الجمعة 17 ربيع الأول 1441 هـ || الموافق 15 نونبر 2019 م


قائمة الأقسام   ||    مختصر المنتقى من الفتاوى وزياداته    ||    عدد المشاهدات: 349

حكم وضع المال في الحساب البنكي وحكم أخذ العائدات البنكية

بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني


س81: ما حكم وضع المال في البنك في حساب التوفير، وما حكم أخذ العائدات البنكية؟


ج81: يجوز عند الضرورة وضع المال في البنك إذا خيف عليه من السرقة سواء كان الحساب جاريًا أو للتوفير بشرط ألا تأخذ على إيداعه ربا، وهو ما يسمونه "فوائد أو عوائد بنكية"، ومعنى ذلك أنك إذا خشيت على مالك من السرقة بسبب عدم وجود المكان الآمن في البيت أو مكان عملك أو أي مكان آخر فلا بأس دفعًا لهذه المفسدة، فالايداع للضرورة ولا حرج منه، وقد قيَّد الفقهاء الضرورة بأنْ تقدر بقدرها بمعنى لو وجدت مستقبلًا مكانًا آمنًا يحفظ لك هذا المال فقد انتفت الضرورة ولزمك إخراجه من البنك إلى المكان الآمن، وقد سألني البعض عن بعض المبالغ الربوية التي يجدونها في حساباتهم من غير طلبها، وكنت يومها في سلطنة عمان وأخبرني أحد العمانيين أنه وجد مبالغ كبيرة من الربا في حساب المؤسسة بسبب كثرة المبيعات والايداعات اليومية، وقال لو أبقيتها لهم لأكلوها ربا وصرت داعماً للحرام، ولو أخذتها صرت ممن يأخذ الربا، فما الحل؟، وقد أجبته حينها بجواب قبل 14 سنة وطبع في المجلد الثاني من كتابي "المنتقى من الفتاوى" وحاصله أن الربا على جميع الأحوال محرم في جميع الأديان، وأن هذه المبالغ الزائدة التي تضاف على مبالغ الايداع ربا محض وليست فوائد مباحة، وآخذها وآكلها وموكلها ملعون لما أخرجه مسلم عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله"([1]).

كما يعتبر من الكبائر لقول النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اجتنبوا ([2])   السبع الموبقات ([3]) " قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: "الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي ([4])  يوم الزحف ([5])  وقذف ([6])  المحصنات ([7])  المؤمنات الغافلات ([8])"([9]).

فعلى المسلم الحذر من ذلك واجتناب ما حرم الله وإلا كان محارباً لله ورسوله كما قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ ([10])  مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ ([11])  بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ"([12])، ثم اعلم أن أقل أبواب الربا إثماً عند الله كأن يزني الابن بأمه والعياذ بالله؛ فقد جاء في سنن ابن ماجه وغيره، والحديث حسن، عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: الرِّبَا سَبْعُونَ حُوبًا ([13]) أَيْسَرُهَا أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ ([14])، لكن بناء على أخف الضررين إن تيقن صاحب الحساب أن موظفي البنك سيأكلونها أو أن بقاءها بأيديهم يقوي ويشجع هذه البنوك الربوية، فله أن يستلمها مع الانكار القلبي ثم يصرفها في غير المطعم والمشرب والملبس والمسكن، ولا يتصدق بها فليست مالاً حلالاً ولا طيباً لما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا}، وقال تعالى : {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم}، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمدّ يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذّي بالحرام، فأنّى يُستجاب له؟" لكنه يتخلص من هذا المال الربوي بجعله في مصالح عامة مثل اصلاح مجاري المساجد ومجاري بيوت المحتاجين ومثل اصلاح الطرقات العامة ونحوها، وليس له أجر لأنه ليس ماله، لكن نرجو أن تكون ذمته قد برئت بهذا الفعل، وهكذا الشريعة الاسلامية قائمة على قاعدة "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح»، وكذا قاعدة: "ارتكاب أخف الضررين للتخلص من أشدهما"، ومما لا يخفى أن الشريعة الإسلامية بكل أحكامها وأوامرها ونواهيها جاءت لتحقيق المصالح للعباد وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها، ولو كان في هذه الشريعة شيء خلاف المصلحة، لم يصح وصفها بأنها شريعة سمحة مطهرة، وبعض العلماء قال: يترك الربا للبنك وعلى أصحاب البنك اثميته، لكن الأظهر القول الأول، والله أعلى وأعلم وأعز وأكرم، وبالله التوفيق.

 

([1])  أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب المساقاة, باب لعن آكل الربا ومؤكله ( 3/1219 رقم 1598)] من حديث جابر بن عبد الله.

([2])  أبعدوا عن.

([3])  المهلكات، جمع موبقة وهي الخصلة المهلكة أو المراد الكبيرة.

([4])  الإدبار من وجوه الكفار.

([5])  وقت ازدحام الطائفتين بغير عذر, الزحف: الجيش الدهم سمي به لكثرته وثقل حركته يرى كأنه يزحف زحفًا أي يدب دبيبًا.

([6])  الرمي البعيد استعير للشتم والعيب والبهتان.

([7])  بفتح الصاد المحفوظات من الزنا وبكسرها الحافظات فروجهن منه.

([8])  عن الفواحش وما قذفهن به فهو كناية عن البريئات.

([9])  أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الوصايا, باب قول الله تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون (3/1017رقم2615 )], ومسلم في صحيحه [كتاب الإيمان, باب بيان الكبائر وأكبرها (1/92 رقم89 )] كلاهما من حديث أبي هريرة.

([10])  اتركوا.

([11])  اعلموا بأنكم ستجازون.

([12])  سورة البقرة, الآية (279).

([13])  إثمًا عظيمًا, أو نوعًا من الإثم.

([14])  أخرجه ابن ماجه في سننه [كتاب التجارات- بَاب التَّغْلِيظِ فِي الرِّبَا (3/ 596 رقم 2274)] عن أبي هريرة – رضي الله عنه – مرفوعًا.




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام