الأربعاء 12 صفر 1442 هـ || الموافق 30 شتنبر 2020 م


قائمة الأقسام   ||    أسئلة حول ثورات الربيع العربي وأقوال الثوار    ||    عدد المشاهدات: 882

ضوابط الانكار على الحكام

حوار هادئ مع الدكتور صادق بن محمد البيضاني

أجرى الحوار: عارف عقلان المدحجي

الحلقة رقم (7)


س7: هناك أحد شيوخ الثورة كتب أكثر من عشرة مقالات يستدل بها على جواز النكير العلني على الحكام، بينما ذكر فضيلتك في لقاء سابق حديثاً يدل على أن الانكار على الحاكم لا يكون إلا سراً، فكيف يمكن أن نرد على هذا الثوري؟


ج7: يظهر لي أنك متحامل يا أخي على من تسميهم شيوخ الثورة، فأرجو ألا تغيظ أحداً بأسلوبك هذا، ولا مانع أن تسأل مسترشداً من غير أن تلمز أي إنسان كائناً من كان، فاللمز حرام.

وبخصوص الانكار على السلطان لم أقل بأنه مقيد بالسر، وقد ذكرت في كتابي "الوثيقة المهمة لإصلاح ما بين الأمة" وهو مطبوع من عدة سنوات، ذكرت أن الانكار على الحاكم يكون بالسر والعلن بضوابطه، ولا يعني الانكار على السلطان أن نخرج عليه بأي وسيلة تكون سبباً في سفك الدماء وزرع الدهماء وخراب الأوطان وانتهاك الأعراض، وإنما نكير يؤدي إلى الاصلاح وتقويم المعوج من غير فتنة أو مفسدة.

ولذا أقول: الأصل في نصيحة السلطان أن تكون سراً بحكمة وعلم ولين لأمرين:

الأول: أن هذه طريقة عامة الصحابة وأصحاب القرون المفضلة، وهي الموافقة لعامة النصوص الشرعية.

الثاني: حرصاً على جمع الكلمة، وخوفا من فتك السلطان.

فأما الأول: فقد ورد في ذلك بعض الأحاديث والآثار العديدة، ومن ذلك:

ما ثبت عند الإمام أحمد في مسنده عن عياض بن غنم رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «من أراد أن ينصح لذي سلطان في أمر فلا يبده علانية، وليأخذه بيده، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدَّى الذي عليه»([1]).

وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: «قيل له: ألا تدخل على عثمان فتكلمه؟ فقال: أترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم؟! والله لقد كلمته فيما بيني وبينه ما دون أن أفتتح أمراً لا أحب أن أكون أول من فتحه»([2]).

وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن أمر السلطان بالمعروف ونهيه عن المنكر فقال: «إن كنت فاعلاً ولابد ففيما بينك وبينه» ([3]).

ولذا فحديث أبي سعيد الخدري الذي يقول فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر»([4]) ، يؤكد نصيحة السر بقوله: "عند سلطان جائر"، ولم يقل: "عند العامة ولم يقل بالاعتصامات والمظاهرات ضد الحاكم وعلى المنابر وفي الصحف ووسائل الإعلام ونحوها" لأن مثل ذلك لم نر منه سوى المفاسد والدماء وتفلت الأمن وظهور الفساد منذ القدم حتى الساعة.

قال الخطابي رحمه الله: «ومن النصيحة لهم الصلاة خلفهم، والجهاد معهم، وأداء الصدقات إليهم، وترك الخروج بالسيف عليهم إذا ظهر منهم حيف أو سوء عشرة، وأن لا يغروا بالثناء الكاذب عليهم، وأن يُدعى لهم بالصلاح»([5])اهـ.

وقال الشوكاني رحمه الله: «ينبغي لمن ظهر له غلط الإمام في بعض المسائل: أن يناصحه ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد» ([6])اهـ.

وأما الثاني:

فالحرص على جمع الكلمة خير من تفريق الصف؛ فإن نصيحة الجهر أمام العامة علناً يفضي إلى الخروج على الحاكم، والحاكم الغشوم لا يرحم الناس بل سيفه مسلول بحق وبغير حق.

وقد تقدم معنا أن «القاعدة الشرعية المجمع عليها: أنه لا يجوز إزالة الشر بما هو أشر منه؛ بل يجب درء الشر بما يزيله أو يخففه، أما درء الشر بشر أكثر فلا يجوز بإجماع المسلمين».

ومما لا شك فيه عند الأصوليين والفقهاء: أن كل وسيلة أدت إلى حرام فهي حرام».

قال حنبل رحمه الله: «اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق إلى أبي عبد الله [يعني أحمد بن حنبل] وقالوا له: إن الأمر قد تفاقم وفشا – يعنون إظهار القول بخلق القرآن وغير ذلك-، ولا نرضى بإمرته ولا سلطانه، فناظرهم في ذلك وقال: عليكم بالإنكار بقلوبكم، ولا تخلعوا يداً من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم، وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح بر أو يُستراح من فاجر، وقال: ليس هذا بصواب، هذا خلاف الآثار ([7])»اهـ.

ويستثني من ذلك ما إذا كانت المصلحة في العلن لا تؤدي إلى منكر، وهذه المصلحة يقدرها كبار العلماء، فلا يخوض الداعية في مسلك كهذا حتى يستشير كبار علماء عصره ولو بعضهم دفعاً للفتنة.

وقد قال الشيخ صالح بن محمد اللحيدان: «طالب العلم ينبغي أن يعتني بالمشاورة والمراجعة، وعرض ما يمر عليه من أفكار، وآراء مشوشة، على ميزان الشرع – على دلالة الكتاب والسنة - فإذا التبس عليه الأمر رجع إلى من يراهم أرسخ منه في العلم»([8]) اهـ.

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: «ولكن يجب أن نعلم أن الأوامر الشرعية في مثل هذه الأمور لها مجال، ولا بد من استعمال الحكمة، فإذا رأينا الإنكار علناً لا يزول به الشر، ولا يحصل به الخير بل يزداد ضغط الولاة على المنكرين وأهل الخير، فإن الخير أن ننكر سراً، وبهذا تجتمع الأدلة ، فتكون الأدلة الدالة على أن الإنكار يكون علناً فيما إذا كنا نتوقع فيه المصلحة، وهي حصول الخير وزوال الشر، والنصوص الدالة على الإنكار يكون سراً فيما إذا كان إعلان الإنكار يزداد به الشر ولا يحصل به الخير، وأقول لكم: إنه لم يضل من ضل من هذه الأمة إلا بسبب أنهم يأخذون بجانب من النصوص ويدعون جانباً، سواء كان في العقيدة أو في معاملة الحكام أو في معاملة الناس، أو غير ذلك»، وقال أيضاً: «من الناس من يريد أن يأخذ بجانب من النصوص وهو إعلان النكير على ولاة الأمور، مهما تمخض عنه من المفاسد، ومنهم من يقول: لا يمكن أن نعلن مطلقاً، والواجب أن نناصح ولاة الأمور سراً كما جاء في النص الذي ذكره السائل، ونحن نقول: النصوص لا يكذب بعضها بعضاً، ولا يصادم بعضها بعضاً، فيكون الإنكار عند المصلحة معلناً عند المصلحة، والمصلحة هي أن يزول الشر ويحل الخير، ويكون سراً إذا كان إعلان الإنكار لا يخدم المصلحة، ولا يزول به الشر ولا يحل به الخير»([9]) اهـ.

وقال الشيخ عبد المحسن العباد: «وإذا ظهرت أمور منكرة من المسؤولين في الدولة أو غير المسؤولين سواء في الصحف أو في غيرها فإن الواجب إنكار المنكر علانية كما كان ظهوره علانية؛ ففي صحيح مسلم (177) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»([10]) اهـ.

والمتتبع لما سبق من النقولات المختلفة يقطع أن الشريعة الإسلامية قائمة على قاعدة المصالح والمفاسد، وما هذه النقولات المتقدمة إلا شواهد لقاعدة "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح" التي تعتبر من صلب الكتاب والسنة ، ولذا فإن الفتوى في هذا الباب ونحوه تتغير حسب المصلحة والمفسدة المبني عليها الحكم حسب الزمان والمكان من عالم مجتهد كبير القدر، وقد عقد ابن القيم في كتابه «إعلام الموقعين » فصلاً تحت عنوان: فصل في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد مبنية على مصالح العباد في المعاش والمعاد، ثم قال رحمه الله: «سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية –قدس الله روحه ونور ضريحه – يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبئ الذرية وأخذ الأموال فدعهم» ([11])اهـ.

وأقول: وردت أمثلة كثيرة للإنكار العلني على السلطان، لكنها اختلفت من حيث المآل والحال وواقع السلطان، فكانت على جهتين:

الجهة الأولى: الإنكار العلني المرغوب، وذلك إذا كان السلطان ممن عرف بتقواه وصلاحه وتقبله للنصيحة ولم يكن في تأديتها جهراً منابذته بالسيف أو الخروج عن طاعته التي عرفها الشرع، أو كان لعالم ما مكانة عنده، فلا يرد له طلباً، ولا يرفض له نصحاُ سراُ كان أو جهراً، وغلب الظن أن المصلحة فيها ستكون أعظم من المفسدة حسب الزمان والمكان، فلا بأس به، ومما يدل على ذلك حديث طارق بن شهاب عن أبي سعيد الخدري قال: أخرَجَ مروان المنبر في يوم عيد، فبدأ بالخطبة قبل الصلاة، فقام رجل فقال: يا مروان خالفت السنَّةَ؛ أخرجت المنبر في يوم عيد؛ ولم يُخرَجْ فيه، وبدأت بالخطبة قبل الصلاة، فقال أبو سعيد: من هذا؟ قالوا: فلان بن فلان. فقال: أمَّا هذا؛ فقد قضى ما عليه؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من رأى منكم منكراً فليغره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه؛ فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» [أخرجه مسلم في صحيحه، وأبو داود في سننه، واللفظ له، بإسناد صحيح على شرط مسلم].

الجهة الثانية: الإنكار العلني المرفوض؛ وذلك إذا كان السلطان ممن لا يُعرف بتقوى أو صلاح، أو يغلب عليه عدم الديانة وكراهية من ينصحه جهراً، أو لكونه قد يفهم م من نصيحة الجهر الخروج عليه، وغلب الظن أن المفسدة ستكون أعظم من المصلحة، فهذه النصيحة لا تحل جهراً لأنها ستؤدي إلى مفسدة أعظم، وهذا الباب هو الذي لأجله شدد علماء الأمة حتى كادوا أن يطبقوا على حرمة نصيحة السلطان في الجهر، وذلك خشية فتك السلطان وسفك الدماء، خصوصاً أنها سفكت دماء بعض الصحابة والتابعين بسبب الإنكار العلني الذي صاحبه الخروج عن طاعة الأمير؛ فإن طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وعائشة رضي الله عنهم جميعا أنكروا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه جهراً تأخير القصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه، وتبعهم على هذا الإنكار جملة من خيرة الصحابة والتابعين، فسفكت الدماء بسبب هذه الفتنة في موقعة الجمل بالبصرة عام 36 هـ، وقبل هذه الفتنة حصلت فتنة قتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان بسبب الإنكار عليه جهراً والخروج عن طاعته، فاجتمعوا عليه وقتلوه، ومثل ذلك أيضاً إنكار التابعي الكبير سعيد بن جبير علناً حيث كفر الحجاج فقتله الحجاج صبراً، ثم ظهرت فتنه الخارجي عبد الرحمن بن الأشعث الذي كان يجهر بالإنكار على السلطان حتى خرج عن الخليفة عبد الملك بن مروان، وقد فتن في هذ المحنة بعض العلماء وأفاضل التابعين وقتل بسببها أكثر من مائة ألف رجل، لذلك شدد علماء أهل السنة ومنعوا الإنكار العلني على السلطان في الجملة – كما سلف من أقوالهم-إلا إذا غلبت عليه المصلحة التي يراها كبار علماء ومجتهدو العصر، وقلَّ من يرجع إليهم في عصرنا الحاضر؛ لكون كثير من الناس تأثر بالإعلام المزيف وببعض الشخصيات التي تتأثر بما يدور حولها في الساحة من أحداث دون أن يربطوها بأدلة الشرع المطهر وفقه المصالح والمفاسد.

للحوار بقية، يتبع في حلقات قادمة بإذن الله.

 

([1]) أخرجه أحمد في مسنده (24/49 حديث رقم 15333)، كما أخرجه ابن أبي عاصم في السنة، والحديث ثابت بحمد الله.

([2]) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب الزهد والرقائق، باب عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله ( 4/22990 أثر رقم 2989)].

([3]) ابن رجب، جامع العلوم والحكم (ص83). والأثر أخرجه بمعناه البيهقي في " شعب الإيمان" (10/73 رقم 7186).

([4]) أخرجه ابن ماجة في سننه [كتاب الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(2/1329 حديث رقم 4011)].

([5]) النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم (2/227).

([6]) الشوكاني، السيل الجرار (4/556).

([7]) ابن مفلح، الآداب الشرعية (1/196) نقلا عن الخلال.

([8]) صالح اللحيدان، محاضرة صوتية بعنوان: «منهج أهل السنة والجماعة في الحكم على الآخرين.

([9]) الطيار، اللقاء المفتوح لابن عثيمين (ص814-816).

([10]) العباد، مقال بعنوان « حقول ولاة الأمر المسلمين، النصح والدعاء لهم والسمع والطاعة في المعروف»، جريدة الوطن الكويتية، بتاريخ 26/11/1433 هـ - 2012/10/14.

([11]) ابن القيم، إعلام الموقعين (3/6).




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام