الإثنين 10 صفر 1442 هـ || الموافق 28 شتنبر 2020 م


قائمة الأقسام   ||    دراسات شرعية موجزة حول شبهات التكفيريين    ||    عدد المشاهدات: 530

قول الخوارج: الشهادة في سبيل الله مطلب شرعي فلا يلزم من الجهاد تحقيق نَصْرٍ مادي للمسلمين، وإنما يكفي أن ننال الشهادة.

(ضمن دراسات شرعية موجزة حول شبهات الدواعش وتنظيم القاعدة وأنصار الشريعة وغيرهم من أهل التكفير)
الحلقة (19)
 بقلم الدكتور : صادق بن محمد البيضاني

 

الجواب على هذه الشبهة: أن الشهادة في سبيل الله مطلب شرعي قائم بذاته، وبالفعل لا يلزم من الجهاد تحقيق نصرٍ مادي للمسلمين، وإنما هي إحدى الحسنين: النصر أو الشهادة، وهذا أمرٌ مسلم له، ولكن بشرط ألا يؤدي القتال إلى مفسدة أكبر، وأن يكون منضبطاً بضوابط الشرع، وهذان أمران مهمان، وهما مفقودان عند هؤلاء المتعجلين، الذين لا خلاف معهم في كون الجهاد سبيلاً لإعلاء كلمة الحق، وإنما الخلاف في ضوابطه وشروطه الصحيحة التي يفتقدونها، وفي فهم الجهاد الشرعي فهماً صحيحاً.

ثم كيف يمكن أن تكفي الشهادة بالمفهوم الضيق الذي ترونه، فهل نضحي بالمسلمين ليكونوا كبش فداء للأعداء دون تكتيك أو ترتيب وفق الشريعة، ثم نقول لأقارب من قتلوا: ”مبارك عليكم شهادة أبنائكم” يعني نرمي بهم في المجازر مع ظننا الغالب أنهم سيُقتلون، ثم نشهد لهم بالشهادة، هذا والله “فِكْرُ ضيقٌ، كاسد بضاعته، مفلسٌ أهله”.

ثم لو تأملنا في واقع هؤلاء الشباب لوجدنا أنهم مخدوعون بقادة الفكر الخارجي الذي يسفه رواده كبار العلماء وفتاواهم، ويتهمونهم بالجهل وحب الدينار والدرهم والعمالة ونحوها من الألفاظ التي يتنزه عنها العقلاء، حتى جرُّوا الويلات والدهماء على المسلمين ودويلاتهم الصغيرة المفرقة.

ويمكن حصر ضرر هذه الشبهة في محورين:

المحور الأول: ظهور أعظم المفاسد مع احتمال مصلحة مرجوحة.

المحور الثاني: غياب شروط الجهاد الأربعة ”الراية الشرعية، الإمام، الإذن، الأهلية”.

فأما المحور الأول: فقد ”جاءت الشريعة عند تعارض المصالح والمفاسد بتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، وباحتمال أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، فمتى لم يندفع الفساد الكبير…. إلا بما ذكر من احتمال المفسدة القليلة كان ذلك هو الواجب شرعاً، وإذا تعين ذلك على هذا الرجل فليس له ترك ذلك إلا مع ضرر أوجب التزامه أو مزاحمة ما هو أوجب من ذلك” ([1]).

قال شيخ الإسلام ”القاعدة العامة فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت فانه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد ، فإن الأمر والنهى وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأموراً به، بل يكون محرماً إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته”([2]).

وقال رحمه الله: ”وينبغي أن يُعلم أن الأعمال الصالحة أمر الله بها أمر إيجاب أو استحباب، والأعمال الفاسدة نهى الله عنها، والعمل إذا اشتمل على مصلحة ومفسدة فإن الشارع حكيم إن غلبت مصلحة على مفسدته شَرَعَهُ، وإن غلبت مفسدته على مصلحته لم يشرعه، بل نهى عنه ([3]).

وحاصل كلام أهل العلم في ذلك: أنه يجب ترك المشروع إذا كان يؤدي فعله إلى منكر أكبر، ولا شك أن قتال العدو اليوم يؤدي على هذه الحال التي عليها المسلمون اليوم إلى مفاسد كثيرة وإن تعذر القائم بذلك بطلب الشهادة.

فـ” ليس كل سبب نال به الإنسان حاجته يكون مشروعاً بل ولا مباحاً ، وإنما يكون مشروعاً إذا غلبت مصلحته على مفسدته، أما إذا غلبت مفسدته فإنه لا يكون مشروعاً بل محظوراً وإن حصل به بعض الفائدة “([4]).

أما المحور الثاني فيتعلق بغياب شروط الجهاد الأربعة ”الراية الشرعية، الإمام، الإذن، الأهلية” إلا إذا كانوا في دولة كافرة فلهم أن يؤمروا لهم أميرا منهم كما كان الحال في حرب الأفغان على روسيا وبشرط القدرة على الجهاد وألا يؤدي جهادهم إلى اشر منه فيما يغلب عليه الظن، وأن يرجعوا في قضاياهم لكبار العلماء ومشورتهم.

وقد سبق بسط هذه الشروط بأدلتها والكلام عنها في المقال السابق الذي بعنوان: “هل ”الجهاد في هذا العصر فرض عين على كل مسلم؟”.

وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.

—– الحواشي ——

([1])  الفتاوى الكبرى لابن تيمية (4287).

([2])  مجموع فتاوى ابن تيمية (28/129).

([3])  المصدر السابق (11/623).

([4])  المصدر السابق (27/177)




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام