الخميس 14 جمادى الآخرة 1442 هـ || الموافق 28 يناير 2021 م


قائمة الأقسام   ||    روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة    ||    عدد المشاهدات: 857

مراعاة أحوال المخاطب واختيار ما يناسبه من التوجيهات والنصائح حسب حاجته وفهمه أثناء دعوته ونصحه
(ضمن سلسلة روابط الأخوة الإسلامية على ضوء الكتاب والسنة وربطها بواقع الأمة)
الحلقة رقم (43)

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني



لو تأمل الناظر في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى الأخلاق الفاضلة لوجد الدور الإيجابي في تأصيل مراعاة أحوال المخاطب واختيار ما يناسبه من التوجيهات والنصائح حسب حاجته وفهمه.
وهذا يظهر جلياً في خطاباته، ومن ذلك قوله للنّوّاس بن سمعان رضي الله عنه كما في صحيح مسلم عندما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البرّ والإثم ، فقال له : "البرّ حسن الخلق ".
فلما كان النواس أحوج ما يكون إلى الخلق الحسن حصر النبي صلى الله عليه وسلم البر في الأخلاق دون غيرها مع أن البر اسم جامع لكل خير لولا حاجة النواس لهذا التوجيه.
ومن ذلك حديث أبي هريرة كما في صحيح البخاري "أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني قال: "لا تغضب" فردد مراراً ، قال : "لا تغضب".
" قيل لعل السائل كان غضوباً ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر كلَّ أحدٍ بما هو أولى به ، فلهذا اقتصر في وصيته له على ترك الغضب " ([1]) رغم أن قول الرجل "أوصني " كلمة مجملة تشمل آحاداً كثيرة من التوجيهات والوصايا ، فاقتصر النبي صلى الله عليه وسلم على نهيه عن كثرة الغضب لكونه أحوج ما يكون إلى ذلك ، مع أن الرجل كرر السؤال ثلاثاً ، فكان الجواب النبوي : واحداً.
لذا يجب على العلماء والدعاة إلى الله أن يَعُوا هذا العلاج النبوي الناجح وكيفية مخاطبة المجتمعات على اختلاف مشاربهم وثقافاتهم، وأن يزنوا كلماتهم بميزان الحاجة الشرعية، وأن تكون التوجيهات والنصائح حسب مقتضى الحال أسوةً برسول الله صلى الله عليه وسلم.
فمما يُؤسف له أن بعض الشباب والدعاة قد يذهبون إلى بعض الأماكن المختلفة ويلقون محاضراتهم وخطبهم وتوجيهاتهم دون أن يستفصلوا عن حال المجتمع الذي ذهبوا إليه وما يحتاج من أنواع الخطب والمحاضرات ، فيحاضر أو يخطب في موضوعٍ لا حاجة له في ذلك المجتمع وإنما يصلح هذا الموضوع في مجتمع آخر، كالذي يذهب إلى قرية لا تعرف التحزب الممقوت فيحاضر أهل تلك القرية ويحذرهم من خطر الحزبية وهم لا يعرفون هذا المسمى فضلاً عن كون التحزب غير موجود في مجتمعهم، وهم أحوج ما يكونون إلى التوحيد ونبذ الشرك، أو إلى فقه الصلاة ونحوها من الموضوعات، أو كالذي يذهب إلى بلدةٍ يحذرهم من مجالسة النصارى، وتلك البلد ليس فيها نصارى بل كلهم موحدون وحاجتهم إلى موعظة الموت أحرى لِما عرفوا به من قسوة القلب، وهلمَّ جراً، فهذا التعجل يدل على جهل بعض الدعاة لفقه الدعوة، وبعدهم عن هدي نبيهم صلى الله عليه وسلم.
ولعل من الواجب على هؤلاء القوم أن يسألوا قبل ذهابهم إلى تلك الأماكن عن أهم الموضوعات التي ينبغي أن تُطْرح لذلك المجتمع وعن مستواهم العلمي وفقههم في الدين، فإذا تنبه الداعية إلى الله لهذا الأمر وعمل بموجبه كان ناجحاً موفقاً بإذنه سبحانه.
أكتفي بهذا القدر، وللكلام بقية أستأنفه غداً بإذن الله، وفق الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.
___________
([1]) تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي للمباركفوري (6/ 138) ، مصدر سابق.




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام