الثلاثاء 11 صفر 1442 هـ || الموافق 29 شتنبر 2020 م


قائمة الأقسام   ||    قواعد واصول العقيدة والتوحيد    ||    عدد المشاهدات: 510

الحلقة (12)

القاعدة الثانية عشرة

طاعة ولي الأمر في المعروف، وإن كان ظالماً ما لم نر كفراً بواحاً عندنا فيه من الله برهان

وأدلة هذه القاعدة كثيرةٌ لا تحصى ومنها:

أولاً : ما أخرجه الشيخان([1]) عن جنادة بن أبي أمية قال دخلنا على عبادة بن الصامت - وهو مريض - : قلنا : أصلحك الله، حدِّث بحديث ينفعك الله به سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم قال " دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا : أنْ بايعنا على السمع ، والطاعة في منشطنا ، ومكرهنا وعسرنا ، ويسرنا ، وأثرة علينا ، وأن لا ننازع الأمر أهله ، إلا أن تروا كفراً بواحاً([2]) عندكم من الله فيه برهان([3]).

ثانياً: أخرج مسلم في صحيحه([4]) عن وائل الحضرمي قال: سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ، ويمنعونا حقنا فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله ، فأعرض عنه، ثم سأله في الثانية أو في الثالثة فجذبه([5]) الأشعث بن قيس، وقال: " اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حملتم".

ثالثاً: أخرج مسلم في صحيحه أيضاً عن أبي سلام قال قال حذيفة بن اليمان: " يا رسول الله إنا كنا بِشَرٍ، فجاء الله بخير، فنحن فيه، فهل مِنْ وراء هذا الخير شرٌ؟ قال: نعم، قلت: هل وراء ذلك الشر خير؟ قال: نعم، قلت: فهل وراء ذلك الخير شر؟ قال: نعم، قلت: كيف؟ قال: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قال: قلت كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك ؟ قال: تسمع، وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك فاسمع وأطع"([6]).

رابعاً: أخرج مسلم في صحيحه أيضاً عن عوف بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خيار أئمتكم الذين تحبونهم، ويحبونكم، ويصلون عليكم، وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم، ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم، قيل: يا رسول الله أفلا ننابذهم([7]) بالسيف؟ فقال: " لا ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئاً تكرهونه فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا([8]) يداً من طاعة"([9]).

خامساً: أخرج أحمد في مسنده عن أبي ذر قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو علي هذه الآية "وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً" حتى فرغ من الآية.

ثم قال: يا أبا ذر لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم، قال: فجعل يتلو بها، ويرددها علي حتى نعست، ثم قال: "يا أبا ذر كيف تصنع إن أُخْرِجت من المدينة ؟

قال: قلت إلى السعة والدعة، أنطلق حتى أكون حمامة من حمام مكة؟ قال: كيف تصنع إن أخرجت من مكة؟ قال: قلت إلى السعة والدعة إلى الشام، والأرض المقدسة؟ قال: وكيف تصنع إن أخرجت من الشام ؟ قال: قلت إذن والذي بعثك بالحق أضع سيفي على عاتقي([10]). قال: أو خير من ذلك؟ قال: قلت أو خير من ذلك؟ قال: تسمع وتطيع وإن كان عبداً حبشياً"([11]).

والعجب العجاب أن أغلب الجماعات الإسلامية فضلاً عن غيرها من الأحزاب الديمقراطية العلمانية واللبرالية في العصر الحديث أهملت العمل بمثل هذه الأحاديث ، وأخذت بمذهب من سبقهم من المعتزلة والخوارج الذين يسعون لمنابذة حكام المسلمين ركضاً للحصول على كراسي الحكم ، والتسلط بحجج واهية وشبه مختلفة، سبقهم إليها المبتدعة والأعاجم.

وهذا شأن من ينهج خطَّاً معوجاً يخالف الخط المستقيم الذي خطه لنا نبينا عليه الصلاة والسلام إلا من رحم الله، فماذا جنى المسلمون اليوم من الثورات العربية سوى مقتل أكثر من مليون مسلم وأكثر من مليون جريح وتهجير الملايين من أوطانهم، وخراب البلدان وبيعها للأعداء، وتزايد العمالة على حساب الدين والوطن والشعوب، وذهاب الأمن والاستقرار وحلول الخوف والبطش، وهذا عين ما جناه السابقون ممن خرج على أمراء المسلمين الظلمة على مر العصور، فما أشبه الليلة بالبارحة!!، فليت شعري متى يأخذ المسلمون الدروس والعبر من ماضيهم بدلاً من تقليد ومتابعة كل زاعق وناعق.

يقول ابن تيمية: "وقَلَّ مَن خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير ....... ثم قال: ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الصبر على جور الأئمة وترك قتالهم والخروج عليهم هو أصلح الأمور للعباد في المعاش والمعاد، وأن من خالف ذلك متعمداً أو مخطئاً لم يحصل بفعله صلاح بل فساد"([12]) اهـ.

ولا يعني ذلك ألا نسعى لحث ومطالبة الحاكم بالحقوق والواجبات وإقامة العدل، فمطالبة ذلك مطلوب بالطرق الحكيمة التي بينها لنا الشرع المطهر، لا بالطرق الغربية التي جاءتنا من أعداء الله كالديمقراطية "العجوز الشمطاء" فالغرب وأعداء الله لن يهدوا لنا الخير ولا يريدونه لنا بل يريدون تدميرنا وتمزيقنا، ومن أدلة ذلك في الواقع المشاهد: مواقفهم الهشة مع الطرفين المتنازعين في ثورات الربيع عام 2011م.

وإني أوجه لكم السؤال يا معشر العقلاء: هل من العدل والمساوة والاستقرار وحفظ السلام أن يتزعم الغرب فتنة ثورات الربيع العربي، حيث كان موقفهم هزيلاً تجاه البلاد العربية وشعوبها وحكامها في ظل هذه الثورات، فتارة يقفون مع الشعوب، وتارة مع الحاكم، حيث لم يفوا بتحالفات السلام والاستقرار بينهم وبين الدول التي تحالفوا معها، ثم لماذا شجعوا الثوار بالخروج على الحكام العرب من خلال المظاهرات والاعتصامات، ثم انقلبوا ضد الثوار؟!! هل هذه هي الديمقراطية التي لا مبدأ لها ولا خلق ولا دين؟!!!

قال الله تعالى: "وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ"([13]).

وقال سبحانه: " مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ"([14]).

ولا تتعارض هذه الطاعة لولاة الأمر بإنكار المنكرات وقول كلمة الحق عند سلطان جائر، فالخروج عليه بالثورات والانقلابات شيء يتعارض مع نصوص الشريعة، وإنكار المنكرات وقول كلمة الحق شيء آخر لا مانع منه في حدود أدلة الشرع المطهر.

ولذا فحديث أبي سعيد الخدري الذي يقول فيه كما في سنن ابن ماجه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر"، يؤكد نصيحة السر بقوله: "عند سلطان جائر"، ولم يقل: "عند العامة وعلى المنابر وفي الصحف ووسائل الإعلام ونحوها" لأن مثل ذلك لم نر منه سوى المفاسد والدماء وتفلت الأمن وظهور الفساد منذ القدم حتى الساعة.

فالحرص على جمع الكلمة خير من تفريق الصف بسبب خطأ أو منكر صدر من الوالي؛ فإن نصيحة الجهر أمام العامة علناً يفضي إلى الخروج على الحاكم؛ وعامة الناس يجهل حقوق الولاة على ضوء الشرع المطهر كما يجهل قواعد المصالح والمفاسد، فيثق هؤلاء العامة بديانة الخطيب أو الواعظ فيخرجون على ولي الأمر بالمظاهرات أو الانقلابات أو ما يسمى بالعصيان المدني أو الاعتصامات ونحو ذلك مما جلبه الكفار إلى بلاد المسلمين، وقد تقدم معنا أن "القاعدة الشرعية المجمع عليها: أنه لا يجوز إزالة الشر بما هو أشر منه؛ بل يجب درء الشر بما يزيله أو يخففه، أما درء الشر بشر أكثر فلا يجوز بإجماع المسلمين".

وأنصح القراء الكرام بمراجعة ما كتبته مفصلا حول هذه المسألة من خلال أسماء المقالات التالية المنشورة على الصفحة، منها: " ثورات الربيع العربي وكلمات ابن تيمية"، " الإنكار على السلطان في العلن وتأليب العامة للخروج عليه"، " تصحيح مفاهيم حول الديمقراطية وثورات الربيع العربي".

قال الإمام الشوكاني في كتاب الدراري المضية (ص505): وطاعة الأئمة واجبة إلا في معصية الله ، ولا يجوز الخروج عليهم ما أقاموا الصلاة ، ولم يظهروا كفراً بواحاً، ويجب الصبر على جورهم، وبذل النصيحة لهم، وعليهم الذب عن المسلمين، وكف يد الظالم وحفظ ثغورهم، وتدبيرهم بالشرع في الأبدان والأديان والأموال" اهـ

وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.

 


([1])  متفق عليه من حديث عبادة بن الصامت.

([2])  ظاهراً.

([3])  حجة.

([4])  صحيح مسلم (3/1474 ، رقم 1846 ، كتاب الإمارة ، باب في طاعة الأمراء وإن منعوا الحقوق).

([5])  شده إليه.

([6])  أخرجه مسلم في صحيحه (3/1475 ، رقم 1847 ، كتاب الإمارة ، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال ، وتحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة).

([7])  نقاتلهم.

([8])  تشدوا وتخرجوا, وقد يعني : لا تعصوهم.

([9])  أخرجه مسلم في صحيحه (3/1481 ، رقم 1855 ، كتاب الإمارة ، باب خيار الأئمة وشرارهم).

([10])  العاتق: موضع الرداء من المنكب(مجمع عظم العضد والكتف).

([11])  أخرجه أحمد في مسنده (5/178 رقم 21591 ، مسند أبي ذر ، ورجاله رجال الصحيح إلا أن أبا سليل ضريب بن نفير لم يدرك أبا ذر ، وليس هناك ما يعضده من الشواهد).

([12])  ابن تيمية، منهاج السنة (4/527-531).

([13])  سورة ا لبقرة, الآية (120).

([14])  سورة البقرة, الآية (105).

 




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام