الإثنين 13 ربيع الأول 1441 هـ || الموافق 11 نونبر 2019 م


قائمة الأقسام   ||    مختصر المنتقى من الفتاوى وزياداته    ||    عدد المشاهدات: 356

ما حكم زواج المسيار؟

بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني


س83: ما حكم زاوج المسيار؟


ج83: زواج المسيار ويُسمى أيضاً "زواج الإيثار": هو نوع من الزواج الذي يتم فيه رضا الزوجين وشرطا ولي الأمر وشاهدي العدل مع موافقة الزوجة على التنازل عن بعض حقوقها الشرعية مثل السكن والمبيت والنفقة، وقبل أن أتكلم عن حكمه، أقول: الرجل لا يتقدم للنكاح إلا وهو يُبَيِّتُ في قلبه نية من ثلاث نوايا:

إما أن يتقدم للنكاح بنية أن يبقى معها فترة معينة كشهر أو شهرين ونحوها يتلذذ بنكاحها، فإذا انتهت الفترة طلقها فهذا نكاح المتعة وهو محرم لما أخرجه مسلم من حديث الربيع بن سبرة الجهني أن أباه حدثه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا أيها الناس إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا"([1]).

وإما أن ينكحها بنية البقاء معها ولا ينوي في نفسه طلاقها إلا أن يجد ما يدفع للطلاق وهذا هو النكاح الشرعي الذي دعا إليه الإسلام ونزل فيه قوله تعالى: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"([2]).

وإما أن ينكحها بنية أن يستفيد منها مالًا أو جاهًا أو شيئًا من أمور الدنيا الفانية فإذا حصل على ذلك المراد طلقها وهذا حرام وهو من الغش المحض وفي الحديث الصحيح كما في صحيح مسلم: "من غشنا فليس منا"([3]).

ولا شك أن المسيار ليس نوعاً من هذه الأنواع الثلاثة وإن كان في صورته أقرب للشرع لكنه لا يخلو من ظلم المرأة وبخس حقوقها، ولا ننصح به خوفاً من العاقبة الوخيمة، ولذا أقول إذا تمت شروط الزواج الشرعي فيه فهو في الجملة صحيح، لتوفر شروطه وهما وجود الولي وشاهدا العدل للحديث الحسن: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل"([4]).

لكن الناكح في هذه الحالة يكون آثمًا لوجود الظلم فيه لهذه المرأة وخاصة إذا اشترط عليها التنازل عن بعض حقوقها الشرعية مثل السكن والمبيت والنفقة ونحوها.

بخلاف النوع الأول أعني زواج المتعة فهو نكاح فاسد وحكمه حكم الزنا، نسأل الله العفو والعافية.

وزواج المسيار يختلف تمامًا عن هذه الأنواع الثلاثة كلها، لكنه قسمان جائز في الجملة، ومحرم.

فالجائز في الجملة: أن تقول المرأة من ذات نفسها من غير ان يشترط عليها الناكح أقبل بنكاح الرجل المسلم إن جاءني وأتنازل له عن النفقة والسكنى وحق العشرة إلا متى أراد.

فهذا من الجائز متى ما استوفت فيه شروط النكاح الشرعي الآنف ذكرها، وقولي "جائز في الجملة" لأنه وإن استوفى الشروط فهو زواج سر لا إشهار فيه ولا إعلان بل قد يكون له ابناء منها فيظلمون وهو حي لكونه غالبا مع الزوجة الاولى، وقد يموت ولا تعرف زوجة المسيار قرابته لترث ميراثها وميراث ابنائها الشرعي منه إلا ما شاء الله، ثم اغلب من يتزوج زواج المسيار لا يرضاه لأخته ولا لبنته ولا لقريبته لكنه يرضاه لبنات الناس، ومن دخل هذا الباب ما خرج منه بل يفتتن كما عهدناه بالتجربة إلا من شاء الله.

واتماما لما سبق اقول: دليل تنازل المرأة عن حقوقها ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تبتغي بذلك رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم ([5]).

وهذا الدليل وإن كان بعد الزواج لكن فيه أن المرأة قد تتنازل عن بعض حقها باختيارها غير المشروط.

والمحرم: أن يشترط الناكح على المرأة أن يحرمها من السكنى والنفقة أو العشرة المقررة شرعاً أو أن يشترط عليها أن يغيب عنها فترة طويلة وتبقى عند أقاربها ونحو ذلك، فهذا نكاح لا يجوز لأنه حرمها حقوقًا شرعها الله لها في كتابه وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام.

حيث اشترط الناكح فيه شروطًا ما أنزل الله بها من سلطان والنبي عليه الصلاة والسلام يقول كما في الصحيحين: "ما بال أقوام يشترطون شروطا ليس في كتاب الله من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له وإن اشترط مائة مرة"([6]).

أما حديث: "المسلمون عند شروطهم"([7]) فيقيد بالشرط الذي أجازه الشرع ليس غير للحديث السابق, فلا ينبغي إطلاق القول بجواز زواج المسيار بل يلزم التفصيل وبسط المسألة بأدلتها الشرعية؛ وعامة من يتزوج اليوم زواج المسيار لا يوفي الحقوق فيظلم ويغش المرأة، وهذا حرام، وعلى المسلم أن يلتزم بالزواج الشرعي المستوفي للشروط والذي لا ظلم فيه، فكم من النساء تزوجن المسيار وظلمن ظلماً كثيراً ثم طلقن، وكم من النساء فسدن بسببه، وكم من النساء الفاسدات يتزوجنَ من أجل التكسب المادي فتتزوج الرجل شهراً ثم تتطلق منه وتبحث عن غيره، وهكذا تتزوج أكثر من شخص فتضيع بنفسها مستقبلها الدنيوي والأخروي وكأنها بلا عفة، ومن الرجال من يتزوج بزواج المسيار لأجل الشهوة والمتعة غير مبالٍ بأحكام الشرع وضوابطه حتى صار منه ما هو أقرب للمتعة، فالحذر الحذر ، وعلى المأذونين ممن يعقد مثل هذا النوع من النكاح أن يبتعدوا عن عقده.

وللأسف كم من المأذونين من لا هم له إلا المال رغم قرارة نفسه في مواطن كثيرة أن الناكح إنما أراد التلاعب بالشرع ولم يقصد به التعفف، وقد أخبرني شخص عن صديق له في إحدى الدول العربية: أنه أراد أن يتزوج زواج المسيار فاتصل بأحد المأذونين فقابله ثم أدخل عليه مجموعة من النساء مع بعض في آن واحد ليختار منهن واحدة فغضب المتقدم للنكاح على المأذون وقال له: صنيعك هذا لا يحل وهو من الافساد، وهذه النساء غير محترمات فالنظرة إنما تحل في بيت المرأة بوجود أقاربها لا في بيتك، فإذا صحت هذه القصة، فإن هذا وبال عظيم، ولا خير في أمة فيها مثل هذا الصنف من المأذونين، ويلزم تبليغ الجهات المختصة عن هذا المأذون لينال جزاءه.

ثم إن على ولاة الأمر والحكومات الاسلامية أن يشجعوا على التعدد الشرعي ويدعموه ويشجعوا كل من أراد أن يعدد بشرط العدل بين الزوجات، مع تزويج الشباب ممن لا يجدون تكاليف المهور كي يعالجوا بهذه الطرق الفساد الذي انتشر والعنوسة التي عمت البلدان العربية والاسلامية، فإنهم مسؤولون عن شعوبهم ورعاياهم لا محالة كما قال تعالى: "وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ"([8]).

وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته الإمام راع ومسؤول عن رعيته والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته" ([9])؛ وبالله التوفيق.

 

([1])  أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب النكاح, باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ ثم أبيح ثم نسخ واستقر تحريمه إلى يوم القيامة(2/1022 رقم 1406)] من حديث سبرة الجهني.

([2])  سورة الروم, الآية (21).

([3])  أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب الإيمان, باب قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من غشنا فليس منا(1/99 رقم 101)] من حديث أبي هريرة.

([4])  أخرجه البيهقي في سننه [كتاب النكاح, باب لا نكاح إلا بشاهدين عدلين(2/478 رقم 14088)] من حديث أم المؤمنين عائشة، كما ورد الحديث عن أبي موسى الأشعري وابن عباس وأبي هريرة، وقد أخرجه أيضاً الخمسة إلا النسائى.

([5])  أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الهبة وفضلها, باب هبة المرأة لغير زوجها وعتقها إذا كان لها زوج فهو جائز إذا لم تكن سفيهة فإذا كانت سفيهة لم يجز(2/916 رقم 2453)] من حديث أم المؤمنين عائشة.

([6])  أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب العتق, باب ما يجوز من شروط المكاتب ومن اشترط شرطا ليس في كتاب الله(2/903 رقم 2422)], ومسلم في صحيحه [كتاب العتق, باب إنما الولاء لمن أعتق(2/1141 رقم1504)] كلاهما من حديث أم المؤمنين عائشة.

([7])  أخرجه البيهقي في سننه الكبرى [كتاب الصداق, باب الشروط في النكاح(7 /249 رقم 14213)] من حديث عائشة وأنس بن مالك.

([8])  سورة الصافات, الآية (24).

([9])  أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الجمعة, باب الجمعة في القرى والمدن(1 / 304 رقم 853)], ومسلم في صحيحه [كتاب الإمارة, باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم(3/ 1459 رقم 1829)] كلاهما من حديث عبد الله بن عمر, واللفظ للبخاري.




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام