الأربعاء 12 صفر 1442 هـ || الموافق 30 شتنبر 2020 م


قائمة الأقسام   ||    أسئلة حول ثورات الربيع العربي وأقوال الثوار    ||    عدد المشاهدات: 624

أسباب رفض الثورات والانقلابات

حوار هادئ مع الدكتور صادق بن محمد البيضاني

أجرى الحوار: عارف عقلان المدحجي

 

الحلقة رقم (2)


س2: يتساءل البعض ويقول: ما هي الأسباب في رفضكم مسار ثورات الربيع العربي على الحكام رغم أننا قرأنا لفضيلتك مقالات تنكر فها على الحكام ظلم شعوبهم وتطالبهم أن يحكموا بالكتاب والسنة لإرساء مبدا العدل والحرية والمساواة وفقاً للنظام الاسلامي؟


ج2: عندما نتحدث عن ثورات الربيع العربي وننتقدها لا يعني أننا ندافع عن الحكام الظلمة الذين ظلموا رعيتهم ولم يقيموا فيهم شرع الله، فالإنكار على الحاكم الظالم واجب شرعي بالطريقة الشرعية، والخروج عليه بالثورات والانقلابات ليس طريقةً شرعية لكونه يؤدي إلى منكر أعظم فضلاً عن كونه يتصادم مع أدلة الشرع المطهر ، ويجب على الثوار أن يتفهموا ذلك بعيداً عن التعصب للقادة أو الأحزاب، لأن العاقل من يبحث عن الحق بدليله، فسعة الصدر والحوار لأجل الوصول للحق مطلب كل عاقل منصف، ولذا أقول، هذه الثورات أدت إلى منكر أعظم وتصادمت مع أدلة الكتاب والسنة والواقع والتاريخ القديم لعدة أسباب:

السبب الأول: أن خروج الرعية على الحكام الظلمة بالثورات والانقلابات لم يجن منه الثوار سوى الدمار والوبال، والواقع أكبر شاهد، حيث كانت هذه الثورات سبباً في سفك الدماء وتدمير الأوطان واختلال الأمن والاستقرار وتدخل العدو، فهناك أكثر من مليون عربي مسلم قتلوا بسبب هذه الثورات في عصرنا الحاضر، فالحاكم الغشوم لا هم له إلا الكرسي ولو يموت الشعب كله، وقادة الأحزاب يعون ذلك قبل خروجهم، ولذا فقادة الأحزاب بثوراتهم وخروجهم على الحاكم هم من جرته لسفك هذه الدماء البريئة سواء من خلال عسكره أو من خلال من جلبهم من المليشيات لينتقم من الثوار الخارجين، فكانت النتيجة أن القتل عم الخارجين وغيرهم بسبب هذه الثورات لأن الشر يعم والخير يخص.

وهناك ملايين آخرون شردوا وهجروا من أوطانهم في عموم بلدان الثورات ناهيكم عن المفقودين والمسجونين والجرحى، ومن انتهك عرضه وضاع ماله، وناهيكم عن الخوف والذعر والجوع والمرض والفقر والظلم الأعظم الذي حل بالأمة، والدمار الكبير للمنازل والمستشفيات ودور العلم ودوائر الدولة المختلفة والتضييق على العلماء ونحو ذلك، فاليمن اليوم غير اليمن قبل الثورة، ومثلها سوريا وليبيا ومصر وغيرها من البلدان التي حدثت فيها هذه الثورات، وقد سبق أن أصلت هذه المسألة بأدلتها في جملة من مقالاتي ودروسي ومناقشاتي مع بعض قادة ثورات الربيع العربي الذين زاروني إلى منزلي أو حاوروني عبر الهاتف عدة مرات.

السبب الثاني: أنه يُشترط في انكار المنكر شرطان:

الشرط الأول: أن يكون الانكار بالطريقة المشروعة وفقاً للكتاب والسنة لا وفقاً للنظام الديمقراطي المتصادم مع الكتاب والسنة سواء سموا هذا الانكار بالخروج على الحاكم سلمياً أو غير سلمي، وسواء قالوا النظام الديمقراطي كفله للشعب أم لم يقولوا فهو في نهاية المطاف خروج يتصادم مع الشرع كما بينته مفصلاً في أكثر من مقال وأشرت إلى ذلك في كتابي " الوثيقة المهمة" وهو كتاب مطبوع.

والشرط الثاني: ألا يؤدي إلى منكر أعظم، وهذا مجمع عليه بين العلماء قديماً وحديثاً.

وقد تقدم معنا أن "القاعدة الشرعية المجمع عليها: أنه لا يجوز إزالة الشر بما هو أشر منه؛ بل يجب درء الشر بما يزيله أو يخففه، أما درء الشر بشر أكثر فلا يجوز بإجماع المسلمين".

السبب الثالث: أننا لو فرضنا أن الخروج على الحاكم الظالم جائز على قول، وهناك قول آخر، وهو حرمة الخروج على الحاكم، وهذا القول هو الذي عليه عامة أهل السنة والجماعة قديماً وحديثاً.

فمعنى ذلك أنه اجتمع لدينا حظر وهو القول بحرمة الخروج، ومبيح وهو القول بجوازه، وحينها نطبق قاعدة: "الحظر مقدم على المبيح"، وهذه قاعدة فقهية مشهورة، فالحظر يُبنى عليه اثم وعقاب على من خالف الشرع، والمبيح لا يُبنى عليه عقاب.

وأقل الحظر في الخروج سفك الدماء البريئة من هذا الحاكم الظالم الفاسق الغشوم، بالإضافة إلى إثمية من كان السبب في أن يتعدى الحاكم الظالم بالقتل والبطش للخارجين عليه.

السبب الرابع: أن مطلب الخارجين كان بمسار ديمقراطي يقوم على شقين:

الشق الأول حزبي: حيث كان غرض الأحزاب منه الثورة على الحاكم لأجل إعادة تقسيم المناصب على الأحزاب حسب الحصص وفقاً للنظام الديمقراطي، وأيضاً القضاء على الفساد المالي والاداري ونحوها من المطالب وفقاً لقانون الأحزاب في الدولة.

الشق الثاني: شعبي، فالشعب خرج بسبب الجوع والظلم والفقر والبطالة والفساد والمطالبة بتحكيم شرع الله، لكون هؤلاء الحكام الظلمة الذين خرجوا عليهم بالثورة لم يرحموا شعوبهم ولم يخضعوا للشرع المطهر، فما هي نتيجة هذا الخروج؟ الجواب: كانت النتيجة أسوأ مما كانوا عليه قبل الثورة، حيث ازداد الفقر حتى حلت المجاعة، وكثر الفساد المالي والاداري حتى تم نهب الدولة بكل ما تملكه من ثروات لصالح فئة معينة "الحوثة في اليمن أنموذجاً"، والذين كانوا يوماً من الدهر شركاء للخارجين بالثورة في اليمن لكن حاكم اليمن السابق أراد أن ينتقم بعدوه من الثوار الخارجين عليه، وسبب انتقامه خروج هؤلاء الثوار على حكمه، وزد على ذلك أن النظام والأمن والاستقرار بعد الثورة غاب تماماً وحل محله سفك الدماء وانتهاك الأعراض ومصادرة ممتلكات الآخرين بغير وجه شرعي، وسقطت الدولة بكل هيئاتها ومؤسساتها في أيدي لا ترحم، وهذه الأيدي الأثيمة أشد مما كان عليه الوضع قبل الثورة، ناهيكم عن تغيير المناهج وشراء الذمم، ومصادرة أحكام الشريعة الاسلامية ليحل محلها شريعة الدكتاتورية الفارسية مصاصة الدماء التي هي من أصول مجوسية.

السبب الخامس: أن ثورات الربيع العربي مخطط لها من الأعداء وتم تنفيذها بأيدي أبناء جلدتنا.

وقد سبق أن قلت: «إن ثورات الربيع نُسجت عام ١٩٦٢م عندما اقترح اشكول ليفي رئيس وزراء اليهود آنذاك أن تتم زعزعة الأنظمة العربية ابتداء من تونس، لأنهم كانوا ينظرون إليها على أنها الحلقة الأضعف في الدول العربية، ثم استلم زمام هذه الثورات الصهيوني الفرنسي «برنار هنري» الذي يدير ويمسك بيده ملف الربيع العربي ويدرب عليه بعض العرب.

ثم صدر عن اجتماع وزير الخارجية الألماني الأسبق بوبكا فشر مع كوندليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية (بعد توليها منصب وزيرة الخارجية عام ٢٠٠٥م) بقوله: "إننا نعمل على خلخلة المنطقة العربية عبر الفيسبوك وتويتر" ([1]).

ثم تطالعنا كوندوليزا رايس لتؤكد ذلك وتعترف من خلال القنوات الإعلامية بأن «أمريكا هي من صنعت ثورات الربيع العربي».

وللأسف لم نجد آذانا صاغية للواقع المرير من هؤلاء المحسوبين على المجتمع الإسلامي الثقافي الحركي - المتحالف مع الأحزاب الأخرى - سوى تبريرهم بقولهم: حتى وإن كانت من صنع الصهاينة والأمريكان إلا أنها أظهرت الإسلام والمسلمين.

وهذا الجواب من العجب العجاب، فماذا جنى المسلمون من ثورات الربيع حتى نقول أظهرت الإسلام والمسلمين؟! سوى سفك الدماء وزعزعة الأمن والاستقرار وكثرة البطالة وانتشار الفساد، وكثرة الضغوط على دولنا العربية، والفوضى والقمع والحرب الأهلية في الدول التي ظهرت فيها هذه الثورات مع سقوط هذه الدول في أحضان الأعداء ومن ثم تدخلهم اللامحدود في قضايا الأمة العربية والاسلامية بلا هوادة.

فالمسلم العاقل ضد الفساد والظلم والاستبداد، ولكن لا يكون تغييره بالفوضى والطرق الديمقراطية المنافية للدين والوسائل غير الشرعية، وإنما تغييره بما خطَّه لنا نبينا عليه الصلاة والسلام وسار عليه علماء الملة المرحومة رضوان الله عليهم.

وقد خاطبت بعض قادة ثورات الربيع وقلت لهم: "حماة الديمقراطية - وهم أمريكا وأوربا- موقفهم هزيل تجاه البلاد العربية في ظل هذه الثورات، فتارة يقفون مع الشعوب، وتارة مع الحاكم، ونسوا مبادئ الديمقراطية التي تنص على السلام والاستقرار والأمن، وعدم التدخل في شؤون الأوطان".

والسبب في أن موقفهم بين طرفي نقيض يعود لكونهم هم مَن صدَّر الثورات للعرب المسلمين من خلال الأحزاب السياسية وغلمان الإعلام المزيف والمسير.

فأمريكا والغرب الأوربي يتحالفون مع دولنا العربية والإسلامية وحكامها لكن لا وفاء لهم، ولا عهد، ولا ذمة، ولا سلام، ولا أمان، ولا عدالة، وتحالفاتهم بما يخدم مصالحهم ويغطي بعض نفقاتهم المادية، وأغلبها تحالفات هشة أضرت بلداننا العربية والإسلامية حكاماً ومحكومين.

الديمقراطية عجوز شمطاء مزيفة صدروها للبلاد العربية والإسلامية لتكون لعبة ومهزلة يضحكون بها على المسلمين، وواقعنا وما سبق من أحداث أكبر شاهد على ذلك.

فإذا كانت القاعدة تنص على أن: "السياسة ليس فيها عدو دائم أو صديق دائم، بل هناك مصالح دائمة" فإن أمريكا تجاوزت هذا الحد بعداوتها لنا وعدم رضاها علينا، لكوننا مسلمين.

قال الله تعالى: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم، قل إن هدى الله هو الهدى".

للحوار بقية، يتبع في حلقات قادمة بإذن الله.

 


([1]) اقرأ ما نشرته وكالة "جراسا نيوز" للصحفي أحمد خلال القرعان، بتاريخ ٠٤ـ٠٦ـ٢٠١٢م.




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام