الخميس 16 ربيع الأول 1441 هـ || الموافق 14 نونبر 2019 م


قائمة الأقسام   ||    دراسات شرعية موجزة حول شبهات التكفيريين    ||    عدد المشاهدات: 276

قول التكفيريين ”علماء العصر مداهنون وهم رسميون تعينهم الدول وتفرض عليهم فتاوى معينة“
(ضمن دراسات شرعية موجزة حول شبهات الدواعش وتنظيم القاعدة وأنصار الشريعة وغيرهم من أهل التكفير)
الحلقة (9)
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني

الجواب على هذه الشبهة : أن علماء أهل السنة والجماعة في كل البلدان المعمورة منذ القدم حتى يومنا هذا يُعرفون بالورع والزهد والعلم والتقوى الذي يمنعهم من مجاراة السلطان والسكوت عن خطئه وباطله بخلاف المبتدعة، ولا شك أن هذه تهمة خارجية معروفة من زمن ظهور الخوارج الذين لا همَّ لهم إلا أن يتكلموا في علماء السنة الذين يحذرون الناس من الافتتان بهم وبباطلهم، وقد قالوا – قديماً في علي بن أبي طالب ومن معه، وفي معاوية بن أبي سفيان ومن معه من الصحابة –: إنهم تحاكموا إلى آراء الرجال ونبذوا حكم الله، فكفَّرو الفريقين والعياذ بالله ، وليس بعيداً أن يتهموا علماءنا بتهمة العمالة والمداهنة والمجاراة للسلطان طمعاً فيما عند السلطان من الدينار والدرهم، فما أشبه الليلة بالبارحة!.
إن علماء أهل السنة والجماعة الذين يدافعون عن السنة وأئمتها كأحمد ومالك وابن معين والمتأخرين كابن باز والألباني والوادعي وابن عثيمين والفوزان ونحوهم، كلهم معروفون بالخير والصلاح وإن توظف بعضهم في دوائر حكومية.
وفي العادة أن الاتهامات المشينة في العلماء لا ترد إلا من المبتدعة كالروافض والمتصوفة والخوارج الذين لم يسلم منهم أحد من علماء السنة على مر العصور.
قال شيخ الإسلام “ثم من المعلوم أن علماء السنة كمالك وأحمد وغيرهما من أبعد الناس عن مداهنة الملوك”([1])اهـ.
إن أهل العلم المخلصين لا يبررون للحكام الظلمة ظلمهم للمؤمنين ومطاردتهم للموحدين وخذلانهم للمجاهدين كما يزعم بعض المتعجلين التكفيريين أو المفرطين من غيرهم ، لكنهم يبينون الطرق الشرعية التي شرعها الله ورسوله، وعليها سلف هذه الأمة في التعامل مع الحكام الظلمة، فكم تضرر المسلمون وبلدانهم بسبب طيش المتعجلين ممن لم يضبط نفسه بعلم الكتاب والسنة فسفكت الدماء وخربت البلدان حتى وصل أمرهم إلى الطعن في العلماء كي تفرغ الساحة للجهلة الذين لا حظ لهم في علوم الشريعة.
وللأسف ان التوجيهات التي تصدر من العلماء والدعاة الربانيين لا تجد صدى وقبولا عند كثير من هؤلاء الطائشين، بل يتهمونهم بالعمالة والمداهنة للسلطان وأنهم محامون عن أعداء الله.
والحاصل: أن اتهام العلماء بأنهم مداهنون للحكام الظلمة ومعينون لهم في ظلمهم سوء فهم يدور في أذهان هؤلاء، ولو أنهم جلسوا للحوار والمناظرة لأدركوا جيداً كيف تقاد القواعد الشرعية في مثل هذه الأزمات سواء مع الراعي أو الرعية.
وإليكم نماذج من أقوال بعض علمائنا الذين عملوا في مجال الفتيا والقضاء ونحوهما من مهام السلطان مما يؤكد نكيرهم للباطل وحرصهم على مناصحة السلطان بالعلم والحكمة، مع نموذج حي لمن لم يعمل لدى السلطان من العلماء:
أولاً:
نشرت مجلة راية الإسلام كلمة للشيخ عبد العزيز بن باز حيث قال ”لقد أصيب العالم الإسلامي عامة وسكان الجزيرة العربية خاصة بسيل من الصحف التي تُحصِّل بين طياتها أشكالاً كثيرة من الصور الخليعة، المثيرة للشهوات، الجالبة للفسا ، الداعية للدعارة، الفاتنة للشباب والشابات، وكم حصل في ضمن ذلك من أنواع الفساد لكل من يطالع تلك الصور العارية وأشباهها، وكم شغف بها من الشباب من لا يحصى كثرة، وكم هلك بسمومها من شباب وفتيات استحسنوها ومالوا إليها وقلدوا أهلها، وكم في طيات تلك الصحف من مقالات إلحادية تنشر الأفكار المسمومة والقصائد الباطلة وتدعو إلى إنكار الأديان ومحاربة الإسلام … فالواجب على حكومتنا- وفقها الله- منع هذه الصحف منعاً باتاً لما فيها من الضرر الكبير على المسلمين في عقائدهم وأخلاقهم ودينهم ودنياهم …فيا ولاة أمر المسلمين اتقوا الله في المسلمين وحاربوا هذه الصحف الهدامة”([2]).
ثانياً :
هذه رسالة خطية من المفتي العام جاء فيها “من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم سمو الأمير عبد المحسن بن عبد العزيز أمير منطقة المدينة المنورة، وفقه الله آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعده، حفظكم الله : لا يخفى على سموكم أن الحكومة وفقها الله قد منعت الإعلان عن الدخان في الصحف وحذرت من التشجيع عليه وشددت في ذلك، وقد علمت هذه الأيام أن كثيراً من أهل البقالات وغيرهم يضعون لائحات تدعو إلى الدخان وتشجع عليه، كما علمت أن كثيراً من الصبيان وغيرهم يطوفون بالدخان على أبواب المسجد النبوي عند خروج الناس من الصلاة يدعون الناس إلى شراء الدخان ويشجعون على استعماله .
فأرجو من سموكم الكريم التأكيد على الجهات المختصة بمنع هذا وأمثاله والتشديد في ذلك، وفرض عقوبة على من يخالف الأوامر حماية للمسلمين من شر هذه الشجرة الخبيثة، وحفظا لدينهم وصحتهم وأموالهم”([3]).
ثالثاً:
قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله : “فإذا عمل الحاكم بما يقتضي كفره أو فسقه , فلا يجوز أن يُدافع عنه([4])“.
وقال رحمه الله : ” ورب دعوة مظلوم تكون سببا لنكبة شعب, فالواجب على حكام المسلمين أن يتوبوا إلى الله من التعاون مع امريكا وروسيا على ضرب الدعاة إلى الله , فإنهم لا يضرُّون إلا أنفسهم , ولا يضرون الدعاة إلى الله شيئا , فهل استطاعت امريكا أن تدفع عن السادات شيئا ؟ … واعلموا أن رعاياكم ليست عنكم راضية , لما ترى منكم من الإنحراف عن الدين , وإني والله ما أعلم شعبا راضيا عن حكامه وإن صفق لكم من صفق فإنه ما يصفق لكم إلا المصلحيون أو الهمج الرعاع أتباع كل ناعق([5])“اهـ.
رابعاً :
قال ابن عثيمين رحمه الله : ” الواجبُ على ولاة الأمور أن يُزيلوا الأذى عن طريق المسلمين، أي أن يُزيلوا كلّ داعية إلى شرّ، أو إلى إلحاد، أو إلى مجون، أو إلى فسوق ، بحيث يُمنع من نشر ما يُريد من أي شيء كان، من الشر والفساد، هذا هو الواجب ، لكن لا شك أن ولاة الأمور الذين ولاهم الله على المسلمين في بعضهم تقصير، وفي بعضهم تهاون، يتهاونون بالأمر في أوله حتى ينمو ويزداد، وحينئذ يعجزون عن صده وكفّه، فالواجب أن يُقابل الشر من أول أمره بقطع دابره، حتى لا ينتشر، ولا يُضل الناسُ به”([6]).
خامساً :
تحذير العلماء من العمل في المؤسسات الربوية التي في الدولة، فقد سئل شيخنا العلامة صالح بن فوزان الفوزان -عضو اللجنة الدائمة للإفتاء- هذا السؤال: أعملُ في شركة تأخذ تسهيلات بنكية من البنوك الربوية في حدود خمسة بالمائة من أرباح الشركة،‏ فما هو الحكم في مرتبي من هذه الشركة، وهل يجوز لي العمل فيها، مع العلم أن معظم الشركات تتعامل بهذه الطريقة؟
فأجاب: “التعامل بالربا محرم على الشركات وعلى البنوك وعلى الأفراد‏،‏ ولا يجوز للمسلم أن يتوظف في المحلات التي تتعامل بالربا‏، ولو كان تعاملها به قليلاً، لأن الموظف عند هذه المؤسسات والمحلات الربوية يكون متعاونًا معهم على الإثم والعدوان – والمتعاون مع المرابين تشمله اللعنة لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ “‏لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه”([7])اهـ
وأمثلة ذلك كثيرة، فهل بعد هذه التوجيهات وهذه الإنكارات المتعددة، وغيرها كثير، يقال عن علمائنا إنهم مداهنون وإنهم عبيد الدينار والدرهم، وعلماء سلطة ليشككوا الأمة بالعلماء المخلصين المجتهدين بقصد الإسقاط.
فما أسهل التهم التي لا تحتاج إلى مزيد علم، ومنها ما يكون بسبب سوء فهم أو بسبب سوء تلقي.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين : ” غيبة العلماء أعظم بكثير من غيبة غير العلماء، لأن غيبة غير العلماء غيبة شخصية إن ضرَّت فإنها لا تضر إلا الذي اغتاب والذي قيلت فيه الغيبة، لكن غيبة العلماء تضرُّ الإسلام كلَّه، لأن العلماء حملة لواء الإسلام، فإذا سقطت الثقة بأقوالهم، سقط لواءُ الإسلام، وصار في هذا ضرر على الأمة الإسلامية”([8]).
وأما قولهم ”إن الدول تعينهم وتفرض عليهم فتاوى معينة “. فهذا من ضمن الدعاوي التي يضحكون بها على شباب الأمة ليشككوهم بالعلماء المجتهدين بقصد الحط والإسقاط، وكان من أواخر ما استدلوا به على هذه الدعوى الجائرة فتوى علمائنا حول الاستعانة بالكافرين في حرب الخليج، وقد أجابهم سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز رحمه الله حينها بقوله ” كل ما في الأمر أن الدولة السعودية احتاجت إلى الاستعانة ببعض الجيوش من جنسيات متعددة ومن جملتهم الولايات المتحدة، وإنما ذلك للدفاع المشترك مع القوات السعودية عن البلاد والإسلام وأهله، ولا حرج في ذلك ، لأنه استعانة لدفع الظلم وحفظ البلاد وحمايتها من شر الأشرار وظلم الظالمين وعدوان المعتدين، فلا حرج كما قرره أهل العلم وبينوه، وأما ما أشاعته بعض الأقليات الإسلامية التي صدقت أقوال صدام وأكاذيبه حول تدخل الإمبريالية في شؤون المسلمين ومقدساتهم وغيرها من الإشاعات الباطلة، فإن هذه خطأ كبير والذي أشاعه هو حزب صدام وهو حزب قومي وليس حزباً إسلامياً، وحتى لو كانوا مسلمين إذا تعدوا وجب ردعهم ولو بالاستعانة ببعض الكفرة، وعلى طريق سلمية كما هي يدفع بها الشر وتحمي بها البلاد، والرسول – صلى الله عليه وسلم – استعان بصفوان بن أمية يوم حنين لحرب أهل الطائف، وبذلك فإن الاستعانة بالكفار على من تعدى وظلم يجوز على الكفار أو على أي متعد وظالم، والذي لا يجوز هو أن ينصر كفار على مسلمين، أما هذا الوضع فهو يحمي المسلمين وأراضيهم من المجرمين والمعتدين والكافرين، وفرق بين الاثنين : بين إنسان ينصر الكفار على المسلمين ويعينهم على المسلمين، وهذه هي الردة لا تجوز وهذا منكر، أما كما هو الحال بالمملكة من الاستعانة بالكفار لردع المعتدي وصده سواء كان كافرا أو مسلماً عن بلاد الإسلام والمقدسات، فهذا أمر مطلوب ولازم، لأنه لحماية المسلمين ورد الأذى عنهم سواء كان كافراً أو مسلماً، والواجب على الزعيم العراقي أن يتوب إلى الله ويرجع عما هو عليه من الباطل، ويترك حزب الشيطان، وعليه أن يلتزم بالإسلام ، وأن يسود الرعية ويحكم فيهم بالإسلام وندعو له بالهداية”([9]).
وهذه الكلمات كانت قبل عودة صدام وتراجعه عن غزو الكويت.
فالحذر الحذر من مقالات أهل الأهواء والتطرف والشذوذ فإن ”لحوم العلماء مسمومة وعادات الله في منتقصيهم معلومة”([10]).
وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] منهاج السنة لابن تيمية (4/130).
[2] فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز ، (4 /203).
[3] المصدر السابق ، (6 /400).
[4] المخرج من الفتنة للوادعي (ص136).
[5] المصدر السابق (ص277-278).
[6] شرح ” رياض الصالحين ” لابن عثيمين ( 3/211-212).
[7] المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان (4/148)، والحديث صحيح لغيره ، أخرجه أحمد في مسنده رقم(3725) وغيره.
[8] شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ( 1/255-256).
[9] مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز (6/150).
[10] تبيين كذب المفتري لابن عساكر ( ص 29)




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام