الأربعاء 18 محرم 1441 هـ || الموافق 18 شتنبر 2019 م


قائمة الأقسام   ||    دراسات شرعية واقعية في الديمقراطية وأصول الاحزاب    ||    عدد المشاهدات: 228

الديمقراطية وثورات الربيع العربي مصر أنموذجا

( ضمن موضوع دراسات شرعية واقعية في الديمقراطية وأصول الأحزاب السياسية)

الحلقة (7)
 بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني

تكلمت في لقاءات سابقة وقلت: لا عدالة ولا سلام ولا مساواة في النظام الديمقراطي الذي تتزعمه أمريكا وحلفاؤها اللطيفون ” دول أوربا” وقلت أيضاً الواقع يكشف زيف هذه الديمقراطية التي هي شماعة الأعداء لأجل يحققوا من خلالها مصالحهم سواء من المسلمين أو من غير المسلمين، وضربت لكم أمثلة عديدة، لا حاجة لنا في تكرارها.
ثم جرت أحداث أخرى كثيرة تثبت زيف عدالة الديمقراطية، ومن أهم هذه الأحداث موضوع هذا اللقاء وهو ما يُسمى بــ” ثورات الربيع العربي”
 وقد بدأت مسمَّيات هذه الثورة على ولاة الأمر في العالم العربي بأشكال مختلفة قبل سنين طوال من خلال الخطاب الفكري المحدود الحذر، ثم صارت الأمور جلية من خلال الخطاب المقروء والمسموع والمرئي الذي كان يدار في الأندية الشبابية والمخيمات الصيفية، والمجالس الشبابية المغلقة، ثم من خلال إنشاء أكاديمية التغيير التي كان يديرها الدكتور هشام مرسي صهر الدكتور يوسف القرضاوي، ومهمة هذه الأكاديمية قلب الأنظمة من خلال الثورات على الحكام العرب، وقد تم ترجمته عملياً من خلال ” ثورات الربيع العربي” التي باركها الصهاينة والأمريكان للدول العربية لأنهم صُنَّاعها.
قال أحد السياسيين: «إن ثورات الربيع نُسجت عام ١٩٦٢٢م عندما اقترح اشكول ليفي رئيس وزراء اليهود آنذاك أن تتم زعزعة الأنظمة العربية ابتداء من تونس، لأنهم كانوا ينظرون إليها على أنها الحلقة الأضعف في الدول العربية، ثم استلم زمام هذه الثورات الصهيوني الفرنسي «برنار هنري» الذي يدير ويمسك بيده ملف الربيع العربي ويدرب عليه بعض العرب.
ثم صدر عن اجتماع وزير الخارجية الألماني الأسبق بوبكا فشر مع كوندليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية ( بعد توليها منصب وزيرة الخارجية عام ٢٠٠٥٥م) بقوله: “إننا نعمل على خلخلة المنطقة العربية عبر الفيسبوك وتويتر” ([1]).
ثم تطالعنا كوندوليزا رايس لتؤكد ذلك وتعترف من خلال القنوات الإعلامية بأن «أمريكا هي من صنعت ثورات الربيع العربي ».
 وللأسف لم نجد آذانا صاغية للواقع المرير من هؤلاء المحسوبين على المجتمع الإسلامي الثقافي الحركي – المتحالف مع الأحزاب الأخرى – سوى تبريرهم بقولهم: حتى وإن كانت من صنع الصهاينة والأمريكان إلا أنها أظهرت الإسلام والمسلمين.
 وهذا الجواب من العجب العجاب، فماذا جنى المسلمون من ثورات الربيع حتى نقول أظهرت الإسلام والمسلمين؟! سوى سفك الدماء وزعزعة الأمن والاستقرار وكثرة البطالة وانتشار الفساد، وكثرة الضغوط على دولنا العربية، والفوضى والقمع والحرب الأهلية في الدول التي ظهرت فيها هذه الثورات مع سقوط هذه الدول في أحضان الأعداء ومن ثم تدخلهم اللامحدود في قضايا الأمة العربية والاسلامية بلا هوادة.
 فالمسلم العاقل ضد الفساد والظلم والاستبداد، ولكن لا يكون تغييره بالفوضى والطرق المنافية للدين والوسائل غير الشرعية، وإنما تغييره بما خطَّه لنا نبينا عليه الصلاة والسلام وسار عليه علماء الملة المرحومة رضوان الله عليهم.
 وقد أعجبتني كلمة قالها الشيخ صالح الفوزان حيث قال: «نحن لا نقول إن الولاة معصومون، ولا يحصل منهم أخطاء، ولا يحصل منهم ظلم، لا نقول إن الشعوب ليس لها حقوق، لا نقول هذا؛ بل نقول: الشعوب لها حقوق والولاة ليسوا معصومين، ويحصل منهم ما يحصل، ولكن ليس العلاج بالفوضى والمظاهرات والتخريب وإحراق المرافق العامة، ليس حل المشكلة في هذا([2])».
 المهم حصلت الثورات وهانحن نتجرع ويلاتها، والسؤال المطروح: ما هو موقف الديمقراطية من هذه الثورات؟ وما هو موقف أمريكا ودول أوربا المتزعمين للديمقراطية من هذه الثورات؟
 الجواب: النظام الديمقراطي ينص أنه من حق الحاكم أن يبقى حاكماً حتى تنتهي فترة ولايته وفقاً للدستور لكن الثورات وقفت ضد هذا البند فلم ينتفع الحكام من مبادئ الديمقراطية لأن الثورات الانقلابية خالفت هذا البند وعلى رأس المخالفين الأحزاب السياسية التي وقعت على ميثاق احترام الفترة الرئاسية وفقاً للنظام الجمهوري، ووفقاً للدستور، ووفقاً للديمقراطية التي سمحت بإنشاء أحزاب سياسية ديمقراطية.
 وأما حماة الديمقراطية وهم أمريكا وأوربا فموقفهم هزيل تجاه البلاد العربية في ظل هذه الثورات، فتارة يقفون مع الشعوب، وتارة مع الحاكم، ونسوا مبادئ الديمقراطية المزعومة التي تنص على السلام والاستقرار والأمن.
لذا كان موقفهم بين طرفي نقيض يعود لكونهم هم مَن صدَّر الثورات للعرب المسلمين من خلال رعاع الأحزاب السياسية وغلمان الإعلام المزيف والمسير.
 إذن حماة الديمقراطية جعلوا شعوب المسلمين تتقاتل مع الحاكم ويدعمون الدعم المادي والمعنوي من وراء الكواليس للطرفين، ويوهمون كل طرف أنهم معه لأجل إشعال الفتنة والحرب بين الراعي والرعية.
وحتى لا أطيل عليكم أضرب لكم مثالاً حياً من الواقع:
 انتهت ثورة الربيع في مصر بانتخاب فخامة الرئيس محمد مرسي رئيساً لجمهورية مصر العربية، وقد وصل إلى هذا المنصب وفقاً للنظام الديمقراطي، ومن حقه كرئيس لمصر أن يبقى مدة الرئاسة المقررة وفقاً للدستور والنظام من تاريخ تعيينه في 30 يونيو 2012م لمدة أربع أو ست سنوات وفقاً للدستور، وبعد انتهاء الفترة من حقه أن يترشح لولاية جديدة، وقد وباركت أمريكا ودول أوربا فوزه، لكن للعجب العجاب تم عزله في انقلاب 2013م، وباركت أمريكا ودول أوربا عزله.
 ما هذا التناقض الديمقراطي يا غوغائية الأحزاب؟ ويا دعاة الديمقراطية، وأين عدالة الديمقراطية الأمريكية الصهيونية الغربية التي تضحك بها على الشعوب العربية اتباع كل زاعق وناعق؟
من الذي أسقط الرئيس محمد مرسي يا دعاة الديمقراطية؟
 الجواب: الذي أسقطه هو الذي أسقط الرئيس حسني مبارك، وهو الذي أسقط بقية قادة دول ثورات الربيع المحموم، الذي أسقط الجميع هي الديمقراطية التي تشتمل على المخطط الصهيوني الذي اخترق صفوف المسلمين مستغلاً عاطفة الشعوب العربية التي ينقصها الثقافة وفهم الواقع وفقاً للكتاب والسنة وليس وفقاً لفهم الديمقراطية الهزيلة وليس وفقاً للفكر السياسي الحادث المحدود.
 في مصر الكنانة استغلوا أبناء الشعب المصري لإخراجهم إلى الشوارع مستثمرين رؤوس الشخصيات المؤثرة في المجتمع عبر وسائل الإعلام، ومن خلال الميادين، كما استثمروا الأحزاب المعارضة للإخوان المسلمين لتجميع الرجال والنساء في مظاهرات مليونيه، حيث تهيَّأت لهم الأمور المادية والإدانات الواقعية مستخدمين السلطة وقوة السلاح القانوني وغير القانوني، ومن ورائهم أمريكا والغرب وأدواتهم في الوطن العربي، وتم إعلان سقوط ولاية فخامة الرئيس وولي أمر الشعب المصري محمد مرسي رسميًّا بمباركة من الجيش والمجتمع الدولي الذي صنع ثورات الربيع في الشرق الأوسط، بل ظُلِمَ وتم سجنه يوم عزله، وتعرض للمحاكمة، ثم فُتِحت أبواب السجون أمام الإخوان المسلمين، فسُجن منهم حتى الآن «أكثر من ستة عشر ألف إخواني، وفي مقدمتهم كبارهم الذين حُكم على بعضهم بالإعدام »بدعوى تصرفات طائشة تزعزع الأمن والاستقرار، وبدعوى المتاجرة بالدماء البريئة، وتجنيد صغار السن من الشباب والفتيات للخروج بالمظاهرات والاعتصامات غير السلمية.
ولا شك أن هذه الاعتقالات لا تخلو من ظلم وتسلط بغير حق وتلفيق تهم بعضها لا أساس لها من الصحة.
فهذه هي الديمقراطية التي خدعت الحركة الإسلامية، وصدقوا أنفسهم أنهم سيصلون لكرسي الحكم من خلالها.
 لن يصل المسلمون للحكم إلا من خلال منهج شرعي صحيح يحتكم للكتاب والسنة، وبهذا المنهج الشرعي القويم غير الحزبي سيصلون لخلافة راشدة بعز عزيز، يعز به الإسلام، ويذل به الكفر وأهله.
 أما وصولكم من خلال العدو ووسائله الخبيثة كالديمقراطية فهذا محال لأن العدو صنع لكم الديمقراطية ليذلكم ويفرقكم لا ليعزكم ويجمعكم، فاطلبوا العزة ممن فرض عليكم الاسلام كي يعزكم ويرفع قدركم في الدنيا والآخرة.
 وحتى لو وصلتم للحكم كما وصلتم له في السودان فسيظل العدو يفرض عليكم نظام الديمقراطية لأنه حاصركم بالتعددية الحزبية التي تمنعكم من تطبيق شرع الله، وحاصركم من خلال الضغوط الدولية المتتالية بالتجويع والتهميش والتهم ودعم الأحزاب المحلية لتفكيك مجتمعكم، وهذا ما تعانيه اليوم دولة السودان.
 إذن ماذا بقي من النظام الديمقراطي للمسلمين سوى الضحك على أصحاب العقول التي لا تعي أخطار ومخططات الأعداء، ولا تفهم الدين والواقع وفقاً للشرع المطهر، فالحماسة يا إخواني واستغلال عاطفة الشعوب بمسلك الديمقراطية المنافي للدين لن يحقق مستقبلاً لأهل الإسلام ولن يرفع رؤوسهم، فإن ما بني على أصل باطل فما تفرع منه باطل، هكذا اتفق علماء وفقهاء الإسلام سلفا وخلفا.
استيقظوا يا مسلمون، فقد طال سباتكم وعودوا لرشدكم، فلن تنفعكم أمريكا ولا أوربا فهم أعداء الملة ورب العزة يقول: ” ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم، قل إن هدى الله هو الهدى”.
نعم يا إخواني في الله: ” إن هدى الله هو الهدى”، ولن يصلح هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فقد بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء.
 وفق الله الجميع لطاعته وألهمهم رشدهم.

———–

([1]) اقرأ ما نشرته وكالة “جراسا نيوز” للصحفي أحمد خلال القرعان، بتاريخ ٠٤ـ٠٦ـ٢٠١٢م.
([2]) الفوزان، خطبة جمعة مسجلة صوتياً بعنوان: ” وجوب التمسك بمنهج أهل السنة والجماعة ” ، منشورة على موقعه الإلكتروني




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام