الأربعاء 15 ربيع الأول 1441 هـ || الموافق 13 نونبر 2019 م


قائمة الأقسام   ||    مختصر المنتقى من الفتاوى وزياداته    ||    عدد المشاهدات: 399

مراتب فقهاء الاسلام

بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني


س67: هل الفقهاء كلهم على وتيرة واحدة أم فيهم العالم الأكثر فقهاً ومن هو أقل منه في الفقه؟


ج67: لفقهاء الاسلام عدة مراتب، تسمى طبقات الفقهاء ففيهم العالم والأعلم حسب لقبه الفقهي العلمي، وقد حصرها بعض العلماء في أربعة مراتب, ومنهم من قال: خمس, ومنهم من قال: سبع, ومنهم من قال: عشر, والذي يظهر أن هذه المراتب ترجع في الأصل إلى خمسة مراتب:

المرتبة الأولى، الفقيه المجتهد المطلق: وهو العالم المتبحر في علوم الشريعة، والذي لا يتقيد بمذهب معين، وإنما يتقيد بما ترجح لديه من الحكم على ضوء الكتاب والسنة, فإذا عرضت عليه مسألة، وخصوصًاً إذا كانت من العوارض التي لا نص فيها، فإنه يجتهد ويحكم بما يراه راجحاً, ويعتبر هذا الفقيه المطلق في مقام من ترجع إليه الأمة في النوازل والملمات، فهو إمام عصره أو من أئمة العصر، لكونه إماماً في الفقه الإسلامي وأصوله وقواعده، وملماً في العلوم الأخرى كالتفسير والحديث وعلومه واللغة العربية وعلومها، وعموم العلوم الشرعية الأخرى؛ ومن كان قاصرًا في العلوم الشرعية لا يمكن أن يكون فقيهًا مطلقًا, ومن أمثال هذه المرتبة: شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله, فإنه وإن كان في بداية أمره قد تمذهب بالمذهب الحنبلي لكنه رحمه الله لم يأخذ بما قاله فقهاء الحنابلة في جميع المسائل، بل خالف في كثير منها وعمل بما ترجح لديه من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم, وأيضاً تلميذه ابن القيم، وكذلك شيخ الاسلام محمد بن إسماعيل الأمير الكحلاني الصنعاني، وشيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني الخولاني، وأيضًا في عصرنا الحديث سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز وسماحة الشيخ محمد بن صالح العثيمين وكذلك الشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحم الله الجميع، فهؤلاء وأمثالهم من أرباب المرتبة الأولى، وحق للواحد منهم أن يقال عنه فقيه مطلق, ويقابل الفقيه المطلق : الفقيه المقيد، وسيأتي بيانه بإذن الله قريباً.

المرتبة الثانية، الفقيه المستقل: وهو الذي جعل له قواعد خاصة به في زمن من الأزمنة، فكثر أتباعه، وصار فقهه ومسائله مدونة حتى نسبت المسائل إليه، وصارت مذهباً اشتهر بها, ومن أمثلة هذه المرتبة : الأئمة الأربعة كالإمام محمد بن إدريس الشافعي, والإمام مالك, والإمام أبي حنيفة, والإمام أحمد بن حنبل, وكذلك داود بن علي الظاهري، فقيل في مذهب الشافعي المذهب الشافعي, وفي مذهب أبي حنيفة المذهب الحنفي، وهكذا بقية المذاهب, وإن كانوا قبل نسبة المذهب لهم من أرباب المرتبة الأولى.

المرتبة الثالثة، الفقيه المقيد: وهو ذلك المتعلم الذي لا يفتي إلا بموجب المذهب، ولا يملك أن يرجح شيئًا؛ لأنه قد قيَّد نفسه بمذهب من مذاهب الإسلام كالمذهب الشافعي أو الحنفي أو الحنبلي أو المالكي, فينظر في المسائل الفقهية التي على المذهب ويفتي فيها بموجب ما في المذهب من الأصول والفروع, كالشيرازي وأبي نصر المروزي ومحمد بن خزيمة في المذهب الشافعي, وأيضًا كالسرخسي والطحاوي من الأحناف, وكأبي زيد القيرواني من المالكية, وكأبي يعلى القاضي في المذهب الحنبلي, وأصحاب هذه المرتبة من الأئمة أجلاء إلا أن التقيد بالمذهب معارض للدين ومعارض لأئمة المذاهب أجمعين، ويلزم كل عالم أن يفتي بما أمره الله ورسوله فلا مذهبية في الاسلام.

قال ابن تيمية: "ولِهذا قال غير واحد من الأئمة: "كل أحد من الناس يؤخذ من قوله، ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم".

وهؤلاء الأئمة الأربعة رضي الله عنهم قد نَهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولونه وذلك هو الواجب عليهم.

فقال أبو حنيفة: "هذا رأيي وهذا أحسن ما رأيت، فمن جاء برأي خير منه قبلناه".

ولهذا لما اجتمع أفضل أصحابه: أبو يوسف بمالك فسأله عن مسألة الصاع وصدقة الخضروات ومسألة الأجناس؟ فأخبره مالك بِما تدل عليه السنة في ذلك فقال: "رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله ولو رأى صاحبِي ما رأيت لرجع إلى قولك كما رجعت".

ومالك كان يقول: "إنما أنا بشر أصيب وأخطئ، فاعرضوا قولِي على الكتاب والسنة أو كلاماً هذا معناه".

والشافعي كان يقول: "إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط وإذا رأيت الحجة موضوعةً على الطريق فهي قولِي"،انتهى كلامه رحمه الله ([1]).

المرتبة الرابعة، المفتي: وهو الذي ينصبه ولي الأمر للفتوى، وقد يكون من قبل بعض أهل العلم في بلدة ما, والفتيا منصب عالي من مناصب الشريعة الإسلامية، ويعتبر المفتي من مراجع الدولة الإسلامية؛ لأنه يُنصب للفتي باعتبار أنه أهل لذلك, والمفتي لا يكون مطلقًا ولا مقيدًا ولا مستقلًا, وإنما يفتي على حسب الواقعة النازلة على ضوء الكتاب والسنة؛ لكنه قد يكون متاثرًا بالمذهب أو ببعض أقوال الفقيه المطلق, وأحيانًا يجتهد في المسألة إذا عرضت عليه ثم يخرج بالحكم الشرعي, وله ما ليس لغيره من حيث أنه يأني بالإفتاء حسب ما عرض عليه, وقد يكون له أعوان, يرجع إليهم ويباحث معهم بعض المسائل, وربما يكلف بعض طلاب العلم في بعض المسائل، وربما احتاج إلى طبيب شرعي أو بشري من أجل أن يسأله في بعض القضايا والأدوية العارضة من أجل أن يصدر فتواه بموجب ما يتبين له من ظاهر المسألة، ومما يُعاب اليوم على بعض ولاة الأمر أن ينصب مفتياً مقيداً بمذهب الدولة كالمذهب الحنفي مثلاً، وهذا تقييدٌ ما أنزل الله به من سلطان، فالفتيا حكم شرعي تخضع للكتاب والسنة ليس غير.

المرتبة الخامسة، مرتبة الفقيه: وهو كل عالم اهتم بدراسة الفقه ومسائله، وأفتى بها، سواء كان مفتياً كما في الطبقة الرابعة أو كان مطلقاً أو كان مقيداً أو مستقلاً، فهذه المرتبة تشمل كل المراتب الأربعة المتقدمة، وقد لا تشملها، وذلك إذا كان مجرد فقيه، مهتماً بدراسة الفقه ومسائله ويفتى بها.

ولهذه المراتب الخمس أهمية عظمى في حياة المسلمين، وأقلها أن يفرق المسلم بين أصحاب هذه المراتب.

ثم إن مرجع أصحاب هذه المراتب : هو الفقيه المطلق، فالمفتي يرجع له عند العوارض والشدائد إن وجد وعجز عن الافتاء, والمستقل في أصل أمره وبداية حاله أنه فقيه مطلق كما تقدم، لكنه تحول إلى فقيه مستقل بسبب أنه قد قعَّد قواعد خاصة، ووجد له أتباع أرشدوا الناس وطالبوا الناس بالاكتفاء بها وعدم النظر والاجتهاد في غيرها، والعمل بفروع ومسائل المذهب، وهذا وإن كان معيبًا إلا إنه قد وجد, فإن بعض الفقهاء ربما يطالب الأمة بالالتزام بمذهب الفقيه المستقل الفلاني باعتبار أنه يجوز التقليد، وهذا من الخطأ كما تقدم, وإنما لا بأس بالتقليد في بداية طلب العلم إلى أن يعلم طالب العلم الراجح والمرجوح ويعلم الأحكام على ضوء الكتاب والسنة, وحينها يجب عليه أن ينبذ التقليد، فالتقليد لا يأتي بخير, إلا أن يكون تقليدًا محمودًا كأن تقلد العالم في مسألة ورد فيها دليل، فيكون التقليد من باب أخذ القدوة وإلا فهو في الأصل اتباع لأدلة الكتاب والسنة لا لقول فلان من الناس طالما وفي المسألة دليل قام عليه الشرع الحكيم، وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.

 

([1])  انظر فتاوى ابن تيمية (20/210).




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام