الخميس 30 ذو القعدة 1443 هـ || الموافق 30 يونيو 2022 م


قائمة الأقسام   ||    مختصر المنتقى من الفتاوى وزياداته    ||    عدد المشاهدات: 508

ما حكم الجهاد اليوم؟

بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني 


س 258: ما حكم الجهاد اليوم؟


ج 258: حكم الجهاد واضح في الكتاب والسنة تحت ضوابط شرعية، لا تخرج هذه الضوابط عن نصوص الشرع ولا يحل لشخص أن يفتي فيه إلا بعلم ومن كان من غير أهل العلم فعليه أن يسأل أهل العلم المعتبرين لقوله تعالى: "فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ"(1).

فإن أفتوه لزمه أن يأخذ بالفتوى الصحيحة، مع لزوم أن يعرف حرمتهم وحقهم من التبجيل والاحترام وفق ما شرعه ربنا جلّ وعلا، فقد بلينا اليوم بجماعات عديدة تفرق بين أهل الإسلام وتتكلم على علمائها بغير حق ولا تحفظ لهم حرمة ولا مكانة إلا من رحم الله وقليل ما هم نسأل الله السلامة والعافية.

والجواب الشرعي لهذا السائل: أن يقال ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الجهاد فرض كفاية لقوله تعالى: "لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلًا وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا"(2).

ولقوله تعالى: "وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً"(3).

فقالوا قوله تعالى: "لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ"(4). يدل على أن القاعد عن الجهاد لا يأثم لوجود من يجاهد.

وقوله تعالى: "وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً"(5). يدل على: أنه إذا قام به البعض سقط إثمه عن البعض الآخر وإن لم يقم به من يكفي أثم الكل كفرض الأعيان.

وذهب بعض أهل العلم إلى وجوبه عملًا بقوله تعالى: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ"(6).

وبقوله: "قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ(7) وَهُمْ صَاغِرُونَ(8)"(9).

ولقوله تعالى: "انْفِرُواْ(10) خِفَافًا وَثِقَالًا(11) وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ"(12).

واستدلوا أيضا بما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة(13) من النفاق"( 14).

والجمع بين هذه الأدلة ونحوها أن نقول في المسألة تفصيل: فهو فرض كفاية إن كان أهل البلاد الإسلامية التي قاتلها الكفار مستطيعين في الدفاع عن بلادهم وأعراضهم وأموالهم أو ذهبت طائفة من المقاتلة بإذن ولي أمرها لغزو أهل الكفر فلا إثم على من قعد ما دامت قد خرجت فئة من الناس.

وعلى هذا يتنزل قوله تعالى: "لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلًا وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا "(15).

وقوله تعالى: "وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً "(16).

وإن كان أهل البلاد الإسلامية التي قاتلها الكفار غير مستطيعين في الدفاع عن بلادهم وأعراضهم وأموالهم وقد انتهكها الكفار فهنا يلزم وجوبًا القتال في سبيل الله وعليه يتنزل قوله تعالى: "قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ(17) وَهُمْ صَاغِرُونَ(18) "(19).
وقوله تعالى: "انْفِرُواْ(20) خِفَافًا وَثِقَالًا(21) وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ"(22).

وكذا يكون واجبًا في حق من أمرهم ولي أمر المسلمين من باب لزوم طاعته عملا بعموم قوله عليه الصلاة والسلام: "اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة"(23)، عن أنس.

وعملًا بقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ"(24).

ويلزم في فرض الكفاية أن يستأذن الخارج للقتال من ولي أمره.

فلا يكون الجهاد لازمًا مطلقًا بل لا بد من تفصيلات صحيحة ينظر الفقيه في جملة الأدلة ويفندها تحت ضوابط سليمة عليها أهل العلم من الفقهاء والأصوليين فكيف يكون واجبًا وجوبًا وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث إلى النواحي ويقيم هو وبعض أصحابه في المدينة.

فالفرض في ذلك موقوف على غلبة الظن فإذا غلب على الظن أن الغير يقوم به كجند لهم ديوان وفيهم كفاية أو قوم أعدوا أنفسهم لذلك وفيهم منعه سقط إثمه عن الباقين.

كما يشترط على الخارج للقتال سواء في العيني أو الكفائي منه أن يكون ذكرًا حرًا مستطيعًا يملك كفاية زاده.

وبخصوص قوله تعالى: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ"(25) فمعناه فُرض والفرض منه العيني ومنه الكفائي على ما سبق تفصيله ولا يستفاد من الآية أنه خاص بالعيني فليتنبه لذلك.

وأما قوله عليه الصلاة والسلام: "من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة(26) من النفاق "(27).

فهذا في حق من لم يحدث نفسه بالشهادة والدفاع عن دينه وعرضه ورضي الذل والهوان وأسقط في نفسه أحكام الجهاد على ما شرع الله جل وعلا فمن كان كذلك ففيه خصلة من النفاق إن مات على ذلك وهو تحت مشيئة الله فلا نشهد له بجنة ولا بنار ولكن نعتقد أن رحمة الله واسعة هذا معتقد أهل السنة والجماعة في ذلك.

وعليه فأحكام الجهاد في الكتاب والسنة وهي صالحة لكل زمان ومكان ولكن قلَّ من يفقهه ويعرف أصولها وفروعها على مراد الشارع الحكيم؛ وبالله التوفيق .
___
(1) سورة النحل، الآية (43).
(2) سورة النساء، الآية (95).
(3) سورة التوبة، الآية (122).
(4) سورة النساء، الآية (95).
(5) سورة التوبة، الآية (122).
(6) سورة البقرة، الآية (216).
(7) من قادين مستسلمين أو بأيديهم أو غنى أو قهر أو نقدًا أو إنعام عليهم وإبقائهم.
(8) أذلاء.
(9) سورة التوبة، الآية (29).
(10) من النفر وهو التنقل والخروج بسرعة من مكان إلى مكان لسبب من الأسباب الداعية لذلك.
(11) خفافًا: جمع خفيف والمراد النشاط والسرعة في الحركة ومن يستطيع التأهب بيسر، ثقالًا: جمع ثقيل وهو كل من وجد صعوبة في السفر والتأهب اليه بمشقة (أي في جميع الأحوال التي لا يعذر بها).
(12) سورة التوبة، الآية (41).
(13) أي قطعة، والمراد الخصلة أو الجزء.
(14) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب الإمارة، باب دم من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو (12/463 رقم 5040)] من حديث أبي هريرة.
(15) سورة النساء، الآية (95).
(16) سورة التوبة، الآية (122).
(17) من قادين مستسلمين أو بأيديهم أو غنى أو قهر أو نقدًا أو إنعام عليهم وإبقائهم.
(18) أذلاء.
(19) سورة التوبة، الآية (29).
(20) من النفر وهو التنقل والخروج بسرعة من مكان إلى مكان لسبب من الأسباب الداعية لذلك.
(21) خفافًا: جمع خفيف والمراد النشاط والسرعة في الحركة ومن يستطيع التأهب بيسر، ثقالًا: جمع ثقيل وهو كل من وجد صعوبة في السفر والتأهب اليه بمشقة (أي في جميع الأحوال التي لا يعذر بها).
(22) سورة التوبة، الآية (41).
(23) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الآذان، باب إمامة العبد والمولى (2/169 رقم 693)] من أنس بن مالك.
(24) سورة  النساء، الآية (59).
(25) سورة البقرة، الآية (216).
(26) أي قطعة، والمراد الخصلة أو الجزء.
(27) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب الإمارة، باب دم من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو (12/463 رقم 5040)] من حديث أبي هريرة.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام