الجمعة 17 ربيع الأول 1441 هـ || الموافق 15 نونبر 2019 م


قائمة الأقسام   ||    مختصر المنتقى من الفتاوى وزياداته    ||    عدد المشاهدات: 288

حكم من يتكلم في الآخرين أكثر من التفقه في الدين

بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني


س28: جزاك الله خيرًا, نرى بعض الإخوة السلفيين يتجهون إلى الجرح والتعديل ويتركون التفقه في الدين، فما نصيحتكم لهم


ج28: أظن أن الأخ السائل قد بالغ في النقد، ولو قال: يقصرون في التفقه في الدين لكان أعدل وأنصف، والجواب: أن من فضل الله سبحانه وتعالى على عباده وجود من يدافع وينافح عن دينه وشريعته من أهل العلم والورع، الذين يرشدون الأمة إلى كل خير وفق الكتاب والسنة، ويبينون للناس المعتبر من أهل العلم للأخذ عنه ما يصلح شؤونهم في الدنيا والآخرة، ويحذرون الأمة من المبتدعة الذين غيروا وبدلوا وقلبوا الحقائق والموازين وزرعوا الشبه في أوساط الناس.

ولذا لم يكن صنيع العلماء المخلصين المدافعين عن دين الله من فراغ، بل كان بعد رحلة علمية طويلة شاقة لا يتحملها إلا الرجال الذين اختارهم الله ليكونوا متأهلين لهذا الأمر العظيم, في الوقت نفسه لم يكونوا متفرغين للكلام في فلان من الناس، إلا عند الحاجة التي لا بد منها بعد وصولهم مرتبة "عالم"، وفق شروط سبق بيانها في الفتوى السابقة رقم (15) والتي كانت بعنوان "متى يكون شيخ العلم أهلا للجرح والتعديل".

فإذا اتفقت تلكم الشروط في الشخص حُقَّ له أن يكون معدلًا أو مجرحًا لأن مثله سوف يتصف بالعدل والأمانة, ولذا يلزم طلاب العلم ألا يخوضوا في مسالك كهذه، وأن يتركوا ذلك لأهل الشأن والبصيرة فهم أعرف بحال ومصلحة الأمة، وأن ينكبوا على طلب العلم على أيدي علمائهم الموثوقين من أهل السنة والجماعة، فإن أوقاتًا عديدة تضيع على شباب الإسلام في الخوض في ما لا يعنيهم وفي ما لم يُكلفوا به شرعًا.

فكم من الشباب مَنْ لا يحافظ على السنن والمستحبات، بل يفرط في كثير من الواجبات، وقد يتنزه عن الفتيا في أحكام الطهارات والمشروبات ولا ينزه لسانه عن الكلام في أعراض الأمة، وهذا منزلق خطير لا يحمد شرعًا, إذ إن الأمة تحتاج من أبنائها أن يكونوا قدوة لأجيالهم المستقبلية وأن يبحثوا عما يصلح البناء لا من يتسبب في خرابه.

ومع ذلك كله فليس كل من تكلم في جرح الناس من الصغار قد قصد الإفساد في الأرض وهتك أعراض الأمة, بل الأمر يتفاوت فمنهم مَنْ يظن أن هذا يلزمه شرعًا, ومنهم من يرى غيره يخوض فيقلده ويخوض مثله محسنًا الظن في من قلد, ومنهم من يتكلم بحجة الدفاع عن المنهج السلفي, وآخرون لهم مآرب أخرى أسأل الله أن يصلح الجميع وأن يعاملنا بلطفه.

ونصيحتي لطلاب العلم: أن يتقوا الله ويخلصوا في طلبهم للعلم, وأن يحافظوا على أوقاتهم بكثرة الطاعات وحضور الحلقات، وأن يتورعوا عن الكلام في الأعراض، فإن النبي عليه الصلاة والسلام يقول كما في سنن أبي داود بإسناد حسن : "من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة ([1])الخبال ([2]) حتى يخرج مما قال"([3]) .

وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالًا يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم"([4]).

وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.

 

([1])  طين ووحل كثير.

([2])  ردغة الخبال: عصارة أهل ألنار( قيحهم وصديدهم وعرقهم).

([3])  أخرجه أبوداود في سننه [كتاب الأقضية, باب في من يعين على خصومة من غير أن يعلم أمرها(2/329 رقم 3597)] من حديث عبد الله بن عمر.

([4])  أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الرقاق, باب حفظ اللسان(5 / 2377 رقم6113)] من حديث أبي هريرة.




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام