الجمعة 17 ربيع الأول 1441 هـ || الموافق 15 نونبر 2019 م


قائمة الأقسام   ||    مختصر المنتقى من الفتاوى وزياداته    ||    عدد المشاهدات: 338

هل هناك مدة معينة لقصر الصلاة في السفر؟

بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني


س46: إذا سافر الإنسان ومكث أقل من أربعة أيام ... هل يجمع ويقصر أم ماذا؟ وهل هناك مدة معينة لقصر الصلاة في السفر ؟

ج46: القصر رخصة على القول الراجح خلافاً لمن أوجبه، وهو صدقة تصدق الله به على العباد لما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن على بن أمية قال قلت لعمر بن الخطاب: "فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ"([1]) فقد أمن الناس، فقال عمر: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته"([2]).

فمتى خرج الإنسان من بلده بقصد السفر جاز له القصر بشرط أن يبتعد عن بلده بحيث لا يرى العمران، ولا يصح دليل بتحديد مسافة أو فراسخ أو ميلات أو كيلو مترات، فكل أدلة ذلك ضعيفة، والأصل غياب عمران بلدة المقيم الخارج بنية السفر أو البعد الذي يُعد سفراً عرفاً في المناطق شاهقة الارتفاع.

ودليل أنه لا قصر إلا بالخروج من البلدة قوله تعالى: "وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ"([3]).

أما قول السائل إذا سافر الإنسان ومكث أقل من أربعة أيام ... هل يجمع ويقصر.

فالجواب لا داعي لهذا القول لكونه يجوز له القصر طالما وهو مسافر لأنه لا دليل على تحديد أيام القصر, لكن جاء عن سعيد بن المسيب رحمه الله أنه قال: إذا أقام أربعًا يصلي أربعًا ([4])فهذا الأثر له تفسيران: الأول أنه فَهْمٌ منه يرحمه الله، وهذا الظاهر، ومع ذلك نقول لا يدل على قصر ذلك على هذه الأيام والتفسير الثاني: المقصود أن من أجمع إقامة فلا قصر عليه في ما زاد، وهذا اتفاقاً, وقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع في ذلك، وفي الحديث الصحيح عن جابر– رضي الله عنه -: أن النبي عليه الصلاة والسلام قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الصبح في اليوم الثامن ثم خرج إلى منى وخرج من مكة متوجها إلى المدينة بعد أيام التشريق"([5]).

و حاصله أنه يجوز للرجل القصر حال سفره مدة بقائه في البلدة التي سافر إليها ما لم يجمع على أيام محددة فإنه إن نوى أن يبقى مدة أربعة في بلدة أو حددها بأكثر لم يجز له القصر بعد انتهاء ما حدد ويلزمه أن يتم وهذا بالإجماع لا نعلم في ذلك خلافًا، وقد نقل الاجماع ابن المنذر كما تقدم في مراتب الاجماع وكذا الترمذي في جامعه (٢/٤٣٤) وابن عبدالبر في الاستذكار (٢/٢٤٢) وابن رشد في بداية المجتهد (١/١٧٠).

فلا عبادة قصرًا في السفر إلا بالنية لحديث: "وإنما لكل امرئ ما نوى"([6]).

وقد ثبت عن نافع أن ابن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين.

لكونه مترددًا لم يجمع على إقامة.

وجاء عن بعض السلف السنة والسنتين, وهذا كله خاص فيمن لم يجمع على مدة معينة.

ولا يجوز للشخص أن يقول لا قصر زيادة على عشرين يومًا لحديث جابر الصحيح كما في المسند وغيره قال: أقام النبي عليه الصلاة والسلام بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة ([7]).

فإن هذا الحديث إنما يذكر الفترة التي مكثها بتبوك مترددًا لا كون النبي عليه الصلاة والسلام شرعها كأقصى مدة للقصر لعدم ما يفيد ذلك.

والأفضل للمسافر لعموم الأدلة أن يصلي كل صلاة على وقتها، ويشرع له الحمع عند القصر بحيث يجمع كل صلاتين مع بعض ما عدا صلاة الفجر فلا تجمع مع غيرها, وهذا فيما إذا جد بالشخص السير أو سيأتي وقت الصلاة الأخرى وهو مشغول بشئ ما.

ودليل الجمع تقديمًا وتأخيرًا ما أخرجه الشيخان عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس ([8]) أخر الظهر إلى وقت العصر ثم يجمع بينهما وإذا زاغت صلى الظهر ثم ركب" ([9]).

و لهما عن ابن عمر: "كان إذا جد به السير ([10])  جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفق ويقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء ([11]) .

وصح في سنن أبي داود عن معاذ بن جبل: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب"، وبالله التوفيق.

 

([1])  سورة النساء, الآية (101).

([2])  أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب صلاة المسافربن, باب صلاة المسافرين وقصرها(4/395 رقم 1605)] من حديث عمر بن الخطاب.

([3])  سورة النساء, الآية (101).

([4])  أخرجه الترمذي في سننه [أبواب السفر,أبواب السفر(2/431 تحت حديث رقم 548)], انظر: [ علل الترمذي الكبير, تحقيق صبحي السامرائي, أبوالمعاطي النوري, محمود محمد الصعيدي, عالم الكتب, ‏مكتبة النهضة العربية, بيروت, 1409 هـ(1/272 رقم 499, 500)].

([5])  أخرجه البيهقي في سننه الكبرى(3/148) وغيره.

([6])  أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب بدء الوحي,باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول الله جل ذكره { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده } / النساء 163 /(1/1 رقم 1)], ومسلم في صحيحه [كتاب الإمارة, باب قوله صلى الله عليه وسلم( إنما الأعمال بالنية ) وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال(3/1515 رقم 1907)] كلاهما من حديث عمر بن الخطاب.

([7])  أخرجه أحمد في مسنده [مسند المكثرين من الصحابة, مسند جابر بن عبد الله(3/295 رقم 14172)] من حديث جابر بن عبد الله.

([8])  قبل الزوال.

([9])  أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب تقصير الصلاة, باب يؤخر الظهر إلى العصر إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس(4/367 رقم 1111)], ومسلم في صحيحه [كتاب صلاة المسافربن, باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر(4/453 رقم 1659)] كلاهما من حديث أنس بن مالك.

([10])  جعله السير مجتهدًا مسرعًا.

([11])  أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب تقصير الصلاة, باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء(4/360 رقم 1106)], ومسلم في صحيحه [كتاب صلاة المسافربن, باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر(4/450 رقم 1656)] كلاهما من حديث ابن عمر.




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام