السبت 18 صفر 1443 هـ || الموافق 25 شتنبر 2021 م


قائمة الأقسام   ||    مختصر المنتقى من الفتاوى وزياداته    ||    عدد المشاهدات: 204

طالب علم يسأل عن منهجيته في طلبه للعلم

بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني 


س 279: لدي سؤال بخصوص طريقة طلب العلم فأنا موظف وأرغب في طلب العلم ولكن الوقت ضيق عليّ وخاصة وأنه لدي أسرة فأنا أقوم حاليا [بطلب العلم] كالتالي:
ـ بعد صلاة الفجر أحفظ الأحاديث من بلوغ المرام.
ـ وبعد صلاة المغرب أقوم بالاستماع إلى أشرطة الشيخ ابن العثيمين في الأصول في علم الأصول.
ـ أحضر يوم الاثنين بعد صلاة المغرب درس في الفقه للمبتدئين في منهاج السالكين للسعدي.
ـ أحضر الأربعاء والخميس والجمعة دروسًا في النحو.
ـ كلما سنحت لي الفرصة أقوم بمراجعة ما أخذت.
ـ حفظت الأربعين النووية والأصول الثلاثة والقواعد الأربع.
ـ درست القواعد المثلى والقواعد الفقهية للسعدي وحفظتها.
سؤالي: أنّ هذا كثير والوقت مزدحم وأخاف أن يؤثر على كل ما أخذته وأنساه، أرجو منكم إعداد جدول يناسبني إذا كان ما أوردته من طريقة التعلم خطأ علمًا أن عمري الآن الواحدة والثلاثون، أفيدوني جزاكم الله خيرا.


ج 279: نهنئك أولًا على هذا الجهد المبارك و نسأل الله أن يوفقك لمواصلة طلب العلم، ونبشرك بما أعدّه الله عز وجل لطلاب هذا الخير عسى الله أن تكون كذلك.

فقد أخرج الترمذي وغيره عن أبي الدرداء قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من سلك([1]) طريقًا([2]) يبتغي فيه([3]) علمًا([4]) سهّل الله له طريقًا إلى الجنة([5]) وإن الملائكة([6]) لتضع([7]) أجنحتها([8]) رضاءً([9]) لطالب العلم([10]) وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء([11]) وفضل العالم([12]) على العابد([13]) كفضل القمر على سائر الكواكب([14]) وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا([15]) إنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظٍ وافر([16])"([17]). وهذا حديث حسن.

ويكفي الطالب فخرًا أن يرفع الله منزلته في الدنيا والآخرة كما قال جل شأنه: "يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ"([18]).

 ولكن أرى أنك قد حملت نفسك الكثير من الدروس  ويخشى بسبب ذلك أن يحصل لك الملل والسآمة، فإن الوسطية مطلوبة في طلب العلم كما قال البيروتي عليه رحمة الله:

فالسيْرُ في طِريقِ الاعتِـــدال
مِنْ أَنْفَعِ العَادَاتِ والخِصَــــالِ
إِذِ النَّجَاحُ مَعَهُ مَكْفــــولُ
وللفَلاحِ إنَّهُ يَـــــــؤُولُ

وصدق الله إذ يقول: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا"([19]).

وأرى أن السائل حفظه الله لم يذكر الوقت الذي خصصه لكتاب الله جل وعلا وهذا أمر مهم فهو أولى بالاهتمام من بقية العلوم وخصوصًا أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر أن الرفعة كل الرفعة في دراسة القرآن وتفسيره ومعرفة أحكامه.

ففي صحيح الإمام مسلم من حديث عامر بن واثلة أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بعسفان وكان عمر يستعمله على مكة فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولى، قال: إنه قارئ لكتاب الله عز وجل وإنه عالم بالفرائض قال عمر: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين"([20]).

ولا أستبعد أنك قد جعلت حظًا مناسبًا لحفظ ومراجعة كتاب الله عز وجل والذي نراه مناسبًا في تقسيم الدراسة والمراجعة لهذه العلوم والكتب التي ذكرت أن يكون جدولك كالتالي:

- بعد صلاة الفجر: حفظ ومراجعة كتاب الله جل وعلا بحيث تجعل يوميًا ما لا يقل عن حفظ صفحة من كتاب الله ومراجعة ما لا يقل عن نصف جزء يوميًا وتزداد المراجعة اليومية يومًا بعد يوم حتى تصل إلى جزء فأكثر حسب قوة الحفظ.
- وبعد صلاة الظهر أو قبل الغذاء بقليل مراجعة حديثين من الأربعين النووية.
- وبعد صلاة المغرب الاستماع إلى أشرطة الشيخ ابن العثيمين في الأصول في علم الأصول مع التلخيص على ألا تزيد على وجه واحد من الشريط.
- وبعد صلاة العشاء مراجعة القواعد المثلى والقواعد الفقهية للسعدي بحيث تجعل ربع ساعة لكل كتاب منها وربع ساعة لمراجعة الأصول الثلاثة والقواعد الأربع.
- وبعد العصر لحفظ الأحاديث من بلوغ المرام.

وتحضر ما استطعت من الدروس المذكورة حسب الاستطاعة بحيث لا تنقطع سواء في الدروس أو المراجعة فإن المدوامة من الأسس المهمة لنجاح الطالب وهي أحب الأعمال إلى الله لما أخرجه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا أيها الناس خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قل"([21]).

مع قراءة ترجمة يومية من تراجم أهل العلم لأن ذلك يذكرك بمن سلف وبجهدهم وصبرهم من أجل طلب العلم والدعوة إليه مع سماع شريط أسبوعي يذكرك بالله جل وعلا وقبل ذلك كله الإخلاص والصدق مع الله وكثرة التعبد، واحذر أن تنقطع عن الدروس التي بدأتها عند المشايخ وأما ما تراجعه في المنزل فيمكنك تركه بين الحين والآخر بحيث إذا تركت وقتًا أعدت المراجعة من موضع ما توقفت عنده والله

أسأل أن يوفقك لما يحب ويرضى، وبالله التوفيق.
_______
([1]) دخل أو مشى.
([2]) قريبًا أو بعيدًا وإنما أطلق الطريق ليشمل في جنسه أي طريق كان من مفارقة الأوطان والضرب في البلدان إلى غير ذلك.
([3]) يطلب بذلك الطريق أو بذلك الدخول أو المشي.
([4]) أي علم ديني علم نافع قليلا أو كثيرا أو ..، وفيه إيماء إلى أن طرق الجنة محصورة في طرق العلم فإن العمل الصالح لا يتصوّر بدون العلم.
([5]) في الآخرة فلا صعوبة ولا أهوال، أو وفقه الله للأعمال الصالحة فيوصله بها إلى الجنة أو: سهل عليه ما يزيد به علمه, لأنه أيضاً من طرق الجنة بل أقربها (ولو لم يحصل من العلم شيئاً لعذر وإنما بذل الجهد بنية صادقة).
([6]) ملائكة الرحمة أو الذين في الأرض ويحتمل أن الملائكة كلهم.
([7]) قيل: وضع أجنحتها عبارة عن حضورها مجلسه (المراد الكف عن الطيران والنزول للذكر كقوله في حديث أبي هريرة وحفت بهم الملائكة) أو توقيره وتعظيمه أو إعانته على بلوغ مقاصده أو قيامهم في كيد أعدائه وكفايته شرهم أو عن تواضعها ودعائها له، يقال للرجل المتواضع خافض الجناح (كقوله تعالى: "واخفض لهما جناح الذل من الرحمة")، وقيل: والأقرب كونه بمعنى ما ينظم هذه المعاني كلها كما يرشد إليه الجمع بين ألفاظ الروايات وذلك لأنه سبحانه وتعالى ألزمها ذلك في آدم عليه السلام لما أخبرهم أنه جاعل في الأرض خليفة فسألته على جهة الاستعظام لخلقه أن خلقاً يكون منهم الفساد وسفك الدماء كيف يكون خليفة فقال إني أعلم ما لا تعلمون (البقرة : 30) وقال لآدم عليه السلام: أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم تصاغرت الملائكة فرأت فضل آدم فألزمها الخضوع والسجود لفضل العلم فسجدت فتأدبت فكلما ظهر علم في بشر خضعت له وتواضعت إعظاماً للعلم وأهله هذا في طلابه فكيف بأحباره (بعلمائه).
([8]) جمع جناح بالفتح وهو للطائر بمنزلة اليد للإنسان لكن لا يلزم أن يكون أجنحة الملائكة كأجنحة الطائر.
([9]) لرضاها بالعلم الذي يطلبه وبطلبه له أو إرضاء له من أجل ذلك.
([10]) الشرعي للعمل به وتعليمه من لا يعلمه لوجه الله تعالى.
([11]) وقيل: إن الله سبحانه وتعالى ألهم الحيتان وغيرها من أنواع الحيوان الاستغفار للعلماء، لأنهم هم الذين بينوا الحكم فيما يحل منها ويحرم للناس، فأوصوا بالإحسان إليها، ونفي الضرر عنها مجازاة لهم على حسن صنيعهم.
([12]) الغالب عليه العلم وهو الذي يقوم بنشر العلم بعد أدائه ما توجه إليه من الفرائض والسنن.
([13]) الغالب عليه العبادة وهو الذي يصرف أوقاته بالنوافل مع كونه عالماً بما تصح به العبادة.
([14]) ليلة الرابع عشر، يعني المشبه به في نهاية النور وغاية الظهور، وقال القاضي: شبه العالم بالقمر والعابد بالكواكب لأن كمال العبادة ونورها لا يتعدى من العابد، ونور العالم يتعدى إلى غيره فيستضىء بنوره المتلقي عن النبي، كالقمر يتلقى نوره من نور الشمس من خالقها عزَّ وجلّ.
([15]) أي شيئاً من الدنيا وخُصِّا لأنهما أغلب أنواعها، وذلك إشارة إلى زوال الدنيا، وأنهم لم يأخذوا منها إلا بقدر ضرورتهم, فلم يورثوا شيئاً منها لئلا يتوهم أنهم كانوا يطلبون شيئاً منها يورث عنهم.
([16]) نصيباً كثيراً لا أكثر منه.
([17]) أخرجه الترمذي في سننه [كتاب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في فضل الفقة على العبادة (5/48 رقم 2682)] من حديث أبي الدرداء.
([18]) سورة المجادلة، الآية (11).
([19]) سورة  البقرة، الآية (143).
([20]) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه وفضل من تعلم حكمة من فقه أو غيره فعمل بها وعلمها (1/559 رقم 817)] من حديث عامر بن واثلة.
([21]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب اللباس، باب الجلوس على الحصير ونحوه (5/2201 رقم 5523)]، ومسلم في صحيحه [كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضيلة العمل الدائم من قيام الليل وغيره (2/809 رقم 782)] كلاهما من حديث أم المؤمنين عائشة.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام