الخميس 23 ذو الحجة 1441 هـ || الموافق 13 غشت 2020 م


قائمة الأقسام   ||    روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة    ||    عدد المشاهدات: 506

الأخوة في الجاهلية والاسلام حقائق وفوارق

(ضمن سلسلة روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة)
الحلقة رقم (3)

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


عاش الناس قبل الإسلام بعيداً عن الأصول والثوابت الشرعية الحية "يعبدون الأصنام في البيت الحرام ويحرمون السائبة والبحيرة والوصيلة والحام([1]) ، ويرون وأد البنات، ويمنعونهن الميراث إلى غير ذلك من الضلال الذي سوَّله لهم إبليس"([2])،وكانت النعرات الجاهلية والعصبيات القبلية مسيطرةً في حياتهم ، يصبح الصديق عدواً والعدو صديقاً بمجرد اختلاف يسير بين قبيلة وأخرى، فتقام الحروب والغارات بين القبائل ويسقط ضحيتها المئات وربما الآلاف، وما ذلك إلا لبعدهم عن شريعة الله التي جاء بها الأنبياء والرسل قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، "فابتعث الله سبحانه وتعالى محمداً صلى الله عليه وسلم فرفع المقابح وشرع المصالح"([3]) ودعا إلى الهدى ودعوة التوحيد وأخوة الدين فاستجاب له من استجاب "بعد مجاهدة شديدة ، ونقلهم الله عن تلك العادات الجاهلية"([4]) إلى نور الإسلام وعدالة الرحيم الرحمن. 
قال المقداد بن عمرو رضي الله عنه ([5]): "والله لقد بُعث النبي صلى الله عليه وسلم على أشد حال بُعث عليها نبي من الأنبياء في فترة وجاهلية ما يرون أن ديناً أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقان فرَّق به بين الحق والباطل وفرَّق بين الوالد وولده، إن كان الرجل ليرى والده وأخاه كافراً، وقد فتح الله قفل قلبه للإيمان يعلم أنه إن هلك دخل النار"([6]).
قال النجدي رحمه الله: "بعثه الله بالنذارة عن الشرك ويدعو إلى التوحيد ... أخذ على هذا عَشْرَ سنين يدعو إلى التوحيد ، وبعد العشر عُرِج به إلى السماء وفرضت عليه الصلوات الخمس ، وصلى في مكة ثلاث سنين ، وبعدها أمر بالهجرة إلى المدينة... فلما استقر في المدينة أُمر ببقية شرائع الإسلام مثل الزكاة والصوم والحج والأذان والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من شرائع الإسلام أخذ على هذا عَشْرَ سنين.. وبعدها توفي صلاة الله وسلامه عليه ، ودينه باقٍ ، وهذا دينه لا خير إلا دلَّ الأمة عليه ولا شر إلا حذرها منه، والخير الذي دلها عليه التوحيد وجميع ما يحبه الله ويرضاه، والشر الذي حذرها منه : الشرك وجميع ما يكرهه الله ويأباه"([7])، وكان من هذا الخير الذي دل أمته عليه إقامة أخوة الدين بأن آخى بين المؤمنين جميعاً في دولة الإسلام الواحدة ، ونزل عليه قوله تعالى : {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} ([8])، وقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} ([9]) ونحوها من الآيات الكريمات.
وقال لهم صلى الله عليه وسلم "المسلم أخو المسلم ،لا يظلمه ولا يُسْلِمُه([10])، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة فرج الله، عنه كربة من كربات يوم القيامة ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة"([11]).
وقال أيضاً :" من نَفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن يَسَّر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة ، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"([12]).
وقال: "لا تحاسدوا ولا تناجشوا([13]) ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً ، المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره التقوى ههنا ـ ويشير إلى صدره ثلاث مرات ـ بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام ، دمه ، وماله ، وعرضه "([14]).
وقال صلى الله عليه وسلم : " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه "([15]) ، ونحوها من الأحاديث النبوية الصحيحة.
فاتضحت فوارق الأخوة في الجاهلية والاسلام لكل عاقل ذي عينين من خلال السياقات السابقة، لنحذر سبل الجاهلية بكل أنواعها، فكل سبيل أو سيلة تتصادم مع الدين وتعارض أحكامه سواء في العقيدة أو التوحيد أو الحاكمية أو المنهج الشرعي أو السلوك أو شرائع الفروع فهي من الجاهلية التي قال عنها النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم عندما خطب الناس في حجة الوداع وقال: " ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع".
أكتفي بهذا القدر، وللكلام بقية أستأنفه غداً بإذن الله، وفق الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) البَحِيْرة: التي يمنع دَرُّها للطواغيت فلا يحلبها أحد، والسائبة : كانوا يسيبونها لألهتهم لا يحمل عليها شيء،والوصيلة : الناقة البكر تبكر في أول نتاج إبل بل تُثني بعد بأنثى وكانوا يسيبونها لطواغيتهم ، والحام: فحل الإبل، إذا قضى ضرابه ودَّعوه للطواغيت وأعفوه عن الحمل [انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير (2/ 146)].
([2]) تلبيس إبليس ، لابن الفرج الجوزي (ص10) ، تحقيق د. السيد الجميلي ، دار الكتاب العربي ، بيروت، الطبعة الأولى ، 1405م – 1985م.
([3]) المصدر السابق ( ص10).
([4]) فضل العرب لأحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (ص289) ، تحقيق : محمد رشاد رفيق سالم ، القاهرة ، ضمن مجموعة جامع الرسائل ، الطبعة الأولى.
([5]) المقداد بن عمرو بن ثعلبة، أسلم قديماً، وهاجر الهجرتين وشهد المشاهد كلها، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعنه علي بن أبي طالب وأنس وعبيد الله بن عدي وغيرهم، مات سنة 33هـ بالجرف على ثلاثة أميال من المدينة ودفن بالمدينة [الإصابة في تمييز الصحابة (6/ 202)] وكذا تهذيب التهذيب (10/ 254) كلاهما لابن حجر].
([6]) أحمد في مسنده [مسند باقي الأنصار، حديث المقداد بن الأسود رضي الله عنه(6/ 2 رقم 23861)]، والأثر صحيح.
([7]) ثلاثة الأصول للشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي (ص19) ، مطابع الرياض، الطبعة الأولى.
([8]) سورة آل عمران ، الآية رقم (103).
([9]) سورة الحجرات ، الآية رقم (10).
([10]) لا يتركه مع من يؤذيه، ولا فيما يؤذيه، بل ينصره ويدفع عنه، وهذا أخص من ترك الظلم، وقد يكون ذلك واجبًا، وقد يكون مندوباً بحسب اختلاف الأحوال [انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر (5/ 97)، تحقيق محب الدين الخطيب، دار المعرفة, بيروت، 1379 هـ].
([11]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب المظالم, باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه (2/ 862 رقم 2310)] من حديث عبد الله بن عمر.
([12]) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر (4/ 2074 رقم 2699)] من حديث ابن عمر.
([13]) قال الخطابي : النجش أن يَرَى الرجل السلع تباع ، فيزيد في ثمنها وهو لا يريد شراءها ، وإنما يريد بذلك ترغيب السوام فيها ليزيدوا في الثمن ، وفيه غرر للراغب فيها [ انظر عون المعبود شرح سنن أبي داود لمحمد شمس الحق العظيم آبادي(9/ 219)، دار الكتب العلمية – بيروت ].
([14]) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب المظالم، باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه (4/ 1986 رقم 2564)] من حديث أبي هريرة.
([15]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده (1/ 13رقم 10)] من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام