الأربعاء 18 محرم 1441 هـ || الموافق 18 شتنبر 2019 م


قائمة الأقسام   ||    قواعد في التشريع الاسلامي    ||    عدد المشاهدات: 169

قواعد في التشريع الإسلامي
فهم الصحابي حجة على من سواه في فهم النصوص ما لم يخالف نصاً أو أحداً من الصحابة " الجزء الثاني "
الحلقة (6)
بقلم الدكتور : صادق بن محمد البيضاني

لقد ظلَّ أهل الفقه والأصول ردحاً من الزمان يناقشون قضية الاحتجاج بالصحابي من عدمه، فتعددت نقولاتُهم وآراؤهم في هذه القضية.
ومحل ذلك كتب أصول الفقه إلا أننا نوجز ذلك في التالي :
أولاً : اتفق أهل العلم في مسألتين :
الأولى : أن الصحابة ليسوا حجةً على غيرهم من الصحابة في المسائل الخلافية الاجتهادية(1).
قال السبكي في الإبْهاج شرح المنهاج (3/192) : "اتفق أهل العلم على أن قول الصحابي ليس حجة على صحابي آخر مجتهد، كما صرح به القاضي أبو بكر في التقريب والإرشاد باختصار إمام الحرمين والمتأخرون منهم الآمدي وغيره" اهـ
وقال الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام (4/202) : "أجمعت الصحابة على جواز مخالفة كل واحد من آحاد الصحابة المجتهدين للآخر، ولو كان مذهب الصحابي حجة لما كان كذلك ، وكان يجب على كل واحد منهم اتباع الآخر وهو محال" اهـ 
الثانية : أن إجماعهم في مسألة ما حجة على التابعين ومن بعدهم إلى يوم الدين(2).
وعلى ذلك يتنزل قول ابن مسعود : " فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيئ"(3).
وقصد بالمسلمين هنا : الصحابة كما تقدم في اللقاء السابق.
ثانياً : اختلفوا في حجية قول الصحابة في المسائل الخلافية الاجتهادية على غيرهم من التابعين ومن بعدهم على عدة مذاهب :
الأول : ذهب الجمهور إلى عدم حجيتهم مطلقاً(4).
قال الآمدي في إحكام الأحكام (4/203): "إن الصحابة قد اختلفوا في مسائل، وذهب كل واحد إلى خلاف مذهب الآخر كما في مسائل الجد مع الإخوة ، وقوله : أنت عليَّ حرام كما سبق تعريفه، فلو كان مذهب الصحابي حجة على غيره من التابعين لكانت حجج الله تعالى مختلفة متناقضة، ولم يكن اتباع التابعي للبعض أولى من البعض" اهـ 
الثاني: أنه حجة شرعية يجب تقديْمُها على القياس، وهذا مذهب جمهور الأحناف ونقل عن مالك وهو مذهب الشافعي في القديم(5)، والجديد على خلاف من زعم غير ذلك(6).
الثالث: أنه حجة متى انضم معه قياس صحيح ومقدم على القياس الذي ليس عليه فتوى صحابي.
حكاه القاضي حسين وغيره عن أصحاب الشافعي، وكذا حكاه عن القفال الشاشي وابن القطان(7).
الراب : أنه حجة إذا خالف القياس لأنه لا محمل له إلا التوقيف، وذلك القياس. والتحكم في الدين باطل فيعلم أنه لم يقلد إلا توقيفاً، وبه قال ابن برهان كما في الوجيز(8).
الخامس: وهو ما حكاه ابن قيم الجوزية حيث قال في إعلام الموقعين (4/103): وإنْ خالفه أعلم منه كما إذا خالف الخلفاء الراشدون أو بعضهم غيرهم من الصحابة في حكم، فهل يكون الشق الذي فيه الخلفاء الراشدون ، أو بعضهم حجة على الآخرين ؟ فيه قولان للعلماء وهما روايتان عن الإمام أحمد، والصحيح أن الشق الذي فيه الخلفاء، أو بعضهم أرجح وأولى أن يؤخذ به من الشق الآخر، فإن كان الأربعة في شق فلا شك أنه الصواب، وإن كان أكثرهم في شق ، فالصواب فيه أغلب، وإن كانوا اثنين واثنين فشق أبي بكر وعمر أقرب إلى الصواب، فإن اختلف أبو بكر وعمر فالصواب مع أبي بكر، وهذه جملة لا يعرف تفصيلها إلا من له خبرة، واطلاع على ما اختلف فيه الصحابة وعلى الراجح من أقوالهم . انتهى كلامه رحمه الله.
ثالثاً : اختلفوا في حجية قول الصحابي إذا لم يخالفه، أو ينكر عليه أحد من الصحابة رضوان الله عليهم على عدة أقوال، أرجحها أنه حجة على غيره في باب الأفهام كفهمه لنص أو تفسيره له، لا أنه حجة فيما انفرد به من الرأي أو الحكم الذي لا دليل عليه.
وسنعرف من خلال اللقاء القادم بإذن الله مذاهب العلماء في ذلك مع ضرب الأمثلة.
وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.
___________
(1) إجمال الإصابة في أقوال الصحابة للعلائي (1/63) ، الإبْهاج شرح المنهاج على منهاج الوصول للسبكي (3 /192)، إرشاد الفحول للشوكاني (ص243)، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (4/202)، أصول السرخسي (2/110).

(2) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (1/328)، أصول السرخسي (2/114)، إرشاد الفحول للشوكاني (ص 81 )، التبصرة للشيرازي (ص505).
(3) صحيح لغيره
أخرجه أحمد في مسنده رقم (3600) واللفظ له، والحاكم في مستدركه وصححه رقم (4465) ، ووافقه الذهبي في التلخيص، والبزار في مسنده رقم (1816)، والطبراني في المعجم الكبير رقم (8582) كلهم من طريق أبي بكر عن عاصم عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود، وإسناده : حسن .
وللأثر طريقان آخران بإسنادين حسن، فالأثر صحيح لغيره، كما فصلت ذلك في كتابي تذكرة الأنام بحكم القراءة من المصحف أثناء الصلاة للإمام وغير الإمام (ص12 وما بعدها) الطبعة الثالثة، طبعة دار اللؤلؤة ببيروت.
(4) إرشاد الفحول للشوكاني (ص243)، الإحكام للآمدي (4/203)، الإبْهاج للسبكي (3/192)، وقال السبكي : "فذهب الشافعي رضي الله عنه في الجديد، والأشاعرة، والمعتزلة، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين، والكرخي إلى أنه ليس بحجة مطلقاً وهو باختيار الإمام والآمدي" اهـ.
قلت : وهو مذهب الجمهور، وهذا ظاهر لكل من تتبع أقوال الشراح وأصحاب الأصول، وقد ذكر ذلك الشوكاني في إرشاده (ص 243)، ثم الشافعي قيد ذلك بِمَا إذا انضم معه قياس صحيح كما هو مبين في المذهب الثالث كما سيأتي من خلال بسط كلام العلماء.
(5) إرشاد الفحول للشوكاني (ص243).
(6) انظر إعلام الموقعين لابن قيم الجوزية، الشافعي، تأليف محمد أبي زهرة (ص321)، مصادر التشريع للدكتور محمد أديب (ص 513).
(7) انظر إرشاد الفحول للشوكاني ( ص243).
(8) المصدر السابق.




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام