الأربعاء 30 رمضان 1442 هـ || الموافق 12 ماي 2021 م


قائمة الأقسام   ||    مختصر المنتقى من الفتاوى وزياداته    ||    عدد المشاهدات: 83

لا يجوز الإقامة في بلاد الكفر لأسباب كثيرة إلا لحاجة لا بد منها كما سيأتي تفصيله، كما لا يجوز إعانة الكفار بالمال على المسلمين

بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني 


س 259: عملت لمدة خمس سنوات بالولايات المتحدة الأمريكية كطبيب وكنت أتقاضى راتبًا شهريًا من جهة عملي بأمريكا وكانت الحكومة الأمريكية تأخذ نسبة ليست بالقليلة من راتبي على شكل ضريبة (تقريبا 5%) وتتبرع بها لدعم دولة بني إسرائيل ويعلم الله لم أعلم بذلك إلا متأخرًا وسبب لي ذلك ضيقًا شديدًا كان أحد أسباب تركي لتلك الولايات اليهودية المتحدة خاصةً بعد ما كنت أراه من ظلم لأهلنا بفلسطين كنت أحسّ والعياذ بالله أنني مشترك فيه، هل أنا آثم على ذلك؟ وماذا يلزمني عمله تكفيرًا لذنبي من غرامات مالية؟


ج 259: لا يجوز للمسلم أن يعيش في بلاد الكفار وذلك لما فيه من الأضرار العديدة والتي منها:

1- إلزام المسلمين بقوانين كفرية مقيتة كعدم الأحقية للوالد إذا بلغ أبناؤه أن يمنعهم ما يريدون من الإباحية والفسق والمجون وهذا أمر خطير فما جواب الوالد الذي يقيم هنالك عندما يسأله ربه كيف فرطت في رعيتك التي استرعيتك وفي الحديث المتفق عليه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كلكم راع و مسؤول عن رعيته فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته والرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها والخادم في مال سيده راع وهو مسئول عن رعيته فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"(1).                                  
 وما جوابه عندما يقول الله في حقه وفي حق أمثاله: "وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ"(2).            
 فالأبناء أمانة في عنق الأب فإذا فرط في أمانته من أجل لقمة العيش وعَرَض الدنيا فقد باع آخرته بدنياه الفانية، وغش أبناءه وعودهم الفسق والمجون حتى صار ذلك سلسلة جائزة في ذريته الذين عودهم وكأنه أمر جائز  فعله، وإثم ذلك كله على الوالد فإن النبي عليه الصلاة والسلام يقول في الحديث الصحيح: "ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء"(3).

فيا سبحان الله ما بال أبناء جلدتنا غفلوا عن الشرع وقدموا ملذات الحياة وإن كان ذلك على حساب دينهم وأبنائهم، فالأمر جد خطير.

2- إلزام المسلمين بعدم التدخل في إنكار المنكر علنًا وهذا ظاهر واضح لا يخفى فإن بلاد المسلمين والحمد لله رغم ما في بعض أبنائها من التقصير إلا أنك تجد نوعًا من الاستجابة لإنكار المنكر وللمسلم الحق أن يشتكي إلى أي قسم من أقسام الشرطة من أجل إنكار منكر خالف شرع الله.
 أما بلاد الكفار فإن المسلم يخالطهم و يشاربهم ويجالسهم ويمنع بأمر الدولة الكافرة أن ينكر عليهم شيئًا يخالف الدين وهذا الصنف يخشى عليه من اللعنة فإن بني إسرائيل ما استحقوا اللعنة إلا بسبب مخالطتهم للمحاربين للدين مع أن منهم من كان ينكر المنكر خلاف الذي عليه اليوم رعايا المسلمين في بلاد الكفر فقد صح عند الأربعة إلا النسائي عن أبي عبيدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن بني إسرائيل لما وقع فيهم النقص كان الرجل فيهم يرى أخاه على الذنب فينهاه عنه فإذا كان الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله و شريبه وخليطه فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ونزل فيهم القرآن فقال: "لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون فقرأ حتى بلغ ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون"(4)، قال وكان نبي الله صلى الله عليه وسلم متكئًا(5) فجلس فقال: "لا حتى تأخذوا على يد الظالم فتأطروه على الحق أطرًا(6)"(7)؛ فمن من المسلمين اليوم في بلاد الكفر يقول للكافر هذا لا يحل في ديني ولا يحق لك أن تلزمني به، نسأل الله العافية والسلامة.

3- إقامة دور الدعارة والإباحية علنًا، والحديث عنه يطول وفي بلادهم بعض الأماكن التي يجلس فيها عامة الناس عراة كما خلقهم الله ويختلط عشرات الرجال مع عشرات النساء لعمل فاحشة الزنا بل واللواط، وتعلن هنالك الإعلانات في الإذاعات المرئية والمسموعة وفي لافتات الطرق لدعوة الناس للمشاركة دون حياء رغم أن عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام ما أباحه لهم فهو حرام في دينهم لكن كذبوا وافتروا على عيسى أنه قال: ما لقيصر لقيصر و ما لله لله، وهذا غاية الجحود والعياذ بالله، وأعجب من ذلك أن كثيرًا من المسلمين الوافدين إلى تلك البلاد يحضرون هذه النوادي إلا من رحم الله ويشاركون في عملية الزنا واللواط بأساليب حيوانية حتى فضح بعضهم عبر شاشات الإنترنت والأفلام الماجنة فأين نحن معاشر المسلمين من غضب ربنا جل وعلا الذي يقول: "وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا"(8)؛ وإننا نخشى من غضب الله على من يرضى أن يعيش في بلاد الكفار وهو يعلم هذه المنكرات فكيف يهنأ له عيش مع من قال الله في حقهم لنبيه محمد: "وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ"(9).

ولكن للأسف فتنوا المسلمين اليوم وأدخلوا في قلوبهم حب الدنيا وكراهية الموت.

4- محاربتهم لدين الله ليلًا نهارًا جهارًا ولا ينكره عاقل من المسلمين وهذه العداوة قديمة ذكرها الله في كتابه ولا زالت العداوة حتى اليوم.

قال تعالى: "وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ"(10).
               
وقال جل شأنه: "وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً"(11).
وقال سبحانه: "مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ"(12).
                                    
 فما هو موقف المسلمين من هذه العداوة التي يعلنها الكفار ضد المسلمين سوى الصمت والتغاضي في سبيل لقمة العيش مع أن الله يقول للخلق أجمعين: "إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ"(13).

5- إلزام تجار المسلمين إذا أقاموا محطات البترول والمحلات الغذائية أن يبيعوا الخمور التي حرمها الله فقال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ"(14).

ومع ذلك يستجيب المسلمون لأنهم يعلمون أنهم إن لم يستجيبوا فلن يسمح لهم بالمتاجرة فيبع المسلم هنالك الخمر للمسلمين الوافدين العصاة ولأهل الكفر وكأن الشرع ما حرمه وفاعل ذلك ملعون لقول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: "لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها و مبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه"(15).

6- إلزام كل مسلم يعمل في أمريكا وبعض الدول الكافرة بدفع نسبة مئوية من المرتب ليهود إسرائيل وهذا من الموالاة لأهل الكفر عبد الطاغوت وأبناء القردة والخنازير والعمل في تلك البلاد إن صح وجود دفع هذه النسبة لليهود يعتبر من الود الخفي لأهل الكفر، وربنا يقول سبحانه: "لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ(16) مَنْ حَادَّ(17) اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ(18) فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ(19)"(20) فجعل سبحانه ود أهل الكفر من الموالاة لمن حاد الله ورسوله.

بل في ذلك إعانة للكفار على أهل الإسلام وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الحسن لغيره أنه قال: "من أعان على خصومه بظلم، أو يعين على ظلم، لم يزل في سخط الله حتى ينزع"(21).

وماذا بعد هذا الظلم الذي صدر من اليهود نحو إخواننا الفلسطينيين. فكيف يطيب لأولئك الوافدين من أهل الإسلام أن يعملوا في بلاد الكفر ويدفعوا أموالهم لليهود ليقتلوا أبناء الأمة الإسلامية وينتهكوا حرمات المسلمين ويسيحوا في الأرض فسادًا إن هذا من أعظم الظلم ومن التعاون على الإثم والعدوان وربنا يقول: "وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ"(22).

الذي يلزم المسلم هو أن يقف مع أخيه المسلم بنفسه وماله لله وحده لا أن يعين أهل الكفر على إخوانه المسلمين، فليتق الله أولئك النفر.

7- وجود سبيل وعزة لأهل الكفر على المسلمين وفي هذا إذلال وتحقير لأهل الإسلام.
والإسلام الحنيف ما جعل لهم عزة ولا مكانة بل أذلهم وجعلهم تحت قيود الشرع الحنيف فكيف تكون لهم العزة على المسلين والله يقول في كتابه الكريم: "قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ(23) وَهُمْ صَاغِرُونَ(24)"(25).

وقال جل شأنه: "وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا"(26).

فرحم الله هارون الرشيد الذي بعث رسالة إلى أجدادهم الكفرة وخاطب ملكهم بعزة الإسلام فقال: بسم الله الرحمن الرحيم من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة والجواب ما تراه دون أن تسمعه والسلام.

ثم شخص من يومه وسار فغزا الروم ففتح وغنم واصطفى وأفاد فرحم الله أجدادنا ما أحوجنا إلى التشبه بهم والعودة إلى ديننا.

8- لما في ذلك من المولاة التي تتضمن الخضوع لكافة القوانين الكفرية التي تحارب الإسلام وربنا يقول: "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ"(27).

وقال سبحانه: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ"(28).

9- لما في ذلك من الأخطار بسبب اختلاط المسلمين مع الكفار الأمر الذي بسببه يفتن المسلم ويتأثر بما عليه الأعداء ويتنازل عن دينه وعن كثير من الأحكام التشريعية ولكون ذلك عاملا كبيرًا في تقليدهم وكل ما كان سببًا لحرام فهو محرم وهو ما  يعبر به عند الفقهاء بالوسيلة.

10- عدم أمن المسلمين من بطشهم والعياذ بالله وقد لوحظ هذا من خلال الفتنة التي دبرها اليهود وألصقوها بالمسلمين من تفجير بعض المباني في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تعرض المسلمون هنالك للقتل والتهديد وكان البعض يتصل بأسرته ويقول أنا لا أستطيع أن أخرج خوفًا من أن أقتل.

11- عدم أمن المسلمين على حفظ حرمة المصحف والكتب الدينية فإن المسلم إذا عاش في بلاد الكفار يحمل معه المصحف وبعض الكتب الدينية فتنتهك من قبل الأعداء بغير حق، وقد يقول قائل لكننا نجد أمن ذلك في بعض البلدان الكافرة.

فالجواب: أن هذا أمن نسبي فلا يؤمن من خونه الله ورسوله وأذله من اليهود والنصارى وخصوصًا أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن السفر بالمصحف إلى بلاد الكفر.

12- تحاكم بعض المسلمين عند التنازع هنالك إلى حكام كفرة فكم من المسلمين من يتحاكم إلى محاكمهم الكفرية عند أن يتنازع مع أخيه المسلم فيحكم له القاضي بموجب الحكم الطاغوتي المحارب للدين وربنا يقول جل شأنه: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ(29) وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا"(30)، وهذه الآية في الأصل أنها نقد لأهل الكفر فما بال كثير من المسلمين أخذوا بعنان فعلهم، وقال سبحانه في كتابه الكريم: "فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا"(31).

13- لا حق للزوج أن يمنع زوجته من اتخاذ العشيق ومزاولة الفاحشة مع أي شخص أرادته، فيا سبحان الله من هو المسلم الذي يستطيع أن يحاكم زوجته هنالك إن اتخذت لها عشيقًا من دون زوجها، ومعنى ذلك أن الرجل قد يرضى بطريقة أو بأخرى الخبث في أهله وفي الحديث الصحيح يقول النبي عليه الصلاة والسلام: "ثلاثة لا يدخلون الجنة أبدا: الديوث، والرجلة من النساء، ومدمن الخمر" قالوا: يا رسول الله ! أما مدمن الخمر فقد عرفناه، فما الديوث؟ فقال: "الذي لا يبالي من دخل على أهله" قلنا: فما الرجلة من النساء. قال: "التي تشبه بالرجال"(32).

فأين قوامة الرجل المسلم التي شرفه الله بها على زوجته فقال تعالى: "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ(33) عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ(34) حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ(35) بِمَا حَفِظَ اللّهُ(36) وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ(37) فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا(38) إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا"(39).
فكيف بكثير من المسلمين تحكمهم زوجاتهم أو تكون كلمتهن عليهم عظيمة فتذهب المرأة لتصادق من تشاء والرجل يصادق من العشيقات من يشاء بلا استحياء ولا خوف من الله، ومن أيام اتصلت بي أسرة مسلمة من أمريكا تشتكي لي من زوجها وأنه انشغل عنها بعشيقته فيا للأسف كيف تخاذل كثير من المسلمين عن دينهم نسأل الله العافية والسلامة.

وهناك أسباب كثيرة لا يمكن حصرها في مقام كهذا تُلزم المسلم بعدم الإقامة في بلاد الكفار لما في ذلك من الأخطار الجسيمة.

ثم كيف بنا والرسول عليه الصلاة والسلام يقول كما في المسند وعند النسائي بإسناد حسن: "لا يقبل الله من مشرك عملًا بعد ما أسلم أو يفارق المشركين"(40)، ويقول أيضًا في الحديث الآخر وهو حسن لغيره: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين"(41).

ومع كل ذلك فنحن لا ندعو المسلمين أن يعلنوا حالة النفير على الأعداء بقتل الأبرياء وتفجير منازلهم ومحاربة رعياهم في بلاد المسلمين كلا ولكن ندعو إخواننا المسلمين في كل مكان أن يحسنوا إليهم بالنصح والدعوة إلى الله حتى يلتئم صف المسلمين وتقوى شوكتهم وكلمتهم وندعو المسلمين إلى أن يحكموا دينهم في أنفسهم وأن يعيدوا تاريخهم التليد بالطرق الصحيحة فيبدأ المسلم بنفسه فإذا أصلح نفسه وأصلح أمة عظيمة لها إمامها ودولتها هنا حق له أن يطالب بإعلان الحرب ضد الأعداء مع السعي إلى ذلك أما وحال المسلمين على ما هو عليه من التردي فلا لكن لا يمنع من العدة بشرط أن يأمن من المفاسد.

لماذا؟ .. لأن الحال العام في الأمة يؤكد أن الأمة الإسلامية ضعيفة وعلى خطر كبير تحيط بها الأخطار من كل حدب وصوب ولانشغالها بزخرفة الدنيا وبعدها عن دينه الأمر الذي جعل المسلمين يهابون دول الكفر والنفاق وهذا مصداق لما حدثنا به نبينا عليه الصلاة والسلام.

فقد أخرج الإمام أحمد و أبوداود  عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوشك الأمم أن تداعى(42) الأمم أن تداعى(43) عليكم كما تداعى الأكَلة(44) إلى قصعتها".
فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟.
قال: "بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غُثاء كغثاء السيل(45) ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن".
فقال قائل يا رسول الله: وما الوهن؟
قال: "حب الدنيا وكراهية الموت"
(46). والحديث حسن لغيره.

وللأسف أن كثيرًا من المسلمين اليوم يطالبون بنصر الله وهم على هذه الحالة المزرية مع أن الله اشترط للنصر الإيمان الصادق فقال جل شأنه: "وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ"(47).

فهل تحقق الإيمان في قلوب المسلمين الجواب: لا.
إذن: لا نصر.
المسلمون اليوم لا يملكون قوة معنوية وهي الإيمان الصادق ولا قوة مادية وهي: السلاح المادي لحرب العدو.

والعدو لا يملك القوة المعنوية لكنه بحق يملك القوة المادية فلا غرابة أن الغلبة اليوم من نصيبه لأن المسلمين فقدوا القوتين وفاقد الشيء لا يعطيه.

لكن لا يلزم المسلمين أن يكونوا أقوياء ماديًا بل اللازم أن يكونوا أقوياء معنويًا لأن الآية السابقة اشترطت القوة المعنوية ليس غير.

ولذا فنبينا عليه الصلاة والسلام وأصحابه كانوا ضعفاء من ناحية حسية فلا يملكون العتاد والعدة والقوة التي لدى الفرس والروم وإنما يحملون إيمانًا صادقًا يزلزل الكفر وأعوانه فنصرهم الله وأيدهم بجنده وأظفرهم على أعدائه فلما اعتز المسلمون بدينهم أعزهم الله ونصرهم على أعدائهم.

ولا يعني من كل ما سبق أنه لا يجوز السفر إلى بلاد الكفار مطلقًا بل يجوز في حق العلماء والدعاة إلى الله ليبلغوا هذا الدين ويجوز في حق من ذهب لقصد العلاج فيحمل النهي في الحديثين السابقين على من لم يأمن على دينه وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الحديثين يدلان على كراهية أن يسكن الرجل في بلاد الكفار لأنه لا يأمن على دينه وأجاز ذلك السلف وغيرهم للدعاة إلى الله لما في ذلك من دفع المفاسد وجلب المصالح ونشر الدعوة وهذا مشهور عن علمائنا الأجلاء في القديم والحديث ومثل ذلك الطريد من بلده الاسلامي، ومن لم يأمن في بلده وكذا من حورب في رزقه ومثله سفير بلده وما احتاجهم من الموظفين ومن كانت له مصلحة لا بد منها ونحوها مما لا بد منه.

أما البقاء هنالك لغير ما سبق فلا يجوز على الصحيح من أقوال أهل العلم، بل يلزم الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام طالما والاستضعاف حاصل عملًا بقوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا"(48).

وقال جل شأنه: "وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا"(49).

ونحن نهنيء السائل الذي أنقذه الله من بلاد الكفر بهجرته إلى بلاد المسلمين وطالما وهو لا يعلم أن نسبة من مرتبه تذهب لليهود فهو معذور لأنه كان يجهل ذلك أما وقد علم فيلزم التوبة والاستغفار والابتعاد عن بلاد الكفار وترك الوظيفة ولا يلزم في ذلك كفارة، وأظن أني قد وفيت ببعض المقصود في هذه المسألة؛ وبالله التوفيق.
______
(1) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس, باب العبد راع في مال سيده ولا يعمل إلا بإذنه (2/848 رقم 2278)]، ومسلم في صحيحه [كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم (2/1459 رقم 1829)] كلاهما من حديث ابن عمر.
(2) سورة الصافات، الآية (24).
(3) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة وأنها حجاب من النار (2/704 رقم 1017)] من حديث جرير بن عبد الله. 
(4) سورة المائدة، الآية (78).
(5) على أحد شقيه أو مستندا إلى ظهره أو متربعًا.
(6) فتصرفوه عن ظلمه إلى الحق.
(7) أخرجه الترمذي في سننه [كتاب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ومن سورة المائدة (5/252 رقم 3048)] من حديث أبي عبيدة.
(8) سورة الإسراء، الآية (16).
(9) سورة المائدة، الآية (49).
(10) سورة البقرة، الآية (120).
(11) سورة النساء، الآية (102).
(12) سورة البقرة، الآية (105).
(13) سورة الذاريات، الآية (58).
(14) سورة المائدة، الآية (91).
(15) أخرجه أبوداود في سننه [كتاب الأشربة، باب في العنب يعصر للخمر (2/350 رقم 3674)] من حديث ابن عمر.
(16) يحبون ويناصرون على ما لا يرضي الله. 
(17) خالف وعادى.
(18) ثبته وغرسه.
(19) قواهم بوحيه، ومعونته، وإحسانه.
(20 ) سورة المجادلة، الآية (22).
(21) أخرجه ابن ماجة في سننه [كتاب الأحكام، باب من ادعى ما ليس له وخاصم فيه (2/778 رقم 2320)] من حديث ابن عمر.
(22) سورة المائدة، الآية (2).
(23) من قادين مستسلمين أو بأيديهم أو غنى أو قهر أو نقدًا أو إنعام عليهم وإبقائهم.
(24) أذلاء.
(25) سورة التوبة، الآية (29).
(26) سورة النساء، الآية (141).
(27) سورة المائدة، الآية (55).
(28) سورة المائدة، الآية (51).
(29) اتركوا كل معبود دون الله (محبوب مطاع عليه...) كالشيطان والكاهن والصنم وكل من دعا إلى الضلال.
(30) سورة النساء، الآية (60).
(31) سورة  النساء، الآية (65).
(32) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان [الثاني والسبعون من شعب الإيمان وهو باب في الغيرة والمذاء (22/210 رقم 10388)] من حديث عمار بن ياسر.
(33) جمع قوام: صيفة مبالغة وهو القائم بما يصلحهن.
(34) مطيعات بتأدية الحقوق.
(35) قائمات بالحقوق (خُص التي للزوج هنا) عند وجود الزوج أو غيره أو أو لا، حافظة لما ينبغي كتمانه (خُص التي للزوج هنا).
(36) ما مصدرية أي بحفظه تعالى إياهن بالأمر بحفظ الغيبِ والحثِّ عليه بالوعد والوعيد والتوعيدِ والتوفيقِ له، أو موصولةٌ أي بالذي حفِظَ الله لهن عليهم من المَهر والنفقةِ والقيامِ بحفظهن والذبِّ عنهن، وقيل غير ذلك.
(37) عصيانهن وترفعهن عن الطاعة التي عليها.
(38) فلا تطلبوا سبيلاً وطريقاً إلى التعدي عليهن، أو لا تظلموهن بطريق من الطرق بالتوبيخ اللساني والأذى الفعلي وغيره واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن، وحاصل المعنى إذا استقام لكم ظاهرهن فلا تعتلوا عليهن بما في باطنهن.
(39) سورة النساء، الآية (34).
(40) أخرجه النسائي في سننه [كتاب الزكاة، من سأل بوجه الله عز وجل (5/82 رقم 2568)]، ابن ماجة في سننه [كتاب الحدود، باب المرتد عن دينه (2/848 رقم 2536)]، أحمد في مسنده [أول مسند الكوفيين، حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده رضي الله تعالى عنه (5/4رقم 20049)] كلهم من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده.
(41) أخرجه أبوداود في سننه [كتاب الجهاد، باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود (4/155 رقم 1604)] من حديث جرير بن عبد الله.
(42) يقرب.
(43) يدعو بعضهم بعضا لمقاتلتكم وكسر شوكتكم وسلب ما ملكتموه من الديار والأموال.
(44) كما يدعو أكلة الطعام بعضهم بعضا.
(45) ما يحمله السيل من زبد ووسخ شبههم به لقلة شجاعتهم ودناءة قدرهم وخفة أحلامهم.
(46) أخرجه أحمد في مسنده [باقي مسند الأنصار، ومن حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه (5/278 رقم 22450)] من حديث ثوبان.
(47) سورة  الروم، الآية (47).
(48) سورة النساء، الآية (97).
(49) سورة النساء، الآية (100).




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام