الإثنين 10 صفر 1442 هـ || الموافق 28 شتنبر 2020 م


قائمة الأقسام   ||    دراسات منهجية في ظل الانحرافات الفكرية    ||    عدد المشاهدات: 502

الاختلاف في الفتوى وتهمة تحريف كلام بعض العلماء وبتره سببان من أسباب اختلاف االأمة وتمزق وحدتها

(ضمن موضوع دراسات منهجية في ظل الانحرافات الفكرية)
الحلقة (9)
بقلم د. صادق بن محمد البيضاني

مما لا يخفى على طلبة العلم والعلماء أن الخلاف نوعان:
الأول : مذموم غير مستساغ ؛ كخلاف المسلمين مع الكفار، وفيه يلزمنا الولاء للمسلمين والعداء للكافرين، ويدخل فيه الخلاف بين المسلمين أنفسهم مع بعضهم ممن نبذ نصوص الكتاب والسنة وقدَّم العقل والمنطق والفلسفة؛ كغلاة الصوفية والرافضة والجهمية والمعتزلة والبهائية والعلمانية واللبرالية ونحوها من الطوائف والنحل التي ينتسب أتباعها للإسلام في الجملة، إذ قد يصل بعضهم إلى درجة الكفر حسب صوره وأشكاله، لأن جنس الخلاف معهم يعود لأصول الشريعة التي بترك آحادها أو مناقضته يخرج عن دائرة الدين بعد إقامة الحجج وإزالة الشبه، وليس من هذا النوع: الخلاف الشاذ في مسائل الفروع مما وقع خطأ من بعض الأفاضل كتجويز بعض السلف لربا الفضل، وإباحة إتيان المرأة من دبرها، وإباحة شرب نبيذ العنب، ولا يعني ذلك عدم الإنكار على صاحب القول الشاذ، وإنما المقصود أنه لا يجوز العداء له ؛ بل يلزم مناصحته ومناظرته؛ لأنه يدين الله ويتقرب به إليه على اعتبار أنه من الدين الحق.
الثاني: الخلاف المستساغ، وهو الخلاف في فروع المسائل ووسائل العبادات، ومنه الاختلاف في بعض مسائل العقيدة مما لم تثبت فيه أدلة قطعية الدلالة من كتاب وسنة أو إجماع، وهو قليل؛ كاختلافهم في رسول الله عليه الصلاة والسلام هل رأى ربه أم لا؟ وفي أن عثمان أفضل من علي أم علي أفضل؟، وفي الجنة التي سكنها آدم هل هي جنة الخلد أم جنة الدنيا؟، ومن الخلاف المستساغ أيضا خلاف الصحابة في بعض مسائل الاعتقاد الفرعية : كسماع الميت قول الحي، وتعذيب الميت ببكاء أهله، ونحوها من المسائل الأخرى.
فهذا النوع الأخير بتفريعاته من الأمور المستساغة ويمكن الاختلاف في آحادها من غير إنكار بين المختلفين، مع لزوم اعتراف الجميع بحق من يختلف معه.
وللأسف أن بعض الخلافات المستساغة من جنس هذا النوع أدَّت اليوم ببعض الفضلاء إلى الخلاف والشحناء من غير هوادة.
قال سفيان الثوري: «إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه»([1]).
وقال يحيى بن سعيد الانصاري: «ما برح أولو الفتوى يختلفون ، فيحل هذا ويحرم هذا، فلا يرى المحرم أن المحل هلك لتحليله، ولا يرى المحل أن المحرم هلك لتحريمه» ([2]).
ويقول الشيخ عبد العظيم العنبري رحمه الله : “كنت عند أحمد بن حنبل، وجاءه علي بن المديني راكبا على دابة قال: فتناظرا في الشهادة [ يعني : الشهادة بالجنة للعشرة المبشرين بها] وارتفعت أصواتهما، حتى خفت أن يقع بينهما جفاء، وكان أحمد يرى الشهادة وعلي يأبى ويدفع، فلما أراد علي الانصراف قام أحمد فأخذ بركابه” ([3]).
ولذا قال شيخ الاسلام ابن تيمية: «ناظر الإمام أحمد أقواماً من أهل السنة في مسألة الشهادة للعشرة بالجنة، حتى آلت المناظرة إلى ارتفاع الأصوات، وكان أحمد وغيره يرون الشهادة ولم يهجروا من امتنع من الشهادة، إلى مسائل نظير هذه كثيرة» ([4]).
وقال رحمه الله: ” أما إذا لم يكن في المسألة سنَّة ولا إجماع، وللاجتهاد فيها مساغ لم ينكر على من عمل بها مجتهداً أو مقلداً([5]).
وقال رحمه الله : «مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم ينكر عليه ولم يهجر، ومن عمل بأحد القولين لم ينكر عليه»([6]).
وقال ابن القيم رحمه الله : «ووقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لا بد منه؛ لتفاوت إرادتهم وأفهامهم، وقوى إدراكهم، ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض وعدوانه، وإلا فإذا كان الاختلاف على وجه لا يؤدي إلى التباين والتحزب، وكل من المختلفين قصده طاعة الله ورسوله لم يضر ذلك الاختلاف، فإنه أمر لا بد منه في النشأة الإنسانية ، ولكن إذا كان الأصل واحداً والغاية المطلوبة واحدة والطريق المسلوكة واحدة لم يكد يقع اختلاف، وإن وقع كان اختلافاً لا يضر ـ كما تقدم من اختلاف الصحابة ـ فإن الأصل الذي بنوا عليه واحد وهو كتاب الله وسنة رسوله، والقصد واحد وهو طاعة الله ورسوله، والطريق واحد وهو النظر في أدلة القرآن والسنة وتقديمها على كل قول ورأي وقياس وذوق وسياسة» ([7]).
وقال النووي : « ليس للمفتي ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نصًّا أو إجماعاً أو قياسا جليًّا» ([8]).
وقال ابن مفلح: «لا إنكار على من اجتهد فيما يسوغ من خلافٍ في الفروع» ([9]).
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين :« وإذا رأيت من عالم خطأ فناقشه وتكلم معه، فإما أن يتبين لك أن الصواب معه فتتبعه، أو يكون الصواب معك فيتبعك، أو لا يتبين الأمر ويكون الخلاف بينكما من الخلاف السائغ، وحينئذ يجب عليك الكف عنه، وليقل هو ما يقول، ولتقل أنت ما تقول، والحمد لله، الخلاف ليس في هذا العصر فقط، الخلاف من عهد الصحابة إلى يومنا». ([10])
وقال رحمه الله : «والواجب على العلماء فيما بينهم إذا أخطأ أحدهم أن يتصلوا به فيناقشوه ، فإن كان الصواب معه تبعوه، وإن كان الصواب معهم يتبعهم، ثم لو فرض أنه أصرَّ على ما هو عليه وله وجه ـ لأن المسألة مسألة اجتهاد ـ فلا أرى أن يرد عليه أبداً، لأن الرد والأخذ والمناقشة في مسائل الاجتهاد بين العامة ـ لا شك ـ أنه ضرر، خصوصاً في هذا الوقت حيث يوجد أناس يدعون إلى التقليل من شأن العلماء، والكلام فيهم في المجالس، لأنهم فقدوا الزعامة التي يريدونها فصاروا مثل الزعماء الآخرين الذين عارضوا دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام لما فقدوا الزعامة التي يريدونها، ليس لهم سبيل إلى ما يريدون إلا أن يضعفوا الجانب الآخر، وهذا على خطر عظيم جداَّ، فأنا أرى أنه إذا وجد خطأ من أي عالم ـ والإنسان غير معصوم ـ فقد يخطئ ولا يتبين له خطأ إلا بمناقشة أن يتصل به ويبحث عنه، فإذا تبين الحق وجب على من تبين له الحق أن يتبعه، وإن لم يتبين وصارت المسألة فيها مساغ للاجتهاد فالواجب عدم الرد عليه» ([11]).
والحاصل في هذه المسألة : أن مثل هذه الخلافات المستساغة مما تقدم ذكره قد أدَّ اليوم ببعض الفضلاء إلى الخلاف والشحناء والهجر والبغض من غير هوادة، وسبب ذلك الغلو والجهل والهوى وحب الزعامة، ويختلف الحال من شخص لآخر حسب النوايا، والواجب جمع الكلمة واحترام كل صاحب رأي مستساغ شرعاً وعدم شق الصف وعدم عمل الفتنة بين المسلمين في أمور جعل الله فيها فسحة للمختلفين.
قال ابن تيمية: «وأما الاختلاف في «الأحكام» فأكثر من أن ينضبط، ولو كان كلما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة، ولقد كان أبو بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ سيدا المسلمين يتنازعان في أشياء لا يقصدان إلا الخير، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوم بني قريظة: “لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، فأدركتهم العصر في الطريق فقال قوم: لا نصلي إلا في بني قريظة وفاتتهم العصر، وقال قوم: لم يُرِدْ منا تأخير الصلاة فصلوا في الطريق فلم يعب واحداً من الطائفتين». أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن عمر»([12]).
وأما المسألة الخامسة من المسائل التي شقت الصف فهي : التهمة بتحريف كلام بعض العلماء وبتره.
وهذه التهمة مبالغ فيها، وذلك أن بعض المؤلفين يأخذ عبارة من كلام بعض العلماء بما يوافق ما يراه، فإما يخطئ في طريقة انتقاء الكلام الذي لا يتم معناه إلا بما بعده فيودعه في كتابه ظناً منه لفهم خطأ أن العالم الفلاني قصد مراده، وتارة يخطئ فهم كلام العلماء فيؤوله على غير مراده، وتارة يسقط منه شيء من ذلك سهوا، وربما السقط ممن صف كتابه وطبعه.
ولذا أقول : حمل المؤلف على السلامة لحين الاستفصال منه مطلوب شرعاً قبل تهمته بما لا ينبغي، وخصوصاً ممن عُرِفَ باستقامة منهجه وسلامة مشربه.
وقد اتفق أهل الملة على وجوب حمل ما يظهر من العلماء على حسن الظن وأحسن المحامل بحيث تُطرح التهمة والشك وإن كانت محتملة ، ويؤتى بالظن الحسن عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم : ” إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث” متفق عليه.
قال الخليل بن أحمد ([13]): ” أربع تُعرف بهن الأخوة : الصفح قبل الانتقاد له، وتقديم حسن الظن قبل التهمة ، وبذل الود قبل المسألة ، ومخرج العذر قبل العيب” ([14]).
والله من وراء القصد
وللكلام بقية، استأنفه بمشيئة الله في حلقة الغد.


([1]) الخطيب، الفقيه والمتفقه (٢/٦٩).
([2]) ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله ( ٢/٨٠).
([3]) المصدر السابق ( ٢/ ١٠٧).
([4]) ابن تيمية، بيان الدليل على بطلان التحليل ( ص٢١٠ ـ ٢١١).
([5])   ابن تيمية، بيان الدليل على بطلان التحليل ( ص 210-211).
([6]) ابن تيمية، مجموع الفتاوى ( ٢٠/٢٠٧).
([7]) ابن القيم، الصواعق المرسلة ( ٢/٥١٩).
([8]) النووي، شرح صحيح مسلم ( ٢/٢٤).
([9]) ابن مفلح، الآداب الشرعية، ( ١/١٨٦).
([10]) ابن عثيمين، كتاب العلم (ص ٢٢٠).
([11]) ابن عثيمين، تفسير سورة آل عمران ( ١/٣٧٤).
([12])   ابن تيمية، الفتاوى (24/173).
([13]) القاضي الشاعر الورع أبو سعيد الخليل بن أحمد بن محمد بن الخليل السجزي ، حدث عن ابن صاعد ومحمد بن حمدان بن خالد وغيرهما جليل مكثر ، روى عنه ابنه القاضي أبو سعد وأبو عمر النوقاني وعبد الرحمن الطبري الحافظ وغيرهم ، سكن سجستان ثم انتقل إلى بلخ وسكنها وسمع الكبار في البلدان [ تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر (17/ 31ـ34) ،مصدر سابق] وكذا [الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى لابن ماكولا (3/ 174) دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الأولى، 1411هـ]، وهو غير الخليل بن أحمد الفراهيدي صاحب العروض فهو متأخر وطبقة أبي سعيد متقدمة ومن تلاميذه محمد بن أبي الرجاء، وقد روى عنه ما سقناه من الأثر.
([14]) جزء ابن عمشليق لأحمد بن علي بن محمد الجعفري (ص500).




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام