الثلاثاء 11 صفر 1442 هـ || الموافق 29 شتنبر 2020 م


قائمة الأقسام   ||    دورة تدريس علوم الحديث    ||    عدد المشاهدات: 1933

الحديث المقلوب

الحلقة (27)

بقلم الدكتور : صادق بن محمد البيضاني

ما زال الحديث عن المخالفات التي تطرأ على الحديث سنداً ومتناً، وسنتكلم في هذا اللقاء عن القسم الثالث من المخالفات التي تمت الاشارة إليها، فأقول:

ثالثاً: المقلوب.

ويُؤْتى به غالباً لِيُرَغَّبَ فيه لغرابته، وهو قسمان:

القسم الأول: أن يكون الحديث مشهوراً براوٍ فيجعل مكانه آخر في طبقته.

ومثاله كما في تدريب الراوي للسيوطي (1/ 291): حديث رواه عمرو بن خالد الحراني عن حماد النصيبي عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً: "إذا لقيتم المشركين في طريق فلا تبدؤوهم بالسلام".

فهذا حديث مقلوب.

قلبه حماد فجعله عن الأعمش فإنما هو معروف بسهيل بن أبي صالح عن أبيه هكذا أخرجه مسلم في صحيحه (رقم 2167، 2168/نووي) وأحمد في مسنده رقم (10810) من رواية شعبة والثوري وجرير بن عبد الحميد وعبد العزيز الدراوردي كلهم عن سهيل.

قال السيوطي كما في التدريب: ولهذا كره أهل الحديث تتبع الغرائب فإنه قلَّما يصح منها.

وقلب أهل بغداد على البخاري مائة حديث امتحاناً فردها على وجوهها فأذعنوا بفضله" اهـ

قلت: وفي ثبوت هذه القصة من حيث الاسناد عن البخاري نظر.

وقد يكون القلب في المتن كقلب الراوي لفظة أو جملة بخلاف ما رواه من هو أولى منه.

ومثاله في المتن بلفظة:

حديث مسلم في السبعة الذين يظلهم الله: "ورجل تصدق بصدقة أخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله".

فهذا مما انقلب على أحد الرواة، وإنما هو "حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" كما في صحيح البخاري رقم (1423/ فتح ).

ومثال الجملة: ما أخرجه الطبراني في الأوسط (3 /135 رقم 2715 ) من حديث أبي هريرة مرفوعاً : "إذا أمرتكم بشيء فائتوه، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ما استطعتم".

فإن المعروف ما في الصحيحين مرفوعاً: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم".

القسم الثاني: أن يؤخذ إسناد متن فيجعل على متن آخر، وبالعكس وهذا قد يُقصد به أيضاً الإغراب فيكون كالوضع.

وقد يُفْعَل اختباراً لحفظ المحدث أو لقبوله التلقين.

وقد فعل ذلك شعبة وحماد بن سلمة وأهل الحديث، ومثله أيضاً ما يُرى عن أهل بغداد أنهم قلبوا على البخاري كما سبق مائة حديث.

قال العراقي كما في التدريب (1/ 294): في جواز هذا الفعل نظر لأنه إذا فعله أهل الحديث لا يستقر حديثاً ، وقد أنكر حرمي على شعبة لما قلب أحاديث على أبان بن أبي عياش ، وقال : يا بئس ما صنع" اهــ

وقد يقع القلب غلطاً لا قصداً كما يقع الوضع كذلك.

وقد مثله ابن الصلاح بحديث رواه جرير بن حازم عن ثابت عن أنس مرفوعاً: "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني".

فهذا حديث انقلب إسناده على جرير، وهو ليحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

هكذا رواه الترمذي وأبو داود وأحمد، والحديث متفق عليه من طريق يحيى عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وجرير إنما سمعه من حجاج فانقلب عليه.

وقد بَيَّنَ ذلك حماد بن زيد فيما رواه أبو داود في المراسيل: عن أحمد بن صالح عن يحيى بن حسان عنه قال: كنت أنا وجرير عند ثابت فحدث حجاج عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه فظن جرير أنه إنما حدث ثابت عن أنس.

ولا شك أن المقلوب من قبيل الحديث الضعيف.

وأما قلب الشيخ السند أو المتن لاختبار طلابه ففيه نظر لكونه خلاف ما عليه واقع المتن أو السند، مما قد يفضي للعاقبة غير المحمودة.

نعم قد عُرِف عن بعض الأئمة إلا أن التورع في مثل هذه المواطن أولى بأشياخ وطلاب الحديث بخلاف القلب بسبب الغلط فإنه وإن كان مردوداً إلا أنه قد يُعرف السبب، ولم يكن متعمداً ممن غلط فيه.

وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام