السبت 8 صفر 1442 هـ || الموافق 26 شتنبر 2020 م


قائمة الأقسام   ||    دراسات منهجية في ظل الانحرافات الفكرية    ||    عدد المشاهدات: 569

تصدع الصف السلفي بتصيد أخطاء وزلات العلماء والدعاة

(ضمن موضوع دراسات منهجية في ظل الانحرافات الفكرية)
الحلقة (7)
بقلم د. صادق بن محمد البيضاني

في لقاء أمس تكلمت عن المسألة الأولى التي كانت سبباً من أسباب تصدع الصف السلفي في العصر الحديث، وهي مسألة : “إنشاء الجمعيات الخيرية “.
وفي هذا اللقاء سأتكلم عن المسألة الثانية، فأقول وبالله التوفيق:
المسألة الثانية
تصيد بعض الأخطاء والزلات التي صدرت من بعض الفضلاء من خلال مؤلفاتهم ومقالاتهم ومحاضراتهم ودروسهم ونحوها.
لا يمكن لشخص أن يسلم من الوقوع في الخطأ مهما بلغ علمه وتقواه؛ لأنه مجبول على ذلك ـ خصوصا من كثرت مؤلفاته ودروسه ومحاضراته وخطبه ومقالاته ونحوهاـ ، إلا أن هناك فرقاً بين خطأ ظاهر وبين خطأ محتمل، كما أن هناك فرقا بين رأي مستساغ أو فتوى راجحة، وبين رأي لا يتوافق مع الشرع، وبين قول قديم بناه على خطأ، وقول حادث أعرض فيه عن خطأ سابق، إذ اللوم محاكمة وتعنيف المخطئ بسبب قول قديم تراجع عنه، ومن هنا يلزم الناقد المنصف أن يراعي ميزان العدل في المتهم بالخطأ من غير غلو ولا شطط، دون أن يسمح للعامة وصغار الطلاب حوله أن يخوضوا في أعراض من أخطأ من الفضلاء، وإلا كان ناقداً محزبا، كما يلزم الناقد ـ أيضا ـ أن يغرس في نفوس محبيه ومن حوله : أن المخطئ من المشايخ والعلماء بشرٌ، وله حق الإجلال والتوقير لمكانته العلمية، وأن الخطأ أمر جبلي، فلا عصمة إلا للأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم.
قال ابن تيمية: «ولكن الأنبياء ـ رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ـ هم الذين قال العلماء: إنهم معصومون من الإصرار على الذنوب، فأما الصديقون، والشهداء، والصالحون: فليسوا بمعصومين، وهذا في الذنوب المحققة، وأما ما اجتهدوا فيه: فتارة يصيبون، وتارة يخطئون؛ فإذا اجتهدوا فأصابوا فلهم أجران، وإذا اجتهدوا وأخطأوا فلهم أجر على اجتهادهم، وخطؤهم مغفور لهم، وأهل الضلال يجعلون الخطأ والإثم متلازمين: فتارة يغلون فيهم، ويقولون: إنهم معصومون، وتارة يجفون عنهم، ويقولون: إنهم باغون بالخطأ، وأهل العلم والإيمان لا يُعصَمون، ولا يُؤثمون».(1)
وقال رحمه الله: «فليسوا في ذلك بأعظم من أكابر السلف المقتتلين في الفتنة، والسلف المستحلين لطائفة من الأشربة المسكرة، والمستحلين لربا الفضل والمتعة، والمستحلين لحشوش ـ كما قال عبد الله بن المبارك:» رب رجل في الإسلام له قدم حسن وآثار صالحة كانت منه الهفوة والزلة لا يقتدى به في هفوته وزلته».(2)
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي: «فإذا تحققتم الخطأ بينتموه، ولم تهدروا جميع المحاسن لأجل مسألة أو مائة أو مائتين أخطأت فيهمن، فإني لا أدعي العصمة».(3)
وقال الشيخ عبد المحسن العباد: «أناس يحصل عندهم خطأ من أهل السنة [ أو ] شيء من الخطأ أو فهم خاطئ، فهؤلاء لا يُقال إنهم مثل أولئك، ولا يقال أن من لم يبدع هذا يصير مبتدعا».(4)
وسئل الشيخ صالح الفوزان عضو اللجنة الدائمة : هل يجوز إلقاء السلام على أتباع المبتدع إن كانوا يتعصبون له، وهل يجوز هجرهم؟
فأجاب بقوله: أول شيء لابد أن نحدد البدعة ما هي؛ لأن كثيراً من المنتسبين لطلب العلم كل من خالفهم بشيء قالوا: أنت مبتدع لأنهم ما يعرفون ما هي البدعة، لازم نحدد البدعة، لأن كثيراً من المنتسبين لطلب العلم الآن يطلقون البدع على أشياء ليست بدعاً، وكل من خالفهم في شيء قالوا : » أنت مبتدع «، هذا ما يصلح وما يجوز.
البدعة: هي إحداث شيء في الدين لم يكن منه؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وقال عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» [كما في الصحيح].
فالبدعة: هي أن يُحْدث في الدين عبادة لا دليل عليها من كتاب الله ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه هي البدعة، فمن كان كذلك فهو «مبتدع».
و«المبتدع» تجب مناصحته، ودعوته إلى الله، وتخويفه بالله، وإذا كان عليه التباس أو اشتباه يبين له الحق، وإذا كان ما ظهر له شيء يبين له الحق وتقام عليه الأدلة، فإن أصر بعد ذلك فإنه يكون «مبتدعا» يجب هجره، والتحذير منه، والابتعاد عنه، وكل من وافقه على بدعته وصار تابعا له ولم ينتصح ولم يتركه فإنه يهجر مثله، لأن من وافق المبتدع ورضي ببدعته فهو مبتدع مثله فيهجر كما يُهجر المبتدع(5).
قلت وقول الشيخ (ولم ينتصح) إشارة إلى لزوم مناصحة من وافق المبتدع على مذهبه في مسألة أو أكثر وذلك بإقامة الحجة عليه وإزالة الشبهة عنه من عالم او طالب علم ورع متمكن عالم بأسباب الجرح ودواعيه غير متمذهب ولا صاحب هوى.
فقد تورع بعض السلف عن التغليظ في المبتدع حيطة لدينهم وخوفا من الوقوع في الظلم.
قال محمد بن الحكم: «كان الشافعي بعد أن ناظر حفص الفرد يكره الكلام، وكان يقول: لأن يفتي العالم فيقال أخطأ العالم، خير له من أن يتكلم فيقول زنديق، وما شيء أبغض عليَّ من الكلام وأهله»(6).
ومما يؤسف له أن هناك من يتفرغ لتصيُّد وجمع أخطاء ومثالب الدعاة لينشرها بين الناس بنية التحذير منهم واسقاطهم لاجل حظ النفس او الهوى، وهذا لا شك أنه من الذنوب التي يضيفها هؤلاء المتصيدون إلى رصيدهم، فطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وفي الحديث الحسن: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»(7).
قال الشيخ بكر أبو زيد: «وأما البحث عن الهفوات وتصيدها فذنوب مضافة أخرى، والرسوخ في الإنصاف بحاجة إلى قدر كبير من خلق رفيع ودين متين»(8).
والحاصل في هذه المسألة أنه لا يجوز للعوام والصغار وطلاب العلم وغيرهم تصيد أخطاء المشايخ والعلماء لأجل النيل منهم والطعن فيهم وتحذير الناس منهم واسقاطهم وتبديعهم، وفي حالة وقوع العالم في البدعة فإنه يلزم من علم من العلماء نصيحته وإقامة الحجة عليه وإزالة الشبهة عنه ولا يحكم على العالم بشئ يطعن في عدالته إلا عالم توفرت فيه شروط الجرح والتعديل وهي :
الأول: أن يكون الرجل ثقة في نفسه غير مجروح العدالة فإن كان مجروحًا فلا يعتد به.
الثاني: أن يكون عالمًا تقيًا ورعًا فلا يجرح لهوى أو حسد أو غرض دنيوي.
الثالث: أن يكون عارفًا بأسباب ودواعي التجريح.
الرابع: ألا يعرف بالتعصب المذهبي.
فإذا اتفقت هذه الشروط في الشخص حُقَّ له أن يكون مجرحًا لأن مثله سوف يتصف بالعدل والأمانة, فيلزم طلاب العلم ألا يخوضوا في مسالك كهذه وأن يتركوا ذلك لأهل الشأن والبصيرة فهم أعرف بحال ومصلحة الأمة وأن ينكبوا على طلب العلم على أيدي علمائهم، فإن أوقاتًا عديدة تضيع على شباب الإسلام في الخوض فيما لا يعنيهم وفيما لم يُكلفوا به شرعًا.
فكم من الشباب مّنْ لا يحافظ على السنن ومستحبات الأعمال والأقوال بل ويفرط في كثير من الواجبات ويتنزه عن الفتيا في أحكام الطهارات والمشروبات ولا ينزه لسانه وقلمه عن الكلام في أعراض الأمة سواء بحق أو باطل، وهذا منزلق خطير لا يحمد شرعًا, إذ إن الأمة تحتاج من أبنائها أن يكونوا قدوة لأجيالهم المستقبلية وأن يبحثوا عما يصلح الأبناء لا من يتسبب في خرابهم وضياعهم”(9).
والله من وراء القصد
وللكلام بقية، استأنفه بمشيئة الله في حلقة الغد.


(1) ابن تيمية، مجموع الفتاوى (٣٥/٦٩).
(2) ابن تيمية، الاستقامة ( ١/٢١٩).
(3) محمد بن عبد الوهاب النجدي، الرسائل الشخصية ( ص١٤٦).
(4) جواب سؤال طرح على فضيلته بعد درس شرح جامع الترمذي في الحرم المدني قبل صلاة العشاء “سلسلة أشرطة شرح جامع الترمذي”.
(5) الفوزان، شريط مفرغ من خلال دروس فضيلته، وفيه جواب عن السؤال: «هل يجوز إلقاء السلام على أتباع المبتدع»، والفتوى منشورة على الشبكة العنكبوتية.
(6) الذهبي، سير أعلام النبلاء (١٠/١٨،١٩).
(7) أخرجه ابن ماجة في سننه [ كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة ( ٢/ ١٣١٥ حديث رقم ٣٩٧٦ )]. والحديث حسن لغيره.
(8) بكر أبو زيد، تصنيف الناس بين الظن واليقين ( ص ٧٨).
(9) جزء فتوى للدكتور صادق البيضاني مسجلة بصوته ومفرغة على موقعه الالكتروني




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام