السبت 20 صفر 1441 هـ || الموافق 19 أكتوبر 2019 م


قائمة الأقسام   ||    قواعد في التشريع الاسلامي    ||    عدد المشاهدات: 434

قواعد في التشريع الإسلامي
البراءة من التقليد سلامة من الضلال

الحلقة (3 )
بقلم الدكتور : صادق بن محمد البيضاني

سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن رجل تفقه فى مذهب من المذاهب الأربعة وتبصر فيه، واشتغل بعده بالحديث، فرأى أحاديث صحيحة لا يعلم لَها ناسخاً ولا مخصصاً ولا معارضاً، وذلك المذهب مُخالفٌ لَها، فهل يجوز له العمل بذلك المذهب، أو يجب عليه الرجوع إلى العمل بالأحاديث ويخالف مذهبه ؟
فأجاب : الحمد لله، قد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله سبحانه وتعالى فرض على الخلق طاعته وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، ولَم يوجب على هذه الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول الله عليه الصلاة والسلام، حتى كان صديق الأمة وأفضلها بعد نبيها يقول : "أطيعونِى ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم"(1).
واتفقوا كلهم على أنه ليس أحد معصوماً في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول الله عليه الصلاة والسلام.
ولِهذا قال غير واحد من الأئمة : "كل أحد من الناس يؤخذ من قوله، ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وهؤلاء الأئمة الأربعة رضي الله عنهم قد نَهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولونه وذلك هو الواجب عليهم.
فقال أبو حنيفة : "هذا رأيي وهذا أحسن ما رأيت، فمن جاء برأي خير منه قبلناه".
ولهذا لما اجتمع أفضل أصحابه : أبو يوسف بمالك فسأله عن مسألة الصاع وصدقة الخضروات ومسألة الأجناس؟ فأخبره مالك بِما تدل عليه السنة في ذلك فقال : "رجعت إلى قولك يا أبا عبدالله ولو رأى صاحبِى ما رأيت لرجع إلى قولك كما رجعت".
ومالك كان يقول : "إنما أنا بشر أصيب وأخطىء، فاعرضوا قولِي على الكتاب والسنة أو كلاماً هذا معناه".
والشافعي كان يقول : "إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط وإذا رأيت الحجة موضوعةً على الطريق فهي قولِي"،انتهى كلامه رحمه الله(2).
قال ابن الجوزي في تلبيس إبليس : "اعلم أن المقلد على غير ثقة فيما قلد، وفي التقليد إبطال منفعة العقل، لأنه خُلِقَ للتأمل والتدبر، وقبيح بمن أعطي شمعة يستضيء بِها أن يطفئها ، ويمشي في الظلمة.
واعلم أن عموم أصحاب المذاهب يعظم في قلوبِهم التفحص عن أدلة إمامهم فيتبعون قوله، وينبغي النظر إلى القول لا إلى القائل كما قال علي رضي الله عنه للحارث بن عبدالله الأعور وقد قال له : أتظن أن طلحة وزبيراً كانا على الباطل؟! فقال له يا حارث : " إنه ملبوس عليك إن الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله(3) انتهى كلام ابن الجوزي رحمه الله .

قلت : كل من أفتى الناس بِما يخالف الدليل تقليداً لمذهبه فإنه قد وقع في منكر عظيم يصيبه من الإثِم أكثر مِمَّن عمل بفتواه، وذلك لأمرين :
الأول : لمخالفته الدليل الشرعي الذي ينص خلاف مذهبه وفتواه.
قال الله تعالى : "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله، فقد ضل ضلالاً مبينا"(4).
الثانِي: لكونه تسبب في إضلال غيره من عامة الناس، فكل شخص يعمل بمقتضى فتواه الباطلة كان له حظ وافر من الإثْمِية طالما وهذا المفتي يعلم أنه أفتى بموجب المذهب المخالف للدليل.
وقد أخرج مسلم في صحيحه رقم (2674) عن أبِي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "مَنْ دَعَا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تَبِعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثْم مثل آثام من تَبِعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً".
وروي عن عمر بن الخطاب كما في جامع بيان العلم وفضله لابن عبدالبر (2/135) وشرح الأصول للالكائي (1/123) والدارقطني في سننه (4/146) أنه قال : " إياكم وأصحاب الرأي فإنَّهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يَحفظوها ، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا"(5).
وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.

_________________
(1) أثر ضعيف
أخرجه معمر في جامعه (11/336 رقم 20702) فقال : حدثني بعض أهل المدينة قال خطبنا أبو بكر .. وذكره ، وهذا إرسال ظاهر.
(2) انظر فتاوى ابن تيمية (20/210).
(3) لم أجد له سنداً صحيحاً إلى علي، وقد ذكره المناوي في فيض القدير (1/210)، ولم يذكر سنده .
(4) سورة الأحزاب آية رقم (36).
(5) ضعيف
من طريق عبد الرحمن بن شريك عن أبيه، وعبدالرحمن ضعيف جداً، وأبوه يُحسن خبره متى توبع، وليس هذا منها.




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام