الأربعاء 25 جمادى الآخرة 1441 هـ || الموافق 19 فبراير 2020 م


قائمة الأقسام   ||    دراسات شرعية واقعية في الديمقراطية وأصول الاحزاب    ||    عدد المشاهدات: 378

ديمقراطية الأمن والعدالة والحرية في أمريكا

الواقع المظلم

( ضمن موضوع دراسات شرعية واقعية في الديمقراطية وأصول الأحزاب السياسية)

الحلقة (13)

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني

 

الأمن والعدالة والحرية في النظام الديمقراطي المزعوم غير الأمن والعدالة والحرية في واقع أمريكا، وسنعرف ذلك من خلال ثلاثة محاور :

المحور الأول غياب وضعف الأمن في أمريكا، ويتلخص فيما يلي:

أولاً ضعف الأمن في بعض المدن الأمريكية المشهورة عالمياً بجرائم القتل والابتزاز والسرقات والاغتصاب ونحوها من الجرائم على مرأى ومسمع من الدولة، فلا تتدخل الدولة إلا بين الحين و الآخر بعد وقوع الجرائم، وبعضها يتم إهمالها وعدم متابعتها، وخصوصاً أن الذين يقومون بهذه الجرائم مجموعة عصابات المافيا، وهي عصابات يقودها قادة مشهورون ومعروفون لدى الاستخبارات والجهات الأمنية، ومن أشهر هذه المدن التي تقطنها هذه العصابات : مدينة ” ديترويت” في ولاية ميشيغان، و”سانت لويس” في ولاية ميزوري، ومدينة “أوكلاند”و”ستوكتون” وهما مدينتان في ولاية كاليفورنيا، و”ممفيس” في ولاية تينيسي، و” برمنغهام” في ولاية الأباما، و” اتلانتا” في ولاية جورجيا، و” بالتيمور” في ولاية ماري، و”كليفيلاند” في ولاية أوهايو، و”بوفالو” في ولاية نيويورك، وهذه المدن شُهرت بأخطر المدن الأمريكية في الجريمة والابتزاز والسرقات والاغتصاب والمخدرات ونحوها، وهي مهمشة أمنياً تهميشاً شبه متعمد من الدولة الأمريكية، ويذكر بعض المؤرخين والمحللين الأمريكان أن الدولة تعمدت بقاء هذه المدن على ما هي عليه لتعمل تكافأ وتوازناً بين الشعب، حتى اشتهر بين الأمريكان أن من سرقت سيارته اتصل بالجهات الرسمية بهذه المدن لأنها المدن المشهورة بالسرقات والجرائم.

فأي أمن هذا الذي ينافي الديمقراطية المحبرة بالحبر الأسود؟!!

ثم لا تخلو بقية المدن في الولايات الأخرى من ضعف وتقصير الأمن، فالمافيا وجرائمها منتشرة في مدن نيويورك وشيكاجو، وكانت ولاية كولورادو ولا زالت تَعُج بالعصابات.

وكم سمعنا عن عصابات مدينة كانساس على مستويات دخلها عن طريق ابتزاز أصحاب البارات التي تعمل في المدينة، وكذا في لاس فيجاس، بل أن عميل المافيا ” سكارفو” أمر بقتل ثلاثين من رجاله، وأدخل العصابة في مجال تهريب المخدرات، وهذا يدل على عظم هذه العصابات وتقصير الدوائر الأمنية في القضاء عليها.

يقول شخص أمريكي في صوت له مسجل: الأمان في أمريكا حسب المناطق، وهذا من زمان حتى الآن، فهناك مدن إذا ذهبت لها تخاف أن يوقفك أحد في الطريق فيسرق سيارتك أو ينتهك عرض محارمك لو معك نساء أو يقتلك، ويقال إن الحكومة الأمريكية -كما يقول بعضهم- خصصت هذه المناطق بعدم الأمان لأجل يكون هناك توازن في المجتمع، فتدخل مناطق فتقول لا يوجد أسوأ منها ثم تذهب لغيرها فتجد ما هو أسوأ، بسبب كثرة انتشار المخدرات والقتل والاغتصاب والدعارة، حتى صار الأمر معروفاً لدى المجتمع الأمريكي والدولة، وأيضاً إذا سًرِقت سيارة أحدٍ من الناس ذهب إلى هذه الأماكن ليبحث عنها لكونها مناطق مشهورة بسرقة السيارات، وهناك مافيات مخيفة من المافيات الإيطالية واليونانية والكردية، وهناك العصابات الحكومية وتسمى بالعصابات القانونية وهم عبارة عن عصابات شرطة تعمل بالدولة، ويعملون لمصالحهم الخاصة ولهم رئيس، وهؤلاء الشرطة القانونيون يسرقون بطرق قانونية ويبيعون المخدرات من تاجر لأخر، وقد يسرقون مال المخدرات ويقتسمونه بينهم، وهناك حالات قد تقع تحت المساءلة القانونية لكنهم قليل من كثير، مثل ” مير ” رئيس بلدية بأمريكا تم القبض عليه بسبب رشاوي وبسبب علاقته بمثل هذه العصابات، والآن هو مسجون لكنه واحد من ملايين يعملون عمله السيء ويستلمون رشاوي، ومع ذلك لم تحاسبهم الحكومة الأمريكية”.اهـ

ثانياً: غياب الأمن في القضايا الاستخبارية.

هناك جهات استخبارية وأمنية تحبس وتعذب وتقتل بعض العناصر والشخصيات في أمريكا من غير محاسبة ولا محاكمة، وأمثلتها كثيرة، ومن أشهر الأمثلة ما ذكرته في مقال: ” الديمقراطية والرئيس الأمريكي المنتخب”، حيث ذكرت قضية مقتل الرئيس الأمريكي “جون كينيدي” المتهم بحبه للعرب، وكان قتله على الملأ، أثناء سير موكبه الرئاسي في شوارع دالاس، بتكساس على يد الفني الأمريكي للرادار في المارينز” لي هارفي أوسولد ” بثلاث رصاصات متفرقة، ثم فر بسهولة عن أنظار الناس، ولما علم بأن الرئيس ما زال على قيد الحياة وأنه ثم نقله إلى مستشفى “باركلاند” تبعه في ظل تعتيم أمني استخباراتي غامض، وبعد يومين فجأة جاء الخبر أن : ” جاك روبي ” وهو رجل مستأجر من يهود المافيا بأمريكا والمعروف لدى الجهات الأمنية” قتل ” لي هارفي اوسولد”، ثم فجأة بعدها جاء خبر وفاة ” جاك روبي ” بسرطان الرئة.

لقد كانت مسرحية منظمة لقتل أقوى وأذكى شخصية رئاسية أمريكية، في ظل وجود الأمن والمباحث والاستخبارات والمحاكم الأمريكية، لتطالعنا الصحف الأمريكية الحرة بأن: ” وكالة المخابرات الأمريكية سي.آي.إيه (CIA)” هي من تولت مهمة اغتياله.

المحور الثاني غياب العدل في أمريكا، ويتلخص فيما يلي:

أولاً: عامة القضاة الأمريكان مشهورون باستلام الرشاوي، فالعدل في أمريكا خاص بالأثرياء فمن يدفع أكثر يصدر الحكم لصالحه ولو كان مبطلاً، ولعلكم سمعتم برشاوي الرئيس السابق الثري ” بيل كلنتون” مؤخراً وكذا رشاوي “هيلاري”، والتي ضجت بها الصحف الأمريكية وصدرت الأحكام كلها لصالحهما بسبب الرشوة دون أن تعمل الدولة أي حل لمعضلة الرشاوي.

ثانياً: عامة القضاة عنصريون ضد المسلمين والعرب والسود وضد الهنود الحمر.

اتصلت منذ أيام بأحد أصدقائي العرب المولود والمتجنس بالجنسية الأمريكية، وقال لي بأنه من عام 2006م حتى اليوم 2017م يتابع قضية ضم ابنته له لأنه متزوج أمريكية ومعه منها بنت، وقال رغم أن المواد القانونية معي ولصالحي إلا أن القاضي ضدي ويحكم ضدي لأني مسلم، فقلت له اطعن في حكم القاضي واستأنف فقال: لو رفعتها للقاضي الفدرالي فأحتاج حوالي خمسين ألف دولار أتعاب ومحاماة، وقد يكون القاضي الفدرالي عنصرياً فأخسر القضية أيضاً.

فقلت له وأين العدل الذي نسمعه بأمريكا فقال: لا يوجد عدل إلا في أمور عادية وبسيطة، وأحياناً قد يحلون قضية كبيرة من بين ألف قضية ويتبجحون بها عبر وسائل الإعلام كما حصل في قضية المدرسة الإسلامية التي رفض الوالي منحهم ترخيصاً لها فخسروا الكثير ودفعوا مبالغ طائلة للمحاميين حتى عوضتهم الدولة بعشرين مليون دولار، ومنها قضية والي مرتشي كثرت منه الشكاوي فسجنوه واشتهرت قضيته، لكن هذا نادر فالقضاة والولاة بأمريكا كلهم أهل رشوة وظلم والدولة تعلم وللأسف لا تعاقبهم ولا تحاكمهم.

المحور الثالث: القضاء على الشعب الأمريكي بسبب الحريات المطلقة التي تتصادم مع الفطرة والعقل والأديان:

فالديمقراطية نظام الحرية الإباحية المطلقة غير المنضبطة مما جعل أمريكا تعيش في وحل الظلام والضياع، فكل ساعة – كما جاء في تقارير المراقبة بأمريكا – يموت شخص بأمريكا بسبب سائق مخمور، وخمسون ألف قتيل يموت بأمريكا سنوياً بسبب التدخين، وأربعة آلاف مراهق يومياً ينضم لتعداد المدخنين، و40% من مواليد أمريكا من نساء غير متزوجات، والانتحار في أمريكا أكثر من القتل، وأكبر نسبة اغتصاب للأطفال والفتيات في العالم بأمريكا، وواحد من كل خمسة وعشرين مراهقاً أمريكياً حاول الانتحار، وثمانية وأربعين حالة طلاق كل ساعة بسبب الصداقات والعشق وإباحة الزنا والشذوذ الجنسي.

ولذا يمر الشعب الأمريكي في حالة تفكك اجتماعي كبير بسبب بعدهم عن ثلاثة أمور وهي: الدين الصحيح والقيم والأخلاق لأن الدولة تحارب هذه الأمور الثلاثة، فنتج عن ذلك ثلاثة نتائج وهي : الهزيمة النفسية واليأس من الحياة وهاتان النتيجتان واقعتان في الشعب الأمريكي بسبب الحريات المنافية للعقل والفطرة والدين، ثم النتيجة الثالثة وهي: الانهيار، فأمريكا وشعبها اليوم في مستنقع الانهيار الذي أوشك أن يقضي على أمريكا وشعبها، لأنها بلغت ذروة الطغيان والانحلال والظلم والفساد الإداري والأخلاقي.

يقول ليو شتراوس: “الديموقراطية القائلة بالمساواة بين البشر وبنسبية القيم لا ينتج عنها سوى ثقافة جماهيرية منحلة”.

وهذا هو واقع الديمقراطية التي أفسدت الشعب الأمريكي بالإباحية والرذيلة، بل أفسدت شعوب العالم.

وفق الله الجميع لطاعته وألهمهم رشدهم.


أهم المصادر:

1-كوكبرن و جيفرى سانت كلير – كتاب التحالف الاسود – وكالة المخابرات الامريكية والمخدرات والصحافة.

2-هنري أ. كرامبتون – كتاب فن التجسّس الجهاز الخفي لوكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية(السي آي ايه).

3- أكسيس دي توكفيل – كتاب الديمقراطية في أمريكا – تلخيص وتعليق: عبد الله الهرامة

4- د. رأفت غنيمي – كتاب أمريكا والعالم في التاريخ الحديث والمعاصر- طبعة عين للدراسات والبحوث الإنسانية.

5-جاي باريني – ارض الميعاد – ثلاثة عشر كتابا غيرت امريكا – الدار الدولية باللغتين العربية والانجليزية.

6-مجموع صحف ومجلات ومواقع عربية وأجنبية




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام