الإثنين 10 صفر 1442 هـ || الموافق 28 شتنبر 2020 م


قائمة الأقسام   ||    قواعد في التشريع الاسلامي    ||    عدد المشاهدات: 777

فهم الصحابي حجة على من سواه في فهم النصوص ما لم يخالف نصاً أو أحداً من الصحابة "الجزء الثالث والأخير"
( ضمن سلسلة قواعد في التشريع الإسلامي )
الحلقة (7)
بقلم الدكتور : صادق بن محمد البيضاني

لقد اختلف العلماء في حجية قول الصحابي إذا لم يخالفه، أو ينكر عليه أحد من الصحابة رضوان الله عليهم على عدة أقوال :
الأول : ليس بحجة ، ولا يجب على مَنْ بعده تقليده، وهذا مذهب ابن حزم وداود بن علي والشوكاني ، ومحمد صديق خان وقول للإمام أحمد والشافعي ، وبه يقول شيخنا مقبل الوادعي عليه سحائب الرحمة والرضوان ، إلا أن في الرواية عن الشافعي ضعفاً ، وزعم بعض المتأخرين أنه مذهب جماهير الأصوليين(1).
وقال ابن بدران كما في المدخل (ص154 وما بعده): "وأما أقوال الصحابي إذا لم يخالف غيره فمختلف فيه عند أحمد" اهــ
قال أبو المناقب الزنجاني في تخريج الفروع على الأصول (1/179): "لا حجة في قول الصحابي على انفراده عند الشافعي رضي الله عنه ، ولا يجب على من بعد تقليده، واحتج في ذلك بقوله تعالى : "فاعتبروا يا أولي الأبصار"(2)، أَمَرَ بالاعتبار دون التقليد، ولأن الصحابي لم تثبت عصمته والسهو والغلط جائزان عليه، فكيف يكون قوله حجة في دين الله تعالى" اهــ
قلت: وهذا غريب إذ الشافعي يقول بخلافه، وليس صحيحاً أنه كان يأخذ بقول الصحابي في القديم، ونفى الحجية في الجديد من مذهبه.
ولذا أطال الكلام ابن قيم الجوزية في إثبات أن الشافعي يقول : بحجية قول الصحابي في القديم والجديد، وأثبت ذلك بنقولات متعددة من كتاب الأم والرسالة وغيرهما(3).
قال الخطيب البغدادي في كتابه الفقيه والمتفقه (ص 166): "ومن قال إنه ليس بحجة استدل بأن الله تعالى إنما أمر باتباع جميع المؤمنين، فدل على أن اتباع بعضهم لا يجب، ولأنه قول عالم يجوز إقراره على الخطأ فلم يكن حجة كقول التابعي" اهــ
الثاني: أنه حجة، وهذا مذهب جمهور الأحناف، وبه قال الحنابلة على المشهور.
قال ابن بدران في المدخل (1/294): "وأما قول صحابي لم يظهر له مخالف فهو حجة أيضاً يقدم على القياس، ويخص به العام، وهو قول مالك، وبعض الحنفية خلافاً لأبي الخطاب، وقول الشافعي الجديد، وعن أحمد ما يدل عليه ، وهو مذهب الأشاعرة والمعتزلة والكرخي" اهــ
وهذا حاصل ما قاله علماء الإسلام في أقوال وفتاوى الصحابة، وهذه المذاهب مطروحة حتى يعرف الراجح من المرجوح.
ومفاد أدلة الشرع أن الحجة الكتاب والسنة وما سوى ذلك فلا حجة ولا طاعة حتى فيما انفرد به الصحابي ولم يخالفه أحد من أقرانه، أو وافقه واحد فأكثر منهم، ولم يخالفه غيره. 
قال الشوكاني في الدراري المضيئة (1/421): "وأ ما أقوال الصحابة فلا تقوم بِها الحجة إلا إذا أجمعوا على ذلك عند من يقول بحجية الإجماع" اهـ.ـ
وقال رحمه الله في إرشاد الفحول (1/ 243): "والحق أنه ليس بحجة، فإن الله سبحانه لم يبعث إلى هذه الأمة إلا نبينا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم، وليس لنا إلا رسول واحد وكتاب واحد، وجميع الأمة مأمورة باتباع كتابه وسنة نبيه، ولا فرق بين الصحابة، ومن بعدهم في ذلك فكلهم مكلفون بالتكاليف الشرعية وباتباع الكتاب والسنة، فمَن قال إِنَّها تقوم الحجة في دين الله عز وجل بغير كتاب الله وسنة رسوله وما يرجع إليهما، فقد قال في دين الله بما لا يثبت، وأثبت في هذه الشريعة الإسلامية شرعاً لم يأمر الله به، وهذا أمر عظيم، وتقوَّلٌ بالغ، فإن الحكم لفرد، أو أفراد من عباد الله بأن قوله أو أقوالهم حجة على المسلمين يجب عليهم العمل بِهَا ، وتصير شرعاً ثابتاً متقرراً تعم به البلوى مما لا يدان الله عز وجل به، ولا يحل لمسلم الركون إليه، ولا العمل عليه، فإن هذا المقام لم يكن إلا لرسل الله الذين أرسلهم بالشرائع إلى عباده لا لغيرهم وإن بلغ في العلم والدين وعظم المنزلة أيَّ مبلغ، ولا شك أن مقام الصحبة مقام عظيم، ولكن ذلك في الفضيلة، وارتفاع الدرجة، وعظمة الشأن، وهذا مُسَلَّمٌ لا شك فيه، ولِهَذا مدُّ أحدهم لا يبلغه من غيرهم الصدقة بأمثال الجبال، ولا تلازم بين هذا وبين جعل كل واحد منهم بِمَنزلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة قوله، وإلزام الناس باتباعه فإن ذلك مما لم يأذن الله به، ولا ثبت عنه فيه حرف واحد، وأما ما تَمَسَّكَ به بعض القائلين بحجية قول الصحابي مِمَّا روى عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم(4).
فهذا مما لم يثبت قط، والكلام فيه معروف عند أهل هذا الشأن بحيث لا يصح العمل بمثله في أدنى حكم من أحكام الشرع، فكيف مثل هذا الأمر العظيم والخطب الجليل على أنه لو ثبت من وجه صحيح لكان معناه إن مزيد عملهم بهذه الشريعة المطهرة الثابت من الكتاب والسنة وحرصهم على اتباعها ومشيهم على طريقتها، يقتضي أن اقتداء الغير بهم في العمل بها واتباعها هداية كاملة، لأنه لو قيل لأحدهم لم قلت كذا لم فعلت كذا ؟ لم يعجز من إبراز الحجة من الكتاب والسنة ولم يتلعثم في بيان ذلك.
وعلى مثل هذا الحمل يحمل ما صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله : " اقتدوا باللذَيْنِ من بعدي أبي بكر وعمر"(5).
وما صح عنه من قوله صلى الله عليه وسلم : عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين(6).
فاعرف هذا واحرص عليه، فإن الله لم يجعل إليك ، وإلى سائر هذه الأمة رسولاً إلا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ولم يأمرك باتباع غيره ولا شرع لك على لسان سواه من أمته حرفاً واحداً ، ولا جعل شيئاً من الحجة عليك في قول غيره كائناً من كان" اهــ
قلت : ويستثنى من ذلك فهمهم رضي الله عنهم لنصوص الشرع، فما فهموه كان مُقَدَّماً مقبولاً، بل وحجة إن لم يعارض التَّنْزِيل، وبه أخذ جمهور العلماء عند التطبيق، ومنهم الشوكاني نفسه في مواضع من كتبه، وأمثلة ذلك كثيرة منها فهم ابن عمر وأبي هريرة وابن عباس في تفسير الإطلاق الوارد في قوله عليه الصلاة والسلام: "اعفوا اللحى"(7).
فإنه يدل على الإعفاء الجزئي المقيد بالقبضة كما فعله ابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهم.
وكَفَهْمِ بعضهم من قوله تعالى: "فاقطعوا أيديهما"([8]).
أن القطع من الرسغ كما نقلته عن الشوكاني والجمهور في كتابي " شمس الضحى"، وما إلى ذلك مِمَّا لا يُعَدُّ رأياً مستقلاً بذاته([9]).
فتقديم فهمهم على غيرهم من البشر راجح وحجة في بابه بالقيد المذكور آنفاً لعدة أمور :
الأول: لكونِهِم أعلم ، وأفهم بالكتاب والسنة من الخلف لصحبتهم، وقربِهم من رسول الله عليه الصلاة والسلام .
الثاني: لمعاصرتِهم نزول الوحي.
فلو ثَمَّة شيئ ما عقلوه لسألوا رسول الله عليه الصلاة والسلام عنه، أو لحدَّثَهم به النبي صلى الله عليه وسلم، وحاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُخفي علماً لزمه تبليغه كما تدل عليه صرائح الكتاب والسنة.
الثالث: لكونِهم أفصح من الخلف لغةً، وسبكاً، وسليقةً، ومَنْ بعدهم قد دخلتهم العجمى.
فكيف يكون لمن دخلته العجمى رأي مفهوم صحيح يخالف ما عليه السلف أو آحادهم.
الرابع: أن القرآن الكريم وافق كثيراً من آرائه وهو يتنزل.
وغير ذلك من الأمور التي تدل على تقديم السلف في الرأي، والفهم على غيرهم، وخصوصاً عند التعارض .
قال الشاطبي في الموافقات (4/ 60): "وبيان تعين هذا العلم ما تقدم في كتاب المقاصد من أن الشريعة عربية، وإذا كانت عربية فلا يفهمها حق الفهم إلا من فهم اللغة العربية حق الفهم، لأنَّهما سيان في النمط ما عدا وجوه الإعجاز، فإذا فرضنا مبتدئاً في فهم العربية فهو مبتدئ في فهم الشريعة، أو متوسطاً فهو متوسط في فهم الشريعة والمتوسط لم يبلغ درجة النهاية، فإن انتهى إلى درجة الغاية في العربية كان كذلك في الشريعة فكان فهمه فيها حجة كما كان فهم الصحابة وغيرهم من الفصحاء الذين فهموا القرآن حجة، فمن لَمْ يبلغ شأنَهم فقد نقصه من فهم الشريعة بمقدار التقصير عنهم ، وكل من قصر فهمه لم يعد حجة ولا كان قوله فيها مقبولاً" اهـ
قلت : ولذا لا يخفى أن الرأي المستقل بذاته مما لا يندرج تحت فهم صحيح لا يعد من الأفهام في شيئ، بل هو رأي محض، ولا حجة في الآراء المحضة التي ليس عليها دليل شرعي من الكتاب والسنة، سواء كان الرأي لصحابي، أو تابعي، أو مِمَّنْ هو أعلم البشر بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا يُعَدُّ تقليد آحاد الصحابة في آراء محضة لا دليل عليها من الدين، بل هي آراء مطروحة يقدم الأقوى منها بناءً على ما وافق جملة أدلة الشرع إن خفي المفصل منها ويؤخر ما دون ذلك.
ومن هذه الآراء المحضة الاجتهادية والتي لا يقوم على مثلها دليل شرعي ما جاء عن عائشة أن: "عبدها كان يؤمها بالمصحف".
ولا ينبغي أن يقال هذا فهم، بل هو رأيٌ بَيِّنٌ لا ينبغي حملُ الناس عليه، وإن أفتى به مَنْ أفتى، كائناً مَنء كان فلا طاعة، ولا حجة في الآراء والأحكام إلا لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام.
مع أن ما صح عن عائشة قد عُوْرِضَ مع ما صح عن سويد بن حنظلة رضي الله عنه الذي لا يرى جواز ذلك، وما جاء عن عائشة مجرد إقرار بخلاف ما جاء عن سويد فإنه إنكار شديد، فقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (2/338)، وابن أبي داود في كتاب المصاحف (2/600 رقم 786) كلاهما من طريق وكيع قال حدثنا سفيان عن عياش العامري عن سويد بن حنظلة البكري: أنه مر على رجل يؤم قوماً في المصحف فضربه برجله"، وهذا أثر صحيح في غاية الصحة، وقد خرجته مفصلاً في كتابي " تذكرة الأنام بحكم القراءة في المصحف أثناء الصلاة للإمام وغير الإمام (ص66) الطبعة الثالثة، طبعة دار اللؤلؤة.
وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.
_____________
(1) انظر مصادر التشريع للدكتور محمد أديب (ص 513)، وكتاب الشافعي للشيخ محمد أبي زهرة (ص305).
(2) سورة الحشر آية 2.
(3) انظر إعلام الموقعين لابن قيم الجوزية (4/104 ـ 105)، وكتاب الشافعي لمحمد أبي زهرة (ص 321-322).
(4) حديث ضعيف جداً
قال ابن حجر في لسان الميزان (2/137 ، 138) : أخرجه الدارقطني في غرائب مالك ، والخطيب في الرواة عن مالك من طريق الحسن بن مهدي بن عبدة المروزي عن محمد بن أحمد السكوني عن بكر بن عيسى المروزي أبي يحيى عن جميل به.
قال الدارقطني : لا يثبت عن مالك ، ورواته مجهولون.
قلت: انظر تخريجه مفصلاً في كتابي " تذكرة الأنام بحكم القراءة في المصحف أثناء الصلاة للإمام وغير الإمام (ص24) الطبعة الثالثة، طبعة دار اللؤلؤة.
(5) حديث حسن
أخرجه الترمذي في جامعه رقم (3663 ، 3805) كما أخرجه ابن ماجه في سننه، وأحمد في مسنده، وغيرهم، وانظر تخريجه مفصلاً في كتابي " تذكرة الأنام (ص25).
(6) حديث حسن
أخرجه الترمذي في جامعه رقم (2676) كما أخرجه ابن ماجه في سننه، وأحمد في مسنده، وغيرهم، وانظر تخريجه مفصلاً في كتابي " تذكرة الأنام (ص26).
(7) حديث صحيح أخرجه الشيخان وغيرهما.
وقد ذكرت كافة طرقه في كتابي "شَمْس الضحى في حكم الأخذ من اللحي" (ص75) طبعة دار اللؤلؤة، الطبعة الثالثة، وبينَّتُ هنالك حقيقة الفهم في اللغة، والاصطلاح ، وذكرت الفوارق بين قبول الفهم الصحيح والرأي المحض، ومن أحب فليطلع كتابي المذكور. 
(8) سورة المائدة آية 38.
[9] أما حديث ابن عباس أنه سئل عن التيمم فقال : " إن الله قال في كتابه حين ذكر الوضوء (فاغسلوا وجوهكم ، وأيديكم إلى المرافق)، وقال في التيمم : ( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ).
وقال : ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) فكانت السنة في القطع الكفين".
فقد أخرجه الترمذي في جامعه وهو حديث ضعيف.
في إسناده علتان:
الأول : عنعنة هشيم بن بشير ، وقد عرف بالتدليس ، ولم يصرح بالتحديث في هذه الرواية.
الثانية: جهالة حال محمد بن خالد القرشي لم يوثقه معتبر سوى ابن حبان ، وقد انفرد بتوثيقه .




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام