الإثنين 10 صفر 1442 هـ || الموافق 28 شتنبر 2020 م


قائمة الأقسام   ||    دراسات منهجية في ظل الانحرافات الفكرية    ||    عدد المشاهدات: 391

ثورات الربيع العربي وكلمات ابن تيمية

(ضمن موضوع دراسات منهجية في ظل الانحرافات الفكرية 
الحلقة (3)
 بقلم د. صادق بن محمد البيضاني

لقد كانت ثورات الربيع العربي 2011م خروجاً على سلاطين ورؤساء بلدانهم، سواء سموها سلمية أو غير سلمية، وكان أغلب من خرج من أفراد الشعب للاعتصامات وفي المظاهرات على نيته، وفيهم دعاة ومشايخ محسوبون على العلم، ويريدون تغييراً للأفضل، وقد غرر بهؤلاء الدعاة انتسابهم للأحزاب التي طلبت منهم فتاوى تبيح للناس الخروج على السلطان، فتواطأوا معهم وأفتوهم بالجواز حسب ما ظنوا من المصالح، وقل من رفض الفتيا واعترض واعتزل، ومن تكلم من العلماء معترضاً هذا الخروج اتهمه البعض بأنه عميل للسلاطين، فاتسع الخرق على الراقع، وسقطت هيبة العلماء لدى كثير من الجهلة الذين انتهكوا أعراضهم في المجالس وعلى القنوات ومواقع التواصل الاجتماعي ظانين منهم أن العلماء كلهم هم من أفتى بالخروج والثورات دون تفريق بين عالم معارض وعالم معتزل الفتنة وآخر أخطأ له فتوى بجواز ذلك، مما أدى بهؤلاء السلاطين وأركانهم أن ينتقموا من هؤلاء الخارجين فراح ضحية ذلك كباش الفداء من الأفراد المساكين من عموم الشعب، ومَن لا حول له ولا قوة، وتدمرت البلاد، وسقطت هيبة نظامها، وضاعت مصالح الشعب والوطن، فكثر الفقر والبطالة والفساد وضاع الأمن والاستقرار، ولم يتحقق من ذلك خير سوى الدمار وسفك الدماء وتدخل الأعداء في أوطان المسلمين، وبقيت أوطان الأعداء مستقرة آمنة من الثورات التي صدَّرها إلى بلاد المسلمين، بل تفرَّغ الأعداء للنيل منا بسبب هذه الثورات، فكانت فرصة لهم للقضاء على قوتنا ووحدتنا وتوسيع دائرة الخلاف بيننا من خلال المعارض السياسية الدولية الخبيثة والتدخلات المتكررة التي تكمن وراء أطماع الصليبية والعلمانية واللبرالية والماسونية، بل وللأسف تدخل بعض الأعداء في شؤوننا الداخلية بموجب طلب من قيادات حزبية ثورية، فتسلط أعداؤنا علينا من كل حدب وصوب، بل ظهر أقوام مغرر بهم من الثوريين المسلمين يرى أن ما حل بنا لم يكن بسبب بعدنا عن الدين وأحكامه، وإنما بسبب عدم تطبيقنا للديمقراطية التي هي من صنيع اليهود ليقولوا للبشرية دعوا الأديان واحكموا أنفسكم بأنفسكم، ولكم الحريات المطلقة بعيداً عن الدين الذي قيدكم بأحكام فقهية جافة تقيد حرياتكم وتمنعكم من حقوقكم وشهواتكم وحرياتكم الشخصية، حتى صدقهم كثير من ببغاوات المسلمين، وهنا المحك الموجع الذي يؤرقنا من أبناء جلدتنا.
ولذا أتسأل وأسأل العقلاء لماذا فشلت هذه الثورات، ولماذا حل هذا الشر بخروج الناس عن ولاة الأمر سواء كانوا ولاة ظلمة أو فسقة أو غير ذلك؟
الجواب: 
يقول ابن تيمية: “وقَلَّ مَن خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير ……. ثم قال : ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الصبر على جور الأئمة وترك قتالهم والخروج عليهم هو أصلح الأمور للعباد في المعاش والمعاد، وأن من خالف ذلك متعمداً أو مخطئاً لم يحصل بفعله صلاح بل فساد”(1) اهـ.
إذن دعونا نقرأ كلام ابن تيمية بطوله كي نستوعب القضية أكثر ونتعرف على حقيقة الخطر المحدق حولنا ولماذا وقعنا في هذا الأخطبوط المخيف الذي أضعف أوطاننا وقوتنا وعرضنا لغضب الله ومقته حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه من الذل والهوان، فالشر يعم والخير يخص: 
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في “منهاج السنة” (4/527 – 531): “وقل من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير، كالذين خرجوا على يزيد بالمدينة، وكابن الأشعث الذي خرج على عبد الملك بالعراق، وكابن المهلب الذي خرج على ابنه بخراسان، وكأبي مسلم صاحب الدعوة الذي خرج عليهم بخراسان أيضاً، وكالذين خرجوا على المنصور بالمدينة والبصرة، وأمثال هؤلاء.
وغاية هؤلاء إما أن يَغلبوا وإما أن يُغلبوا، ثم يزول ملكهم فلا يكون لهم عاقبة؛ فإن عبد الله بن علي وأبا مسلم هما اللذان قتلا خلقاً كثيراً، وكلاهما قتله أبو جعفر المنصور. 
وأما أهل الحرة وابن الأشعث وابن المهلب وغيرهم فَهُزِموا وهُزِم أصحابهم، فلا أقاموا ديناً ولا أبقوا دنيا. 
والله تعالى لا يأمر بأمر لا يحصل به صلاح الدين ولا صلاح الدنيا، وإن كان فاعل ذلك من أولياء الله المتقين ومن أهل الجنة، فليسوا أفضل من علي وعائشة وطلحة والزبير وغيرهم، ومع هذا لم يُحمدوا [ على ] ما فعلوه من القتال، وهم أعظم قدراً عند الله وأحسن نية من غيرهم.
وكذلك أهل الحرة كان فيهم من أهل العلم والدين خلق، وكذلك أصحاب ابن الأشعث كان فيهم خلق من أهل العلم والدين، والله يغفر لهم كله.
وقد قيل للشعبي في فتنة ابن الأشعث: أين كنت يا عامر؟ قال: كنت حيث يقول الشاعر:
عوى الذئب فاستأنست بالذئبِ وصوَّت إنسان فكدت أطيرُ إذ عوى
[ ثم قال ]: “أصابتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء”.
وكان الحسن البصري يقول: إن الحجاج عذاب الله، فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم، ولكن عليكم بالاستكانة والتضرع، فإن الله تعالى يقول: “وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ” [المؤمنون: 76].
وكان طلق بن حبيب يقول: اتقوا الفتنة بالتقوى، فقيل له : أجمل لنا التقوى؟ فقال: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو رحمة الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عذاب الله. رواه أحمد وابن أبي الدنيا.
وكان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة، كما كان عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وغيرهم ينهون عام الحرة عن الخروج على يزيد، وكما كان الحسن البصري ومجاهد وغيرهما ينهون عن الخروج في فتنة ابن الأشعث.
ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم، وإن كان قد قاتل في الفتنة خلق كثير من أهل العلم والدين.
وباب قتال أهل البغي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشتبه بالقتال في الفتنة، وليس هذا موضع بسطه.
ومن تأمل الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب واعتبر أيضاً اعتبار أولي الأبصار، علم أن الذي جاءت به النصوص النبوية خير الأمور.
ولهذا لما أراد الحسين ـ رحمه الله ـ أن يخرج إلى أهل العراق لما كاتبوه كتباً كثيرة أشار عليه أفاضل أهل العلم والدين، كابن عمر وابن عباس وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن لا يخرج، وغلب على ظنهم أن يقتل، حتى إن بعضهم قال: أستودعك الله من قتيل، وقال بعضهم: لولا الشفاعة لأمسكتك ومنعتك من الخروج، وهم في ذلك قاصدون نصيحته طالبون لمصلحته ومصلحة المسلمين. والله ورسوله إنما يأمر بالصلاح لا بالفساد، لكن الرأي يصيب تارة ويخطئ أخرى.
فتبين أن الأمر على ما قاله أولئك، ولم يكن في الخروج لا مصلحة دين ولا مصلحة دنيا؛ بل تمكن أولئك الظلمة الطغاة من سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتلوه مظلوماً شهيداً، وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن حصل لو قعد في بلده، فإن ما قصده من تحصيل الخير ودفع الشر لم يحصل منه شيء؛ بل زاد الشر بخروجه وقتله، ونقص الخير بذلك، وصار ذلك سبباً لشر عظيم. وكان قتل الحسين مما أوجب الفتن، كما كان قتل عثمان مما أوجب الفتن.
وهذا كله مما يبين أن ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الصبر على جور الأئمة وترك قتالهم والخروج عليهم هو أصلح الأمور للعباد في المعاش والمعاد، وأن من خالف ذلك متعمداً أو مخطئاً لم يحصل بفعله صلاح بل فساد” انتهى كلام ابن تيمية بطوله.
وأقول: قد بدَّع علماء السنة الأكابر الإمام المحدث الزاهد الثقة الثبت المتقن: الحسن بن صالح بن حي الهمداني، المتوفى عام 169هـ ـ رحمه الله ـ بسبب فتواه بجواز الخروج على الولاة الظلمة، حتى ترك بعضهم التحديث عنه، وفيه قال أحمد بن يونس اليربوعي: لو لم يولد الحسن بن صالح؛ لكان خيراً له.
قال الذهبي: “كان يرى الحسن الخروج على أمراء زمانه لظلمهم وجورهم، ولكن ما قاتل أبداً، وكان لا يرى الجمعة خلف الفاسق”، [انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (7/361 وما بعدهما)]. 
وأخيراً أقول: ثقوا اخواني المسلمين أنه لن يصلح حال هذه الأمة إلا بما صلج به أولها.
استفيدوا من كل الوسائل العصرية المباحة بما خدم دينكم وأوطانكم وشعوبكم، وكونوا خير خلف لخير لسلف، والله يرعاكم.
وللكلام بقية، استأنفه بمشيئة الله في حلقة الغد. 
والله من وراء القصد




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام