الأربعاء 15 ربيع الأول 1441 هـ || الموافق 13 نونبر 2019 م


قائمة الأقسام   ||    مختصر المنتقى من الفتاوى وزياداته    ||    عدد المشاهدات: 120

هل في القبر عذاب جسدي أم معنوي؟

بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني


س119: هل في القبر عذاب جسدي او معنوي؟


ج119: لا شك أن العذاب في القبر عذاب للروح والجسد معاً، والأدلة في ذلك كثيرة وقد سقتها في كتابي " شرح لامية ابن تيمية في العقيدة" والكتاب مطبوع، وإليكم ملخص الأدلة في هذا الباب :

الأول: أخرج أبو داود في سننه وأحمد في مسنده من حديث البراء بن عازب قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا ([1]) إلى القبر، ولمَّا ([2]) يُلْحَد ([3]) فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير ([4])، وفي يده عُودٌ ينكت ([5]) به في الأرض، فرفع رأسه فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثاً، وقال: وإنه ليسمع خَفْقَ ([6]) نعالهم إذا ولوا مدبرين ([7]) حين يقال له: يا هذا مَنْ ربك ؟، وما دينك؟، ومن نبيك؟ قال: ويأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: مَنْ ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعِثَ فيكم ([8]) ؟ فيقول هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولان: وما يدريك ([9])؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به، وصدقت.

فذلك قول الله عز وجل: "يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ"([10])، قال : فينادي منادٍ من السماء أنْ قد صدق عبدي فأفرشوه ([11]) من الجنة ، وافتحوا له باباً إلى الجنة ، وألبسوه من الجنة، قال: فيأتيه مِن رَوْحِها ([12]) وطيبها ([13]).

قال: ويُفتح له فيها مد ([14]) بصره، قال: وإن الكافر فذكر موته، قال: وتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه ([15]) لا أدري، فيقولان : ما هذا الرجل الذي بُعِثَ فيكم ؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي مناد من السماء أنْ كذب فافرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، قال : فيأتيه من حَرِّها وسَمُومِها ([16]).

قال: ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ([17])، قال : ثم يقيض ([18]) له أعمى ([19]) أبكم معه مِرْزَبَّة ([20]) من حديد ، لو ضُرِب بها جبل لصار تراباً، قال : فيضربه بها ضربة يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين ، فيصير تراباً، قال : ثم تعاد فيه الروح.

وللحديث ألفاظ وزيادات متفاوتة، وهو حديث صحيح.

الثاني: جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه حتى إنه يسمع قرع نعالهم أتاه ملكان، فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ -لمحمد- فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة، فيراهما، ويفسح له في قبره سبعون ذراعاً، ويملأ عليه خضراً إلى يوم يبعثون. وأما الكافر أو المنافق فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس، فيقال له: لا دريت ولا تليت، ثم يضرب بمطارق من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه".

الثالث: ثبت في مسند الإمام أحمد وغيره لما فاتت النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه صلاة العصر يوم الخندق قال: "ملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً، كما حبسونا عن صلاة الوسطى ".

وأدلة كثيرة غيرها، قال ابن القيم كما في كتابه الروح (ص58): "ومما ينبغي أن يُعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ، فكل من مات وهو مستحقٌ للعذاب ناله نصيبه منه، قبر أو لم يقبر، فلو أكلته السباع، أو أُحْرق حتى صار رماداً ونسف في الهواء، أو صُلب، أو غرق في البحر، وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى القبور" اهـ

وبهذا أكتفي، وبالله التوفيق.

 

([1])  وصلنا.

([2])  جازمة بمعنى لم.

([3])  يحفر ويقطع ويُعمل شق في جانبه.

([4])  كناية عن غاية السكون أي لا يتحرك منا أحد توقيراً لمجلسه صلى الله عليه وسلم.

([5])  يضرب بطرفه الأرض وذلك فعل المفكر المهموم.

([6])  صوت.

([7])  تركوه راجعين.

([8])  ما اعتقادك في الرجل الذي جاء فيكم يقول إنه نبي.

([9])  أي شيء أخبرك وأعلمك بما تقول.

([10])  سورة إبراهيم، الآية رقم (27).

([11])  ابسطوا له بساطاً.

([12])  الراحة والنسيم.

([13]) عطرها.

([14])  منتهى.

([15])  كلمة يقولها المتحير الذي لا يقدر من حيرته للخوف أو لعدم الفصاحة أن يستعمل لسانه في فيه (لا أدري) أي شيء أو ما أجيب به وهذا كأنه بيان لقوله هاه هاه، وقد تقدم بيان هاه هاه من الناحية اللغوية.

([16])  تأثيرها وريحها الحارة.

([17])  جمع ضلع، وهو عظم الجنب أي حتى يدخل بعضها في بعض من الشدة والتضييق والضغطة.

([18]) يسلط ويوكل.

([19])  كيلا يرحم.

([20])  المطرقة الكبيرة.




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام