الجمعة 24 ربيع الأول 1441 هـ || الموافق 22 نونبر 2019 م


قائمة الأقسام   ||    مختصر المنتقى من الفتاوى وزياداته    ||    عدد المشاهدات: 307

حكم الساحر والعراف ومن يسألهما

بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني


س2: هل الساحر والعرَّاف والكاهن ومَنْ يدعي معرفة الأمور المستقبلية كافر أم لا؟


ج2: الساحر هو: من يخيِّلُ لغيره أمورًا متغايرة, وتأثيره ووجوده لا يمكن لعاقل إنكاره, بل هو واقع لا محالة وذلك بمشيئة الله وحده, ويقع بأمور خفية بعزيمة أو ربط أو شراب أو طعام ونحو ذلك, ويعتبر السحر من الكبائر لقول النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اجتنبوا ([1])السبع الموبقات ([2])" قالوا: يا رسول الله وما هن ؟

قال: "الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي ([3]) يوم الزحف ([4])  وقذف ([5])المحصنات ([6])المؤمنات الغافلات ([7])" ([8]).

وأما حكم الساحر فإنه يختلف من ساحر لآخر على تقسيمات ثلاثة:

الأول: إن ادَّعى الساحر أنه يعلم الغيب أو أنه يضر من يشاء من دون الله وينفع من يشاء فهذا كافر لأن علم الغيب من علم الله ومن ادعى معرفته فقد ادعى حق المشاركة فيما يختص بالله عز وجل وهذا شرك بلا نزاع لقوله تعالى: "قُل لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ ([9])أَيَّانَ ([10])يُبْعَثُونَ" ([11])، ولأن الضر والنفع بيد الله سبحانه، وادعاء ذلك كفرٌ، قال تعالى: "وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ" ([12]).

الثاني: إن كان الساحر لا يدَّعي علم الغيب ولا هو وارد في أفعاله التي يَسحر بها الخلق, وإنما يتسبب بواسطة سحره في إيذاء غيره فهذا الأمر متفاوت فإن أدَّى السحر إلى قتل المسحور فللوالي أو قاضي المسلمين قتل الساحر لأنه قتل نفسًا بغير حق وفي ذلك يقول تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ ([13])عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى" ([14]).

وإن كان هذا السحر أدى بالمسحور إلى أن قتل غيره لزم على الساحر دفع الدية لأنه سبب لهذا القتل الخطأ لأن المسحور في حكم من لا يدرك بعض الأمور فهو في حقه خطأ والساحر ضامن وهنا يلزم القاضي الفصل فيه، فإن رأى دفع الدية مع تعزير الساحر فذاك, وإن رأى الدية مع القتل فذاك وإن رأى قتل الساحر فذاك، كل هذا راجع إلى القاضي حسب المقام الذي يقتضيه الحال بعد النظر في الجناية وحجمها وضررها، وإن كان الساحر قد آذى غيره ولم يبلغ به حد الجناية فإن الساحر قد ارتكب جرمًا كبيرًا سيسأل عنه يوم القيامة ويلزمه التوبة بشروطها فإن كثر شره وفساده لزم والي المسلمين أن يحسم أمره بما يدفع المفسدة ويجلب المصلحة فيعرض عليه التوبة فإن تاب فبها ونعمت وإن أبى وكثر شره فهو مخير بين قتله وحجره على خلاف بين أهل العلم والظاهر حسم أمره حسب المصلحة والمفسدة فإن رأى قتله فعل وإن رأى حبسه وتعزيره فعل فإن الساحر لا خير فيه.

الثالث: إن كان الساحر يُعْرَف بتقربه للجن والمردة ويستغيث بهم كي يعينوه على سحره فهذا أيضًا كافر خارج عن ملة الإسلام لأنه أتى فعل بعض المشركين الجاهلين وما هم عليه من الاستغاثة بالشياطين والأصنام من دون الله وعلى هذا يتنزل قوله تعالى: "لَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ" ([15]), ومتى تبين كفر الساحر لزم والي المسلمين أن يقيم فيه حد الردة إلا أن يتوب فإن تاب وصلحت توبته انتهى الأمر فإن أبى أو تخاذل عن ذلك يلزم قتله لأنه قد بدل دينه لحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من بدل دينه فاقتلوه" ([16]).

وبعض العلماء يقطع أن الساحر كافر من غير تفصيل لأنه لا يستطيع أن يتعلم السحر إلا بشرط أن يعمل شيئاً يشرك به أو يكفر به الكفر الأكبر المخرج من الملة، فإذا صح هذا الشرط لتعلم السحر فهو كافر لا محالة.

وأما حديث جندب أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "حد الساحر ضربة بالسيف" فلا يصح، وقد أخرجه الترمذي وغيره من طريق إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف بالاتفاق، وقد تابعه خالد العبدي عن الحسن عن جندب كما في المعجم الكبير للطبراني لكنه مجهول، وبالله التوفيق.

 

([1])  أبعدوا عن.

([2])  المهلكات بمعنى الموبقات جمع موبقة وهي الخصلة المهلكة أو المراد الكبيرة.

([3])  الإدبار من وجوه الكفار أثناء الجهاد.

([4])  وقت ازدحام الطائفتين بغير عذر، الزحف: تقدم الجيش للجهاد سمي به لكثرته وثقل حركته يرى كأنه يزحف زحفًا أي يدب دبيبًا.

([5])  القذف بمعنى الرمي البعيد استعير للشتم والعيب والبهتان.

([6])  بفتح الصاد المحفوظات من الزنا وبكسرها الحافظات فروجهن منه.

([7])  عن الفواحش وما قذفن به فهو كناية عن البريئات.

([8])  أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الوصايا, باب قول الله تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون(3/1017رقم2615)], ومسلم في صحيحه [كتاب الإيمان, باب بيان الكبائر وأكبرها(1/92 رقم89)] كلاهما من حديث أبي هريرة.

([9])  الشعور العلم أو مباديه.

([10])  وقت الشيء ويقارب بمعنى متى، وأصله عند بعضهم أي أو إن أي بمعنى وقت فحذف الألف ثم جعل الواو ياء مدغمة.

([11])  سورة النمل, الآية (65).

([12])  سورة الأنعام, الآية (17).

([13])  فرض وأثبت.

([14])  سورة البقرة, الآية (178).

([15])  سورة البقرة, الآية (102).

([16])  أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم, باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم( 6/2537 رقم6524)] من حديث ابن عباس.




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام