الجمعة 17 ربيع الأول 1441 هـ || الموافق 15 نونبر 2019 م


قائمة الأقسام   ||    مختصر المنتقى من الفتاوى وزياداته    ||    عدد المشاهدات: 359

علامات الغفلة وآثارها

بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني


س77: ما هي علامات الغفلة؟ ثانيًا: كيف يمكن التوفيق بين حسن الظن بالله تعالى.. والخوف من مكره؟ فقد قال الله تعالى: "أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ"([1])، أو هذا ما يسمى بالرجاء والخوف؟؟ أرجو التوضيح.


ج77: الغفلة بمعنى السهو وترد في قاموس الشرع بسهو العبد عما أوجبه عليه الشرع وحببه إليه.

والغافل يرد في حق من شُغل عن الطاعة بفعل المعصية.

وكل من غفل وتناسى الشرع فهو على خطر عظيم.

قال تعالى: "لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ"([2]).

وهدد من يغفل عن شرعه فقال: "وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ"([3]).

وحذر جل شأنه من سبيل الغافلين فقال: "وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا"([4]).

وأما علاماتها في الشخص فكثيرة جدًا منها:

هجر تلاوة القرآن والعمل به، قال تعالى: "وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا"([5]).

الانشغال بزخارف الدنيا وملذاتها، وهذه علامة وقع فيها أكثر الخلق إلا من رحم الله، وصاحب هذه الخصلة على خطر عظيم، وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري– رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الدنيا حلوة خضرة, وإن الله مستخلفكم فيها, فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا, واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء" ([6]).

مجالسة أهل السوء، ولا يجالسهم إلا غافل عن طاعة ربه لأن السيء لا يزيد رفيقه إلا غفلة, وفي الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل صاحب المسك وكير ([7])  الحداد لا يعدمك من صاحب المسك إما تشتريه أو تجد ريحه وكير الحداد يحرق بدنك أو ثوبك أو تجد منه ريحا خبيثة ([8])" ([9]).

البعد عن ذكر الله، ومن ذلك عدم المحافظة على الأذكار والأوراد اليومية، ومن ذلك أيضاً من باب أولى الغفلة عن الصلوات في المساجد في جماعة، قال تعالى: "وَمَن يَعْشُ عن ذكر الرحمنِ ([10]) نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ([11])" ([12]). وقال جل ذكره: "إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ ([13]) مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ([14])"([15])

قلة تذكر الموت وعدم زيارة المقابر ففي زيارتها دحض للغفلة، وفي صحيح مسلم عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها"([16]). وفي رواية" فإنها تذكركم الآخرة"([17]).

فهذه أشهر علامات الشخص الغافل، وللغفلة في الشخص آثار كثيرة منها:

ضنك العيش مع توفر المال أو الجاه أو السلطان لبعده عن طاعة ربه وإعراضه عن كثير من أحكام الشرع. قال تعالى: "وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى"([18]).

كثرة التضجر وضيق الصدر لبعده عن الأذكار والأوراد الشرعية، قال تعالى: "أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ"([19]).

قلة النور في الوجه، لأن نور الوجه دليل التيقظ والانتباه وغيابه علامة الغفلة، قال تعالى: "سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ"([20]).

عدم اتزانه في الأمور المختلفة فتجده مع الريح إن هبت انجرف معها فلا يهدأ له بال ولا يستقيم له حال، كما قال تعالى: "وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث"([21]).

عدم مبالاته بالمعاصي من خلال مجاهرته, فمن جاهر بالمعاصي فذاك دليل غفلته، وفي الصحيحين عن أبي هريرة – رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "كل أمتي معافى إلا المجاهرين", ثم قال: "وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه"([22]).

هذه أشهر علامات الغفلة وآثارها, نسأل الله أن يبعد عنا سبيل الغاوين.

أما التوفيق بين حسن الظن بالله تعالى والخوف من مكره وهو ما يسمى بالجمع بين الخوف والرجاء فالجواب: أن يرجو العبد ربه في مواطن الرجاء التي شرعها الشرع مع إحسان الظن بالله في كونه سبحانه يتقبل الطاعة من عباده المتقين كما قال جل ذكره: "إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ"([23]).

مع لزوم الخوف من الله وحده وعدم الاطمئنان والركون إلى العمل الصالح الذي يعمله الشخص، فإن من اتكل على عمله وركن إليه في كونه يوصله إلى الجنة فقد أمن مكر الله وابتلاءه لعبده.

ولذا حذر نبينا عليه الصلاة والسلام من الاتكال كما في الصحيحين من حديث معاذ رضي الله عنه قال: "كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار يقال له عفير فقال: "يا معاذ هل تدري حق الله على عباده وما حق العباد على الله" قلت: الله ورسوله أعلم قال: "فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا" فقلت: يا رسول الله أفلا أبشر به الناس قال: "لا تبشرهم فيتكلوا"([24]).

فكل من أحسن الظن بالله ومال إلى المعاصي بحجة أن الله غفور رحيم فقد عظم رجاؤه، وقل خوفه فهذا أمن مكر الله فهو في خسارة لأنه سبحانه أيضًا شديد العقاب فما يدري العبد العاصي أنه ممن غفر الله لهم؟!!

وكل من خاف من عقاب الله وأحسن الظن به ورجا رحمته بما يعمله من الأعمال الصالحة فقد جمع بين الخوف والرجاء والله لا يضيع عبده لأن عبادة النبي عليه الصلاة والسلام جمعت بين الخوف والرجاء.

أما ترى أنه في مواطن يحذر أن يغتر الرجل بعمله وفي أخرى يرغب ويدعو الأمة إلى أن تنتظر رحمته وعفوه بقليل العمل.

فتراه يقول: "فسددوا ([25]) وقاربوا ([26]) واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله" قالوا: يا رسول الله ولا أنت قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني ([27])  الله برحمة منه وفضل"([28]) .

وفي حديث آخر يقول: "من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه ([29])وإن كانت ([30])مثل زبَد البحر ([31])"([32]).

فكل هذه الأدلة ونحوها تؤكد أنه يلزم المسلم أن يرجو ربه ويحسن الظن به وفي الوقت نفسه يخافه ولا يأمن مكره خشية أن يغتر بعمله ويوقن أنه من أهل الجنة لا محالة فيبتليه ربه فيكون من أهل النار.

وحاصل ذلك: أنه لابد من خوف من عقاب الله ورجاء لما هو عنده سبحانه، فمن رجا ولم يخف أمن مكره وعرض نفسه للفتن والابتلاءات, ومن خاف ولم يرج رحمته عرض نفسه للتهلكة؛ وبالله التوفيق.

 

([1])  سورة الأعراف, الآية (99).

([2])  سورة ق, الآية (22).

([3])  سورة النمل, الآية (93).

([4])  سورة الكهف, الآية (28).

([5])  سورة الفرقان, الآية (30).

([6])  أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار, باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء وبيان الفتنة بالنساء(4/2098 رقم 2742)] من حديث أبي سعيد الخدري.

([7])  كِير الحديد: البناء من الطين أو نحوه الذي يُحْمى فيه الحديد، أو نحوه يستخدمه الحداد وغيره للنفخ في النار لإشعالها) قيل سمي به مجازًا لمجاورته البناء الذي ينفخ فيه وهو الكير ولأنه سبب حياة النار فجازت إضافتها وما يتعلق بها إليه, وقيل: الكير الزق والكُور من الطين, والجمع أكيار وكيرة.

([8])  بدخانه.

([9])  أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب البيوع, باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع ومن طلب حقا فليطلبه في عفاف(2/741 رقم 1995)], ومسلم في صحيحه [كتاب البر والصلة والآداب, باب استحباب مجالسة الصالحين ومجانبة قرناء السوء(4/2026 رقم 2628)] كلاهما من حديث أبي موسى.

([10])  يعرض عنه ويصد ولا يتأمله ويتدبره.

([11])  يوسوس له ويغويه ويدفعه ويتعرض له بما يضره دائمًا, والقرين: الملازم والمصاحب.

([12])  سورة الزخرف, الآية (36).

([13])  وسوسة أو هم أو غضب أو ذنب أو غير ذلك من أذاه.

([14])  تذكروا وفعلوا ما يطيعون به الله.

([15])  سورة الأعراف, الآية (201).

([16])  أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب الجنائز, باب استئزان النبي صلى الله صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل في زيارة قبر أمه(2/672 رقم 977)] من حديث بريدة.

([17])  أخرجه أحمد في مسنده [مسند العشرة المبشرين بالجنة, مسند علي بن أبي طالب رضي الله عنه(1/145 رقم 1235)] من حديث علي بن أبي طالب .

([18])  سورة طه, الآية (124).

([19])  سورة الزمر, الآية (22).

([20])  سورة الفتح, الآية (29).

([21])  سورة الأعراف, الآية (176).

([22])  أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الأدب, باب ستر المؤمن على نفسه (5/2254 رقم 5721)], ومسلم في صحيحه [كتاب الزهد والرقائق, باب النهي عن هتك الإنسان ستر نفسه(4/291 رقم 2990)] كلاهما من حديث أبي هريرة.

([23])  سورة المائدة, الآية (27).

([24])  أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الجهاد والسير , باب اسم الفرس والحمار(3/1049 رقم 2701)], ومسلم في صحيحه [كتاب الإيمان, باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا(1/58 رقم 30)] كلاهما من حديث معاذ بن جبل.

([25])  اطلبوا السداد أي الصواب أو بالغوا في التصويب من سدد الرجل إذا صار ذا سداد وسد في رميته إذا بالغ في تصويبها وإصابتها.

([26])  أقربوا منه.

([27])  غمره بها وستره بها وألبسه رحمته وإذا اشتملت على شيء فغطيته فقد تغمدته أي صرت له كالغمد للسيف.

([28])  أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب صفات المنافقين وأحكامهم, باب لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله تعالى(4/2169 رقم2816)] من حديث أبي هريرة.

([29])  الصغيرة من الذنب، هكذا خصها علماء.

([30])  في الكثرة(مبالغة فالزبد أكثر من المائة) أو الكيف.

([31])  ما يعلو على وجهه عند هيجانه , وما يعلو الماء وغيره من الرغوة .

([32])  أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الدعوات, باب فضل التسبيح(5/2352 رقم 6042)], ومسلم في صحيحه [كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار, باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء(4/2071 رقم 2691)] كلاهما من حديث أبي هريرة.




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام