الأربعاء 12 صفر 1442 هـ || الموافق 30 شتنبر 2020 م


قائمة الأقسام   ||    روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة    ||    عدد المشاهدات: 652

التلطف عند النصح من روابط الأخوة الإسلامية

(ضمن سلسلة روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة)
الحلقة رقم (25)

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


التلطف عند نصح الآخرين هو المقصود من قوله تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125)} ([1]).
وفي صحيح مسلم، قال صلى الله عليه وسلم: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنْزَع من شيء إلا شانه"([2])، وفي الصحيحين مسلم قالصلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب الرفق في الأمر كله"([3]) ، وفي صحيح مسلم، قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله رفيق يحب الرفق، ويُعطي على الرفق ما لا يُعطي على العنف، وما لا يُعطي على ما سواه"([4])، وفي الصحيحين غن أنس ([5]) رضي الله عنه قال: "بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : مه مه ([6])، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تزرموه ([7])، دعوه فتركوه حتى بال ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه ، فقال له : إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر ، إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن ـ أو كما قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم ـ قال فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماء فشنَّه ([8])عليه ([9])".
قال سفيان ([10]) لأصحابه : تدرون ما الرفق؟، قالوا : قل يا أبا محمد ، قال : أن تضع الأمور من مواضعها الشدة في موضعها ، واللين في موضعه ، والسيف في موضعه ، والسوط في موضعه " ([11]).
" وهذه إشارة إلى أنه لا بد من مزج الغلظة باللين والفظاظة بالرفق كما قيل
ووضعُ النَّدى في موضعِ السيفِ بالعُلا ### مضرٌ كوضعِ السيفِ في موضعِ الندى
فالمحمود وسط بين العنف واللين([12]) .
وهذا باب مهم غفل عنه أكثر الإخوان إلا من رحم الله.
وقد قيل " العلم خليل المؤمن، والحلم وزيره، والعقل دليله، والعمل قيَّمه،والرفق والده، واللين أخوه، والصبر أمير جنوده " ([13]).
فعلى الناصح أن يتفطن لمثل هذا المقام ، فبه أدَّبَ الله نبيه موسى وهارون عليهما السلام لما أرسلهما إلى فرعون ، فقال لهما: {فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)} ([14])، رغم علم الله الأزلي أن فرعون لن يفيده نصح الناصحين ولا وعظ الواعظين، ولكن لمَّا كان المقام تربوياً أوجب الله على نفسه إرشاد عباده إلى مقوِّمات النصح، ومن ذلك التلطف حال النصيحة.
أكتفي بهذا القدر، وللكلام بقية أستأنفه غداً بإذن الله، وفق الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.
_____________
([1]) سورة النحل ، الآية (رقم 125).
([2]) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب البر والصلة والآداب ،باب فضل الرفق (4/ 2004 رقم 2594)] من حديث عائشة.
([3]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الإستئذان ، باب كيف الرد على أهل الذمة بالسلام (5/ 2308 رقم 5901) ، ومسلم في صحيحه كتاب السلام ، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم (4/ 1706 رقم 2165)] كلاهما من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : " دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : السام عليكم ، ففهمتها ، فقلت عليكم السام واللعنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مهلاً يا عائشة ، فإن الله يحب الرفق في الأمر كله ، فقلت يا رسول الله أو لم تسمع ما قالوا ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقد قلت وعليكم ".
([4]) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب البر والصلة والآداب،باب فضل الرفق (4/ 2003 رقم 2593)] من حديث عائشة.
([5]) أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم الأنصاري الخزرجي النجاري البصري خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم يكنى أبا حمزة ، أمه أم سليم بنت ملحان الأنصارية ، ويقال إن أنس بن مالك قدم من صلبه من ولده وولد ولده نحو من مائة قبل موته ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا له فقال : " اللهم ارزقه مالاً وولداً وبارك له"، مات رضي الله عنه سنة 93هـ وهو ابن مائة سنة وثلاث سنين ، وقيل كانت سنه حينما مات مائة سنة وعشر سنين [الإستيعاب لابن عبد البر (1/ 109)].
([6]) بمعنى اكفف عن هذا الفعل.
([7]) لا تقطعوا عليه بوله.
([8]) أي صبه.
([9]) أخرجه البخاري في صحيحه [ كتاب الأدب ، باب الرفق في الأمر كله (5/ 2242 رقم 5679)، ومسلم في صحيحه ، كتاب الطهارة ‘ باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد وأن الأرض تطهر بالماء من غير حاجة إلى حفرها (1/ 236 رقم 285)].
([10]) سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي أبو محمد الكوفي سكن مكة ، روى عن عبد الملك بن عمير وأبي إسحاق السبيعي وغيرهما ، وعنه الأعمش وابن جريج وشعبة والثوري وغيرهم، ولد سنة 107هـ ، قال الشافعي : لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز ، مات يوم السبت أول يوم من رجب سنة 198هـ [ تهذيب التهذيب لابن حجر (4/ 104 وما بعدها)] وقد عزا هذا القول بعض النساخ في بعض النسخ من فيض القدير إلى سفيان الثوري ، وهذا خطأ من الناسخ فذاك كنيته أبو عبد الله ، والصحيح ما أثبتناه.
([11]) فيض القدير شرح الجامع الكبير للمناوي (4/ 56).
([12]) إحياء علوم الدين للغزالي (3/ 186).
([13]) بنحوه في: نوادر الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم لمحمد بن علي بن الحسن أبو عبد الله الحكيم الترمذي (3/ 186)، تحقيق عبد الرحمن عميرة, دار الجيل, بيروت, 1992م.
([14]) سورة طه ، الآية رقم (44).




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام