الأربعاء 15 ربيع الأول 1441 هـ || الموافق 13 نونبر 2019 م


قائمة الأقسام   ||    مختصر المنتقى من الفتاوى وزياداته    ||    عدد المشاهدات: 346

أين يوجد عقل الانسان؟

بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني


س92: أين يوجد العقل في جسم الانسان؟


ج92: العقل جزء معنوي غير محسوس كمثل الروح غير المحسوسة والتي لا تُرى بالعين المجردة، فكما أن الحياة في الجسد توجد بوجود الروح وتغيب بغيابه، فكذلك العقل إن وجد وجد الانسان العاقل وإن ذهب أصيب الانسان بالجنون، فلا يفكر ولا يميز ولا يحلل بل يصير تائهاً لغياب عقله.

وقد ادعى الفلاسفة قديماً _ وهو قول المعتزلة وأكثر الاحناف المتاثرين بالاعتزال والمذهب الاشعري والماترودي وهو قول لبعض الحنابلة _ أن العقل يوجد بالدماغ، وتبعهم على ذلك أطباء العجم قديماً وحديثاً.

وقال علماء السنة وعلى راسهم الشافعية والمالكية والحنابلة على المشهور: محله القلب، وهذا القول هو الموافق لأدلة الكتاب والسنة، والطب الحديث كما سيأتي.

وقد سمعت بعض إخواننا يدعي أن العقل هو القلب نفسه، وهذا شئ غريب.

وقد قال الفلاسفة ومن تبعهم من أطباء العجم وبعض عوام الأطباء العرب ومن سبق ذكرهم: إن العقل كامنٌ في الدماغ بدليل أن الانسان إذا فكر كثيراً شعر بتعب كبير في الدماغ وتحرك لديه الجهاز العصبي المتصل بالرأس بقوة.

وقالوا: كل شيء يؤثر في الدماغ يؤثر في العقل.

ولا شك أن كلامهم من حيث التأثر صحيح لكن لا يستلزم أنه كامن في الدماغ، فإن الشخص يصاب بألم في جسده فيتأثر الدماغ وسائر الجسد فالتأثير لا يفيد الحجة في تحديد موقع العقل، بل ربما جرحٌ يسير في أصبع ابن آدم قد يشوش عقله ودماغه ويُؤلم الجسد كله، والدليل على ذلك الواقع الذي نعيشه وقت الجراحات والآلام، ومن الوحي المطهر ما أخرجه مسلم في صحيحه قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد، اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" ([1]).

إذن لا يلزم من قول الفلاسفة " كل شيء يؤثر في الدماغ يؤثر في العقل" أن العقل في الدماغ لأن الواقع والوحي خلافه تماماً بدليل أن التأثير قد يطرأ على سائر أجزاء الجسم.

وقال كثير من الأطباء المسلمين رداً على الفلاسفة: كل شيء يؤثر في القلب يؤثر في العقل، وهذا يؤكد أن العقل في القلب وله اتصال بالدماغ وخصوصاً عند التفكير: بدليل أن الانسان إذا حصل له خوف من نار أو ألم أو حزن أو فرحة ونحوها يظهر أثر ذلك في قلبه ثم ينتقل بالتفكير إلى دماغه.

قلت: وكلا الفريقين تمسك بدليل من الواقع، ولا شك أن كل فريق سيرد على الأخر بشيء من الأدلة الواقعية والعقلية المتضاربة، ولا يحسم هذه المسألة إلا خالق العقل ورب كل شيء ومليكه، وهذا ما نطقت به صرائح الكتاب والسنة المفيدة أن العقل يوجد في القلب:

قال الله تعالى: "أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا".

وقال تعالى: "أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا".

وقال تعالى: "وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا".

قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي في فتوى بخط يده ([2]): "والفهم لا يكون إلا بالعقل, فدل ذلك على: أن القلب محل العقل، ولو كان الأمر كما زعم الفلاسفة لقال: لهم أدمغة لا يفقهون بها" اهـ.

قلت: وفي الحديث المتفق عليه عن النعمان بن بشير قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا وإن في الجسد مضغة ([3]) إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" ([4]).

قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي في فتاواه ([5]): "فتحصل من هذا أن الذي يقول إن العقل في الدماغ وحده، وليس في القلب منه شيء، أن قوله في غاية البطلان؛ لأنه مكذب لآيات وأحاديث كثيرة جداً" اهـ

قلت: الذي يظهر من الأدلة النقلية والعقلية وواقع الطب البشري أن محل العقل في القلب، وأيضاً أنه متصل بالدماغ عند حدوث أي طارئ من تحليل أو تفكير أو خوف أو فرح، فالدماغ يتقبل كل أوامره الفكرية من العقل غير المحسوس الكامن في القلب فيصدر أوامره للدماغ فيتحرك الدماغ بالتفكير، وثبت علميا وطبيا ان القلب محل كل الاحاسيس والمشاعر والسلوكيات فقديما نقل احد الاطباء المصريين غير المتدينين قلب رجل صالح اوشك على الموت لرجل غني فاسد ونجحت العملية فصار الغني صالحا فاضلا كثير الذكر حسن المشاعر والاخلاق واخذ كل سلوكيات ذلك الفقير وقد القيت بهذه المناسبة محاضرة قبل ١٥ سنة.

وأيضا تم نقل قلب شاعر امريكي على وشك الموت لاخر عامي ليس بشاعر فصار شاعرا وقوي الذاكرة ... فماذا نستفيد من هذه العمليتين سوى ان محل العقل في القلب، والله أعلى وأعلم وأعز وأكرم، وبالله التوفيق.

 

([1])  أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم (4/ 1999رقم 2586)] من حديث النعمان بن بشير.

([2])  فتوى لفضيلته رحمه الله رداً على سؤال ورد له بتاريخِ 27 مجرم عام 1344هـ.

([3])  قطعة لحم قدر ما يمضغ.

([4])  أخرجه البخاري في صحيحه[كتاب الإيمان, باب فضل من استبرأ لدينه(1/28 رقم 52)], ومسلم في صحيحه [كتاب المساقاة, باب أخذ الحلال وترك الشبهات(3/1219 رقم 1599)] كلاهما من حديث النعمان بن بشير.

([5])  ذكر ذلك في فتواه المشار لها آنفاً.




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام