الإثنين 10 صفر 1442 هـ || الموافق 28 شتنبر 2020 م


قائمة الأقسام   ||    دراسات شرعية موجزة حول شبهات التكفيريين    ||    عدد المشاهدات: 651

قول التكفيريين: إن أكثر حكام المسلمين في زماننا لا يصلون، ولذا يجوز الخروج عليهم.

(ضمن دراسات شرعية موجزة حول شبهات الدواعش وتنظيم القاعدة وأنصار الشريعة وغيرهم من أهل التكفير)
الحلقة (14)
بقلم الدكتور : صادق بن محمد البيضاني

والجواب على هذه الشبهة: أن الخوارج يوجبون الخروج على كل حكام العصر ويكفرونهم بلا استثناء، فضلاً عن قول بعض أفراد الخوارج إن أكثر الحكام في زماننا لا يصلون، ومن جهة أخرى لا يستطيع فرد من المسلمين أن يشهد على كل أو نصف حكام الدول الإسلامية بأنهم لا يصلون لكثرة دولهم وتباعدها، وعلى كل حال لو فرضنا أن حاكماً أو ثلاثة أو نصف حكام العالم الإسلامي أو أغلبهم لا يصلون، فإنه يجوز الخروج عليهم للحديثين التاليين:

الأول: حديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ”ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف بريء، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا يا رسول الله: أفلا نقاتلهم؟ قال لا ما صلوا”([1]).

الثاني: حديث عوف بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ”خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قيل: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئاً تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يداً من طاعة” ([2]).

لكن يُشترط في هذا الخروج ألا يؤدي إلى مفسدة أكبر، وذلك أن ما غلب فيه الظن أنه سيؤدي إلى مفسدة أكبر وإلى أشر منه لضعف قوة الخارجين أمام قوة السلطان فحكمه حكم المنهي عنه شرعاً، وعندها يلزم المسلمين الصبر ونصح الوالي – الذي لا يصلي – ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً مع الدعاء له بالهداية إلى أن يجعل الله لهم فرجاً ومخرجاً من هذا الوالي الغشوم.

وكم قلت مراراً: إن السلطان الغشوم لم يقم سلطانه إلا بالسيف ولا زال يحرسه بالسيف، فحفاظاً على سلامة الدماء، وخراب الديار، والبعد عن بطشه سواء كان لا يصلي على قول من لا يقول بكفر تارك الصلاة تكاسلاً، أو أظهر الكفر البواح فإنه يلزم شرعاً إعمال القاعدة الشرعية المجمع عليها وهي: أنه لا يجوز إزالة الشر بما هو أشر منه ، بل يجب درء الشر بما يزيله أو يخففه، أما درء الشر بشر أكثر فلا يجوز بإجماع المسلمين.

يقول ابن تيمية رحمه لله: ”ليس كل سبب نال به الإنسان حاجته يكون مشروعاً بل ولا مباحاً، وإنما يكون مشروعاً إذا غلبت مصلحته على مفسدته، أما إذا غلبت مفسدته فإنه لا يكون مشروعاً بل محظوراً وإن حصل به بعض الفائدة “([3]).

وقال سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز رحمه الله: ”فهذا يدل على أنه لا يجوز لهم منازعة ولاة الأمور، ولا الخروج عليهم إلا أن يروا كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان، وما ذاك إلا لأن الخروج على ولاة الأمور يسبب فساداً كبيراً وشراً عظيماً، فيختل به الأمن، وتضيع الحقوق، ولا يتيسر ردع الظالم، ولا نصر المظلوم، وتختل السبل ولا تأمن، فيترتب على الخروج على ولاة الأمور فساد عظيم وشر كثير، إلا إذا رأى المسلمون كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان، فلا بأس أن يخرجوا على هذا السلطان لإزالته إذا كان عندهم قدرة، أما إذا لم يكن عندهم قدرة فلا يخرجوا، أو كان الخروج يسبب شراً أكثر فليس لهم الخروج؛ رعاية للمصالح العامة.

والقاعدة الشرعية المجمع عليها: أنه لا يجوز إزالة الشر بما هو أشر منه ، بل يجب درء الشر بما يزيله أو يخففه، أما درء الشر بشر أكثر فلا يجوز بإجماع المسلمين“ ([4]).

وقال ابن عثيمين رحمه الله: “وإذا فرضنا -على التقدير البعيد- أن ولي الأمر كافر، فهل يعني ذلك أن نوغر صدور الناس عليه حتى يحصل التمرد، والفوضى، والقتال؟! لا، هذا غلط، ولا شك في ذلك، فالمصلحة التي يريدها هذا لا يمكن أن تحصل بهذا الطريق، بل يحصل بذلك مفاسد عظيمة؛ لأنه -مثلاً- إذا قام طائفةٌ من الناس على ولي الأمر في البلاد، وعند ولي الأمر من القوة والسلطة ما ليس عند هؤلاء، ما الذي يكون؟ هل تغلبُ هذه الفئةُ القليلة؟ لا تغلب، بل بالعكس، يحصل الشر والفوضى والفساد، ولا تستقيم الأمور. والإنسان يجب أن ينظر: أولاً: بعين الشرع، ولا ينظر أيضاً إلى الشرع بعين عوراء؛ إلى النصوص من جهة دون الجهة الأخرى، بل يجمع بين النصوص. ثانياً: ينظر أيضاً بعين العقل والحكمة، ما الذي يترتب على هذا الشيء؟ لذلك نحن نرى أن مثل هذا المسلك مسلك خاطئ جداً وخطير، ولا يجوز للإنسان أن يؤيد من سلكه، بل يرفض هذا رفضاً باتاً، ونحن لا نتكلم على حكومة بعينها؛ لكن نتكلم على سبيل العموم” ([5]).اهـ

وقال الشيخ صالح الفوزان: “إذا كان المسلمون تحت ولايةٍ كافرةٍ ولا يستطيعون إزالتها؛ فإنّهم يتمسَّكون بإسلامهم وبعقيدتهم، ويدعون إلى الله، ولكن لا يخاطرون بأنفسهم ويغامرون في مجابهة الكفّار؛ لأنّ ذلك يعود عليهم بالإبادة والقضاء على الدّعوة” ([6]).

أنا لا أحامي على الحكام الظلمة أو من وصلوا لدرجة الكفر البواح لكن هذه هي الحقيقة المعمول بها عند علماء الإسلام والفكر السليم كما تقدم، وبها قامت أدلة وقواعد الشرع الحكيم، أما كثرة الثرثرة غير المجدية وبلا علم، فتظل ثرثرة لا فائدة منها حتى يموت الشخص وهو يثرثر ولن يصل إلى حل إيجابي، وخذوا عبرةً من ثورات الربيع العربي كيف كانت نتائجها بسبب طيشان الخارجين على حكامهم بما سموه بالخروج السلمي والعصيان المدني ونحوها من المسميات الديمقراطية التي جاءتنا من الغرب – الذين لا يريدون للمسلمين خيراً – ، وكذا خروج طوائف الخوارج كالدواعش وتنظيم القاعدة وأنصار الشريعة ونحوها من التنظيمات التي استباحت دماء الحكام وكل من يعمل معهم في الدول الإسلامية.

وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.

———– الحواشي ———–

([1])  أخرجه مسلم في صحيحه رقم (1854).

([2])  أخرجه مسلم في صحيحه رقم (1855).

([3])  مجموع فتاوى ابن تيمية (27/177).

([4])  مجموع مقالات وفتاوى ابن باز (8/202).

([5])  اللقاء المفتوح لابن عثيمين (129/5).

([6])  فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة (ص120)




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام