السبت 20 صفر 1441 هـ || الموافق 19 أكتوبر 2019 م


قائمة الأقسام   ||    مختصر المنتقى من الفتاوى وزياداته    ||    عدد المشاهدات: 269

شرح آية غض البصر وحكم كشف الوجه

بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني


س47: أريد معرفة شرح الآية التي ورد فيها غض البصر للنساء ؟


ج47: يقول الله تعالى: "وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا"([1]) أي ما ظهر منها كالوجه والكفين عند غياب الرجال إذا ذهبت إلى السوق ونحوه، وأما عند رؤية الرجال وخصوصًا إن خشيت الفتنة كما هو الحال في عصرنا فتغطي وجهها وكفيها.

وليس معنى ذلك تحريم نظر النساء إلى الرجال مطلقًا، بل إذا نظرت للرجال دون أن تصوَّب نظرها لرجل معين فأكثر فلا يحرم لكن التصويب بالنظر لرجل بعينه فأكثر لا يجوز، والأشد منه حرمة إن كان بشهوة هذا هو أصح الأقوال، وهو الراجح لحديث: عائشة رضي الله عنها قالت: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد حتى أكون أنا التي أسأم ([2])فاقدروا ([3])قدر الجارية الحديثة السن ([4])الحريصة على اللهو ([5])؛ والحديث متفق عليه.

وليس كل جارية غير بالغة، فمنهن البالغات ومنهن غير البالغات، وهو الأصل.

أما حديث أم سلمة: أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة قالت فبينا نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه وذلك بعد ما أمرنا بالحجاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "احتجبا منه" فقلت: يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه "([6]).

فهذا حديث ضعيف في إسناده نبهان المخزومي وهو ضعيف؛ ومما يؤكد تغطية الوجه عند رؤية الرجال ما ثبت من حديث حديث عائشة –رضي الله عنها- الذي في الصحيحين أنها قالت: "لقد كان النبي صلي الله عليه وسلم يصلي الفجر فيشهد معه الناس من المؤمنات متلفعات ([7]) بمروطهن ([8])، ثم ينقلبن إلى بيوتهن ما يعرفن من شدة الغلس" ([9]).

وجاء –أيضًا- عنها –رضي الله عنها- كما صح ذلك عند أبي داود وغيره قالت: "كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- محرمات، فإذا حاذوا بنا سدلَتْ إحدانا جلبابَها من رأسِها إلى وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه" ([10]).

وثبت عن أسماء بنت أبى بكر -رضي الله عنهما- قالت: "كنا نُغطِّي وجوهنا من الرجال، وكنَّا نمتشط قبل ذلك"، أخرجه ابن خزيمة وغيره ([11]).

لكن قد يقول قائل وما هو جوابك عن حديث ابن عباس عن الفضل بن عباس الذي في الصحيحين قال: "أن امرأة من خثعم استفتت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع والفضل بن عباس رديف رسول الله -صلى الله عليه وسلم-[وكان الفضل رجلًا وضيئًا ... فوقف النبي -صلى الله عليه وسلم- للناس يفتيهم]"، الحديث وفيه: "فأخذ الفضل بن عباس يلتفت إليها وكانت امرأة حسناء" وفي رواية: "وضيئة" وفي رواية: فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها" [وتنظر إليه] فأخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بذقن الفضل فحول وجهه من الشق الآخر".

والجواب: أن بعضهم قال إن هذا الحديث يدل على جواز كشف الوجه، ويجاب عليه بأن الحديث لم يرد فيه شئ يفيد أنها كانت كاشفة الوجه، وأما رواية أنها كانت "حسناء"، "وضيئة" فغايته أن المرأة عرفت بجمالها ووضاءتها فاشتهرت بذلك فإن النساء يصفن المرأة بشئ من الوصف والجمال فيتحدث عنه الرجال وهم لم يروها أو أن ابن عباس عرفها حال صغره، ويؤكد ذلك أن ابن عباس لم يحضر الحادثة وإنما يرويها عن أخيه فأصل الحديث "عن عبد الله بن عباس عن الفضل وكان رديف النبي عليه الصلاة والسلام.."

وقد جاء في الرواية أن الفضل كان ينظر إليها وتنظر إليه، والنظر منه ومنها لاحتمال عدم علمهما بالحكم الشرعي بدليل قوله: "فأخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بذقن الفضل فحول وجهه من الشق الآخر"، وهذا التحويل لا يعني بسبب أنها كاشفة الوجه لأنه لا دليل على ذلك، بل يعجب الشخص عن جهل للحكم أو لطبيعة ما حسن وجمال المرأة المحجبة من حيث قوامها وحسن قدها رغم أن وجهها غير مكشوف، ومما يقوي ما قلناه أن ابن عباس لم يذكر من نظر إليها من الناس غير الفضل رغم أنها تستفتي النبي عليه الصلاة والسلام في موطن يضج بالحجيج، وأيضاً أن هذا الحديث متردد بين أمرين الجواز وعدمه فصار في حكم المتشابه، فمن قال لا يفيد جواز كشف الوجه سلم من الفتنة، ومن قال يفيد الجواز وسلم من فتنة النظر فقد أوقع غيره في الفتنة وخصوصاً ضعاف وعوام المسلمين من الرجال والنساء، قال الله تعالى: "قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا ([12]) مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى ([13])لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ" ([14]).

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة – رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فالعينان زناهما النظر ([15])" ([16]).

ولذا فالذين جوزوا كشف الوجه حرموا النظر إلى النساء والعكس، وكما هو معلوم أن "الوسيلة إذا أدت إلى حرام فهي حرام" فالكشف وسيلة مؤدية لزنا النظر، ومؤدية أيضاً للفتنة، فإن كثيراً ممن يفتي بكشف الوجه يمنع ذلك عند الفتنة، ومنهم شيخنا الألباني رحمه الله.

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ( 11/ 8): "قال ابن بطال: في الحديث الأمر بغض البصر خشية الفتنة، ومقتضاه أنه إذا أمنت الفتنة لم يمتنع" اهـ

وكما لا يخفى على الجميع أن زمننا زمن الفتن العظام بسبب النظر.

وقد اتفق العلماء على وجوب سد أبواب الفتن عند ظهورها فلا حكمة لمن ينشر مذهب الجواز في عصر مليء بالفتن.

وأما قول بعض المشايخ وجه المرأة عورة فإنهم لا يقصدون بذلك السوءة وإنما القصد أنها معرضة لعوار الفتنة، وقولهم مأخوذ من الحديث الصحيح عن عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها ([17]) الشيطان"([18]).

ولا يعني ما تقدم ألا تفتح المرأة وجهها إذا أمنت الفتنة وكانت بعيدة عن أنظار الناس كأن تكون مع محرمها في سيارة حال سفر أو في بادية أو موضع تنزه لا رجال فيه أو زاوية من حديقة أو مطعم تعطي الناس ظهرها لتأكل وتشرب، فهذا ونحوه لا حرج فيه، وأيضاً لو كانت في طائرة أو باص مكتظ بالرجال وأرادت أن تأكل أو تشرب ولا مفر من كشف وجها فإنها تكشف ومن نظر لها فهو الآثم وليس هي، فإن الشريعة شريعة تيسير في هذا الباب، ولذا نصت القاعدة على أن: "المشقة تجلب التيسير" ومثل ذلك الكشف عند الطبيب الرجل لعلاج شئ في الوجه أو الجسد عند تعذر وجود طبيبة أو عند وجودها وكانت غير متقنة للتطبب أو غير مخلصة، وأيضاً لو كان الخمار يضر عينها بسبب حساسية أو ضعف نظر لا يمكنها من الرؤية، فلها أن تتنقب وتفتح عينيها لدفعاً للضرر، وفي الحديث الحسن لغيره من حديث ابن عباس وعبادة بن الصامت مرفوعًا: "لا ضرر ولا ضرار" ([19]أخرجه أحمد وابن ماجد وغيرهما، وبالله التوفيق.

 

([1])  سورة النور, الآية (31).

([2])  أمل.

([3])  بضم الدال من قدرت الشيء إذا نظرت فيه ودبرته أي انظروا وتأملوا أو من المقدار أي فاقدروا من الزمان قدر الجارية أي مقدار وقفة الجارية.

([4])  الصغيرة الشابة القريبة العهد بالصغر.

([5])  أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب النكاح, باب نظر المرأة إلى الحبش ونحوهم من غير ريبة(17/372 رقم 5236)], ومسلم في صحيحه [كتاب صلاة العيدين, باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد(5/472 رقم2100)] كلاهما من حديث أم المؤمنين عائشة.

([6])  أخرجه الترمذي في سننه [كتاب الأدب, باب ما جاء في احتجاب النساء من الرجال(10/ 376 رقم 3005)] من حديث أم سلمة, واسناده ضعيف كما تقدم في الأصل.

([7])  أي: متجللات متلففات.

([8])  أي: بأكسيتهن؛ واحدها مِرط بكسر الميم.

([9])  أخرجه البخاري في "صحيحه" [كتاب أبواب الصلاة في الثياب - باب في كم تصلي المرأة من الثياب (1/146 رقم 365)] ، ومسلم في "صحيحه" [كتاب المساجد ومواضع الصلاة -باب استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها وهو التغليس وبيان قدر القراءة فيها (1/445 رقم 645)].

([10])  أخرجه أبو داود في "سننه" [كتاب المناسك - باب في المحرمة تغطي وجهها (1/104 رقم 1835)] وأحمد في "المسند" (40/21 رقم 24021).

([11])  أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" [كتاب المناسك- باب إباحة تغطية المحرمة وجهها من الرجال (4/203 رقم 2690)]، والحاكم في "المستدرك" [أول كتاب المناسك (1/624 رقم 1668)].

([12])   ينقصوا من النظر بترك ما حرم النظر إليه.

([13])  أطهر.

([14])  سورة النور, الآية (30).

([15])  على قصد الشهوة فيما لا يحل له وهو حظهما ولذتهما، لأن النظر قد يجر إلى الزنا فتسمية مقدمة الزنا بالزنا مبالغة أو إطلاق للمسبب على السبب، أو هو نوع من الزنا لظاهر الحديث.

([16])  أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب القدر, باب قدر على ابن آدم حظه من الزنى وغيره(4 / 2046) رقم 2657 ] من حديث أبي هريرة.

([17])  زينها في نظر الرجال وقيل أي نظر إليها ليغويها ويغوى بها والأصل في الاستشراف رفع البصر للنظر إلى الشيء وبسط الكف فوق الحاجب.

([18])  أخرجه الترمذي في سننه [كتاب الرضاع, باب(18) (3/476 رقم 1173)] من حديث عبد الله بن مسعود.

([19])  أخرجه أحمد في مسنده [مسند بنى هاشم, مسند عبد الله بن العباس بن عبد المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم(1/313 رقم 2867)] من حديث ابن عباس.




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام