الخميس 8 ربيع الآخر 1441 هـ || الموافق 5 دجنبر 2019 م


قائمة الأقسام   ||    دراسات منهجية في ظل الانحرافات الفكرية    ||    عدد المشاهدات: 297

خطر الحكم على المشايخ بالابتداع والتحذير منهم بمجرد وقوعهم في بدعة أو شبهة أو زلة ونحوها

(ضمن دراسات منهجية في ظل الانحرافات الفكرية)
الحلقة (16)
بقلم د. صادق بن محمد البيضاني

وقع بعض المشايخ في أخطاء لا تصل بهم لدرجة البدعة، ومِنْ المشايخ من وقع في لفظة وافقت قولاً لبعض المبتدعة من غير قصد لمعرفة الأمة باستقامة هؤلاء المشايخ وبأصولهم ودفاعهم عن السنة وأهلها، ومع ذلك نجد أن بعض المنتسبين للعلم يلحقهم بالمبتدعة ويحذر منهم قبل تحرير المسألة الواقعة، وقبل عرضها على نصوص الكتاب والسنة وأقوال أئمة الدين.
قال ابن تيمية رحمه الله: «ما ثبت قبحه من البدع وغير البدع المنهي عنه في الكتاب والسنة، أو المخالف للكتاب والسنة إذا صدر عن شخص من الأشخاص، فقد يكون على وجه ويعذر فيه، لاجتهاد أو تقليد يعذر فيه، وإما لعدم قدرته»([1])اهـ.
وقال رحمه الله: «وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة، وإما لآيات فهموا منها ما لم يُرد منها، وإما لرأي رأوه، وفي المسألة نصوص لم تبلغهم، وإذا اتقى الرجل ربه ما استطاع دخل في قوله: “رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينَا أو أَخْطَأنا” [ البقرة: ٢٧٦٦ ] وفي الصحيح يقول الله عز وجل: «قد فعلت»([2])اهـ.
وقال رحمه الله: «كما قررته في غير هذا الموضع وقررته أيضاً في أصل التكفير والتفسيق المبني على أصل الوعيد؛ فإن نصوص الوعيد التي في الكتاب والسنة، ونصوص الأئمة بالتكفير والتفسيق ونحو ذلك لا يُستلزم ثبوت موجبها في حق المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، لا فرق في ذلك بين الأصول والفروع»([3])اهـ.
وقال رحمه الله: «هذا مع أني دائماً ومن جالسني يعلم ذلك مني، أني من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أن قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة، وفاسقاً أخرى، وعاصياً أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها ، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية، وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا بمعصية»([4])اهـ.
وقال ابن القيم رحمه الله: «وذو النون أحد الشيوخ الذين حضروا السماع تأويلاً ـ وليس ذو النون بأجلَّ من سفيان الثوري وشريك بن عبد الله ومسعر بن كدام ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وغيرهم من أئمة الكوفة، الذين استحلوا النبيذ المسكر تأويلاً، ولا بأجلَّ من عطاء بن أبي رباح وابن جريج وغيرهما ممن استحل الأكل في رمضان بعد طلوع الفجر، ولا بأجلَّ ممن استحل أكل ذي الناب من السباع والمخلب من الطير، ولا بأجلَّ ممن استحل إتيان النساء في أدبارهن، ولا بأجلَّ ممن جوَّز للصائم أكل البرد، ولا بأجلَّ ممن جوَّز نكاح الزانية مع استمرارها على البغاء، وجوز نكاح البنت المخلوقة من مائة سفاحاً، وغير ذلك بالتأويل، وكذلك الذين استحلُّوا قتال على بن أبي طالب من أهل الشام، وكذلك الذين قاتلوا معه من أهل العراق والحجاز إلى أمثال ذلك مما تنازعت فيه الأمة، فليس لأحد أن يحتج لأحد القولين لمجرد قول أصحابه وفعلهم وإن كانوا من أهل العلم والدين، وليس لعالم أن يترك الإنكار عليهم وبيان ما بعث الله به رسوله لأجل محلهم من العلم والدين، ولا لأحد أن يقدح فيهم ويفسقهم، لما هم عليه من العلم والدين، فلا يحتج بقولهم ولا يؤثمهم ولا يترك الإنكار عليهم، فهذا ميزان أهل العلم والاعتدال» ([5]).
قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -: “وإذا وقع الخطأ يُبيَّن الخطأ بالأسلوب الحسن، والمفاهمة، بقصد الفائدة ليس بقصد التشهير والعيب، وبعض الناس يكتب نشرات في بعض الدعاة، نشرات خبيثة رديئة، لا ينبغي أن يكتبها طالب علم، لأنه أخطأ في كلمة، أو ظن أنه أخطأ في كلمة، فلا ينبغي هذا الأسلوب، طالب العلم الحريص على الخير يسأل عما أشكل عليه بالأسلوب الحسن، والدعاة ليسوا معصومين سواء كانوا مدرِّسين أو خطباء أو في محاضرة أو في ندوة”([6]).

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -: “نقول كل إنسان مهما بلغ من العلم والتقوى، فإنه لا يخلو من زلل، سببه إما الجهل أو الغفلة أو غير ذلك، لكن المنصف كما قال ابن رجب – رحمه الله – في خطبة كتابه (القواعد): المنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه.
ولا أحد يأخذ الزلات ويغفل عن الحسنات إلا كان شبيهاً بالنساء، فإن المرأة إذا أحسنتَ إليها الدهر كله، ثم رأت منك سيئة واحدة قالت: لم أرَ منك خيراً قط.
ولا أحد من الرجال يحبُّ أن يكون بهذه المثابة أي بمثابة الأنثى، يأخذ الزلة الواحدة، ويغفل عن الحسنات الكثيرة”([7])اهـ.
وقال – رحمه الله -: “وأما اتخاذ السلفية كمنهج خاص ينفرد به الإنسان، ويضلل من خالفه من المسلمين ولو كانوا على حق، فلا شك أن هذا خلاف السلفية”([8]).

وقال – رحمه الله -: “لكن بعض من انتهج السلفية في عصرنا هذا صار يُضلِّل كل من خالفه ولو كان الحق معه، واتخذها بعضهم منهجاً حزبياً كمنهج الأحزاب الأخرى التي تنتسب إلى الإسلام”([9]).
وقال الشيخ صالح الفوزان سلمه الله : “من مفاسد التفرق كذلك حصول التفرقة بين المسلمين، بسبب اشتغال بعضهم ببعض في التجريح بالألقاب السيئة، و كلٌّ يريد أن ينتصر لنفسه من الآخر، فينشغل المسلمون بأنفسهم، وهذا يكون على حساب تعلُّم العلم النافع، فإن كثيرًا كثيرًا من طلبة العلم فيما يبلغنا أن همهم وشغلهم الشاغل هو الكلام في الناس، وفي أعراض الناس في مجالسهم، وفي تجمعاتهم، يخطّئون هذا، ويصوّبون هذا، ويزكون هذا، ويضلّلون هذا، فليس لهم شغل إلا الكلام في الناس”([10])اهـ.

ولا يعني ما تقدم أننا ندعو الفضلاء إلى ترك الردود العلمية على المخالفين من أهل الأهواء والبدع أو أهل الانحراف عن الدين أو غيرهم ممن ثبتت في حقه البدعة وتمسك بها ودعا إليها رغم قيام الحجج المفحمة عليه، بل القضية تتعلق بحق إخوانهم الذين وقعوا في خطأ غير مقصود أو اختلفوا معهم في مسائل يسوغ فيها الخلاف والاجتهاد سواء كانت مسائل عارضة في عصرنا الحاضر أو مسائل سبق الخلاف فيها مما لا يتصادم مع نصوص الشريعة.
ومما ينبغي التنبيه عليه في هذا الباب: أنه يجب على المسلم الدفاع عن أعراض إخوانه العلماء والدعاة وغيرهم من عامة الناس إذا انتهكت أعراضهم أمامه.
وهذا واجب شرعي كاد أن يغيب اليوم في صفوف كثير من المتعلمين خلافاً لما كان عليه الأوائل.
وقد ثبت في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: “مَنْ رَدَّ عن عرض أخيه، ردَّ الله عن وجهه النار يوم القيامة”([11])اهـ.
وثبت أنه صلى الله عليه وسلم ردَّ غيبة مالك بن الدخشم، وقال للقائل الذي قال: إنه منافق لا يحب الله ورسوله: “لا تقل ذاك، ألا تراه قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله”، فقال: الله ورسوله أعلم، أما نحن فوالله لا نرى وده ولا حديثه إلا إلى المنافقين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله”([12]).
وردَّ معاذ بن جبل غيبة كعب بن مالك، لما قال الرجل فيه عند النبي صلى الله عليه وسلم: حبسه النظر في برديه، فقال معاذ: “بئس ما قلت! والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً”([13])اهـ.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: “والواجب – بارك الله فيك – لمن صدر منه ما يُنتقد عليه, أن يدافع الإنسان عن أخيه إذا سمع من ينتقده في هذا، ويقول: لعله اشتبه عليه الأمر، لعل له تأويلاً، لا سيما من عُرف بالصدق والإخلاص، وحب نشر العلم”([14])اهـ.
ومما ينبغي التنبيه عليه أيضاً: أن الخلائق غير مطالبة شرعاً بجرح فلان من الناس، فهذا شيء لم يكلفك الله به، فإن كلفت نفسك به وجرحت غيرك تعرضت للسؤال عنه يوم القيامة وحُق لمن ظلمته أن يقتص منك، نعم من واجب العالم الورع التقي الذي توفرت في حقه شروط الجرح أن يجرح المخالف للشرع – من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – جرحاً موازياً للخطأ على قدر الحاجة بما يزيل المفسدة بميزان العدل والإنصاف، ولديه جواب وحجة إذا عُرض يوم العرض على الله، وإلا اقتص منه حتى وإن كان أعلم الخلق وأتقاهم، فما بالكم بمن هو دون العلماء الورعين الأتقياء، فاتقوا الله وأعدوا الجواب والعدة ليوم العرض على الله، يا من جرحتم من غير روية، رحمني الله وإياكم.
وللكلام بقية، استأنفه بمشيئة الله في حلقة الغد.

……….الحواشي……….

([1]) ابن تيمية، مجموع الفتاوى (١٠/٣٧٢).
([2]) المصدر السابق، (١٩/٢٨٦). والحديث أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب الإيمان، باب بيان قوله تعالى: (وإِن تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُم أو تُخْفُوه)[البقرة:٢٨٤] (١/١١٦ رقم الحديث ١٢٦)]، من حديث ابن عباس رضي الله عنه
([3]) المصدر السابق، الموضع نفسه.
([4]) ابن تيمية، مجموع الفتاوى ( ٣/٢٢٩ـ٢٣٠).
([5]) ابن القيم، الكلام على مسألة السماع (ص ٢٦٥ ما بعدها).
([6]) ابن باز، محاضرة صوتية بعنوان “نصيحة ووجوب حسن الظن بالدعاة والعلماء لسماحته”.
([7]) ابن عثيمين، لقاءات الباب المفتوح، جمع الطيار (455 – 456/3).
([8]) ابن عثيمين، لقاء الباب المفتوح، السؤال رقم: (1322).
([9]) المصدر السابق.
([10]) الفوزان، كتاب محاضرات في العقيدة والدعوة (69/3).
([11]) أخرجه الترمذي في سننه [كتاب البر والصلاة، باب “ما جاء في الذب عن عرض المسلم”، (4/327 رقم 1931)] من حديث أبي الدرداء، والحديث صحيح.
([12]) أخرجه البخاري في صحيحه [أبواب المساجد، باب المسجد في البيوت (1/164 رقم 415)، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر (1/454 رقم33)] كلاهما من حديث محمود بن الربيع الأنصاري.
([13]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب المغازي]، باب حديث كعب من مالك وقول الله عز وجل: (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) (4/16033)، ومسلم في صحيحه [كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه (4/2120 رقم 2769)].
([14]) ابن عثيمين، فتوى صوتية حول وجوب الدفاع عن أعراض المسلمين




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام