الإسلام، وخوفاً من تطبيق النظام الاسلامي رغم أننا لم نشم رائحة النظام الاسلامي على حقيقته في اليمن منذ عام 1962م حتى اليوم.
وعلى الشعب اليمني من علماء ودعاة وجماعات وقيادات غيورة على دينها ووطنها وشعبها – مهما اختلفت الرؤى - أن تتصدى لهذا المشروع الارهابي العدواني لأن الشر يعم، وأن تعي أخطاره على الدين والشعب والوطن، لأنه إذا قام فسيكون كارثياً.
سائلاً المولى أن يهيئ لليمن سلطاناً عادلاً راشداً رحيماً مشفقاً حكيماً غيوراً على دينه وشعبه ووطنه.
والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام