الأربعاء 12 صفر 1442 هـ || الموافق 30 شتنبر 2020 م


قائمة الأقسام   ||    أسئلة حول ثورات الربيع العربي وأقوال الثوار    ||    عدد المشاهدات: 3022

شروط ولي الأمر الذي تجب طاعته شرعاً

حوار هادئ مع الدكتور صادق بن محمد البيضاني

أجرى الحوار: عارف عقلان المدحجي

الحلقة رقم (10)


س10: نود من فضيلتك أن تبين لنا من هو ولي الأمر الذي يلزمنا طاعته شرعاً، وما هي صفاته وشروطه في الشرع؟


ج10: ولي الأمر الذي تجب طاعته في الشريعة الاسلامية: هو الحاكم المسلم الذي يتولى ويسوس المسلمين بإقامة حكم الدين فيهم، فإذا كان ممن يحكم بما أنزل الله، وظهر منه شيء من الظلم فهو من ولاة الأمر أيضاً، وتجب طاعته في المعروف، فإذا أمر بمعصية فلا يطاع في المعصية، ولا يجوز تأييده على الظلم، ولا الخروج عليه مع بذل النصح له باتفاق أهل السنة والجماعة.

قال الإمام النووي رحمه الله في كتابه المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (12/229): "وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل، وحكى عن المعتزلة أيضًا، فغلط من قائله، مخالف للإجماع "اهـ

ومفهوم ذلك: أن كل حاكم مسلم حكم بما أنزل الله فهو ولي أمر المسلمين، فإذا حكمهم بغير ما أنزل الله محارباً لحكم الله فهو طاغوت، لكونه أخل بشروط الولاية الشرعية، إذ لا يجوز حكم الرعية بغير حكم الله، ودليل ذلك قوله تعالى: "إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ "، وقوله تعالى: "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا، يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا، وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ"، وقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً"، وقوله تعالى: "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ"، وقوله تعالى: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا".

وفي الحديث المتفق عليه من حديث علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "إنما الطاعة في المعروف".

وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "على المرءِ المسلم السمْع والطاعة فيما أحبّ وكَرِه إلا أن يُؤْمَر بمعصية، فإن أُمِرَ بمعصية فلا سَمْع ولا طاعة".

ولذلك فحكم الناس بالأحكام التي تتصادم مع أحكام الكتاب والسنة من المعصية التي لا يجوز للرعية طاعة الحاكم فيها، وأما إذا كانت الأحكام والقوانين الوضعية موافقة للدين أو إدارية لا تتعارض مع الشرع أو فيها مصلحة خاضعة للشرع فإنه يلزم عدم معصيته فيها لكونها لا تتعارض مع حكم الله.

فالنظم الإدارية في الدولة التي يتم سنها بموجب دراسة العلوم الإدارية مما لا يتصادم مع الشرع جائزة كمدة حكم الحاكم وراتبه ومجال صلاحياته، وأنظمة المرور، ومن سيتولى السلطة المحلية كالمحافظين ومدراء المديريات وأجهزة الرقابة علي سير أعمال الحكومة والسلطة التنفيذية وغيرها، فهذه كلها يقررها أعضاء عاملين في الدولة ووزاراتها وهيئاتها وفي مجلس الشورى من أهل الحل والعقد وبعض الشخصيات الاستشارية والإدارية في الدولة، وهكذا بقية الأمور الشكلية في بناء الدول وأنظمتها الآلية كله لا مانع منه طالما خلا من المخالفة الشرعية.

وأما شروط ولي الأمر فتتلخص في الشروط التالية، وهي: الإسلام، والعقل، والذكورة، والعدالة، والعلم، والكفاءة، والبلوغ، والحرية، وأن يكون قرشياً على اختلاف في هذا الشرط، للحديث الصحيح "الأئمة من قريش" أخرجه أحمد وغيره عن جمع من الصحابة، وقد سبق بسط هذه الشروط بأدلتها بما يغني عن الاعادة.

ولا يعني ذلك أن لا يتولاها من عرضت عليه وهو أهلٌ لها، إذا تعذرت الشروط في القرشي، وهذا في باب الخلافة لا في باب أمراء الأقاليم التي تخضع للدولة ولا في باب أمراء الجند.

وعلى جميع الأحوال فمن تولى ولايةً على المسلمين قرشياً كان أو غيره سواء من خلال مجلس شورى "أهل الحل والعقد" أو بالوراثة أو كان متغلباً فإنه يلزم طاعته في المعروف لا في المعصية عملاً بما أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كنَّا، لا نخاف في الله لومة لائم"، وفي رواية: "دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا : أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله قال: إلا أن تروا كفرًا بواحًا، عندكم من الله فيه سلطان".

ويدخل في ذلك طاعة كل حاكم متغلب يحكم بما أنزل الله، ولو كان ظالماً غير حر - من أصول الرق -، بحيث تكون طاعته في المعروف، عملاً بعموم قوله تعالى: ”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ“.

ولقوله عليه الصلاة والسلام: ”اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة“ متفق عليه.

للحوار بقية، يتبع في حلقات قادمة بإذن الله.




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام