الجمعة 21 جمادى الأولى 1441 هـ || الموافق 17 يناير 2020 م


قائمة الأقسام   ||    مقدمات مهمة في عقيدة المسلم    ||    عدد المشاهدات: 248

الحلقة (5) والأخيرة

المقدمة الخامسة

مسميات عقيدة المسلم الصحيحة

عقيدة المسلم الحقة هي عقيدة رسول الله عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام.

وما دونها من العقائد فباطل ما أنزل الله به من سلطان ، لأن كل اعتقاد ديني لم يعتقده نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا أصحابه ولا وسعهم فمردود في وجه صاحبه.

وما مات نبينا صلى الله عليه وسلم حتى بين لنا شرع الله القويم المشتمل على العقيدة الصحيحة والتوحيد الخالص، والمنهج القويم، والشريعة المطهرة، والسلوك الحسن وهو القائل عليه الصلاة والسلام: "لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء([1])".

فالعقيدة السليمة مُسَطَّرةٌ، وواضحةٌ بَيْنةٌ في كتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن أعرض عنهما فقد أعرض عن الحياة الحقة "أَوَمَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا"([2]).

ولعقيدة المسلم الصحيحة مسميات شُهِرت بها منذ أزمنة قديمة، وهي على المشهور ما يأتي:

أولاً: عقيدة أهل السنة والجماعة.

والسنة لغة: الطريقة والسيرة حسنةً كانت أو سيئةً.

واصطلاحاً: هدي رسول الله عليه الصلاة والسلام علماً، وعقيدة، ومنهجاً، وشريعةً، وسلوكاً سواء كان قولاً، أو عملاً.

فقولهم: أهل السنة بمعنى أصحاب الطريقة النبوية الصحيحة.

وقد وسموا بأهل السنة نسبة لسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام.

والتسمية بهذا الاسم قديمة، فقد جاءت عن سلفنا الصالح رضوان الله عليهم.

ومن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه عن ابن سيرين قال: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة، فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم([3])".

وأخرج الدارمي بإسناده حسن عن الحسن البصري أنه قال: "سننكم والله الذي لا إله إلا هو بينهما بين الغالي والجافي([4])، فاصبروا عليها رحمكم الله، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي، الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف في إترافهم، ولا مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم ، فكذلكم إن شاء الله فكونوا([5])".

وجاء عن ابن عباس أنه فسر قوله تعالى: "يوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ": بأنها وجوه أهل السنة والجماعة"([6]).

وأما معنى الجماعة لغة: فمأخوذ من الإجماع والاجتماع بمعنى أنهم مجتمعون أو مُجْمِعون على شيء ما.

واصطلاحاً: هم من اجتمع على هدي رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم الصحابة ومن سار على منهجهم إلى يوم الدين.

وقد سموا بذلك لكونهم جماعة مجتمعة على أصول ثابتة.

وكلُّ مُنْ التزم بالسنة ومذهب الجماعة يقال له: جماعة حتى وإن لم يوجد على المعتقد الصحيح سواه في بلدته.

ولذا جاء عن ابن مسعود أنه قال: "الجماعة ما وافق الحق، وإن كنت وحدك"([7]).

وقد ورد ذكر الجماعة على لسان رسول عليه الصلاة والسلام

ومن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة فمات، مات ِميتةً جاهلية([8])".

وقد سبق ذكر أحاديث أخرى ذكرت لفظ الجماعة كحديث الفرق وحديث حذيفة ونحوهما.

ثانياً: عقيدة السلف.

ومعنى السلف في اللغة: الماضون أو المتقدمون، ويراد به في اصطلاح العقيدة: القوم الذين سلفوا ممن هم على هدي رسول الله عليه الصلاة والسلام وهم أخص بالقرون المفضلة الذين جاء ذكرهم في حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: خيركم قرني ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.

قال عمران: لا أدري أذكر النبي صلى الله عليه وسلم بعد قرنين أو ثلاثة، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن بعدكم قوماً يخونون، ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن([9]).

وقد سموا بالسلف لأنهم سَبَقُوا مَنْ خَلَفَهُمْ على الهدي الصحيح.

وقد ورد ذِكْرُ كلمة السلف محمودةً في كلام رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن ذلك قوله كما في الصحيحين لابنته فاطمة عليها السلام: اتقي الله، واصبري، فإني نِعْمَ السَّلَفُ أنا لَكِ([10]).

ثالثاً: العقيدة السلفية.

وهي نسبة لمعتقد سلف هذه الأمة، وهم أهل القرون المفضلة يقال: سلفية نسبة لما يعتقدونه من المسائل العقدية التي اعتقدها سلفنا الصالح رضوان الله عليهم. وقد جاء ذكر السلفية على لسان ابن تيمية في عامة كتبه في مواضع عدة، وقد سبقه إلى هذه التسمية، محمد بن خلف الضبي، الملقب بوكيع (المتوفى سنة 306هـ) في كتابه أخبار القضاة قال: "قالوا: وكان إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة سلفياً صحيحاً" (2/167)، كما ذكر السلفية ابن العديم (ت660) في بغية الطلب في تاريخ حلب، وقد أشرت إلى ذلك في مقدمة كتابي "مجموع العقيدة والتوحيد" ([11]).

رابعاً: عقيدة أهل الأثر: نسبة إلى المتمسكين بالآثار الواردة عن نبينا عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام.

وقد جاء ذكر الأثريين وهم أهل القرون المفضلة على لسان رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والحديث حسن من حديث أبي هريرة قال: " قيل للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله أي الناس خير؟

قال: أنا ومن معي.

قال: فقيل له ثم مَنْ يا رسول الله ؟

قال: الذي على الأثر .

قيل له ثم من يا رسول الله ؟

قال: فرفضهم([12])".

ولقد أحسن عبده بن زياد الأصبهاني حين قال كما في شرف أصحاب الحديث –للخطيب البغدادي (ص 76):

دينُ النبيِّ محمدٍ أخـــبارُ    نِعْمَ المطيِّةُ للفتى الآثـارُ

لا تُخْدَعَنَّ عن الحديثِ وأهلهِ    فالرأي ليلٌ والحديثُ نهارُ

ولربما غَلِطَ الفتى سُبَلَ الهدى   والشمسُ بازعةٌ لها أنـوارُ

قال أبو محمد الرازي كما في اعتقاد أهل السنة(1/179): سمعت أبي يقول: علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر، وعلامة الزنادقة تسميتهم أهل السنة حشوية يريدون إبطال الآثار، وعلامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة، وعلامة القدرية تسميتهم أهل الأثر مجبرة، وعلامة المرجئة تسميتهم أهل السنة مخالفة، ونقصانية، وعلامة الرافضة تسميتهم أهل السنة ناصبة ، ولا يلحق أهل السنة إلا اسم واحد ويستحيل أن تجمعهم هذه الأسماء" اهـ

خامساً: عقيدة الطائفة المنصورة.

والطائفة بمعنى الجماعة من الخلق، والمنصورة بمعنى ظاهرة على أعداء السنن إلى قيام الساعة، لا تُخْذَل لأن الله نصيرها.

وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يزال من أمتي، أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك"([13]).

سادساً: عقيدة الفرقة الناجية.

بمعنى ناجية من النار بخلاف غيرها من الفرق الهالكة، والنجاة مأخوذة من الحديث السابق عند ابن ماجه وغيره وهو قوله عليه الصلاة والسلام : والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار. قيل: يا رسول الله من هم؟

قال: الجماعة".

وهذه التسميات مختلفة الألفاظ، متفقة المعاني، إذ كلها تعني أولئك القوم الذين تمسكوا بهدي رسول الله عليه الصلاة والسلام بفهم سلف هذه الأمة رضي الله عنهم علماً وعقيدة ومنهجاً وشريعةً وسلوكاً.

وليحمد الله كل مسلم انتسب إلى هذا الهدي المبارك بأي اسم من هذه المسميات الصحيحة السابقة لكونه انتسب إلى هدي رسول الله عليه الصلاة والسلام وهدي صحابته الكرام رضي الله عنهم انتساباً صحيحاً لا تحزب فيه، طالما لم يتعصب للمشايخ وآراء الرجال، وإنما التزم الحق وسار في طريقه وفق الكتاب والسنة.

قال شيخ الإسلام ابن تيميّة كما في مجموع الفتاوى (4/149): "لا عيب على من أظهر مذهب السلف، وانتسب إليه، واعتزى إليه، بل يجب قبول ذلك منه بالاتفاق، فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقاً " اهـ

قلت: وقوله: "بل يجب قبول ذلك منه بالاتفاق" بمعنى عدم النكير على من انتسب لها، ولا يقصد وجوب الانتساب فالنسبة غير واجبة، لكون المسلم إذا التزم بالكتاب والسنة وفق الفهم السليم الذي كان عليه الصحابة وابتعد عن البدع ومضلات الأمور فقد صار متبعاً للمنهج القويم "صراط الله المستقيم" وإن لم يعلن النسبة لواحد من هذه المسميات.

والله أعلى وأعلم، وأعز وأكرم، وصلى الله على رسوله وآله وصحبه وسلم.

انتهت هذه المجموعة بحمد الله

 

([1])  قصد صلى الله عليه وسلم أنه سيأتيه الموت وقد أعذر إليهم وبيَّن أحسن بيان هذه الشريعة العظيمة بلا لبس أو غموض [فيض القدير للمناوي (7/24)]، والحديث أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف رقم 34332 وغيره، وهو صحيح لغيره.

([2])  سورة الأنعام، الآية رقم: (122).

([3])  أخرجه مسلم في صحيحه ( 1/15 ، المقدمة، باب بيان أن الإسناد من الدين وأن الرواية لا تكون إلا عن الثقات وأن جرح الرواة بما هو فيهم جائز بل واجب وأنه ليس من الغيبة المحرمة بل من الذب عن الشريعة المكرمة.

([4])  الجافي: من ليس على وسطية الإسلام التي عليها أهل السنة.

([5])  أخرجه الدارمي في سننه (1/83 رقم 216 ، المقدمة، باب في كراهية أخذ الرأي)، وفي إسناده : المبارك بن فضالة حسن الحديث إلا أنه يدلس تدليس التسوية ولم يصرح في روايته هذه بالتحديث، فإسناده لا يصح.

([6])  ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1401هـ ، 1/391 ، والآية من سورة آل عمران رقم (106).

([7])  انظر ما كتبه أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل، في الباعث على إنكار البدع والحوادث، تحقيق: عثمان أحمد عنبر، دار الهدى، القاهرة، الطبعة الأولى، 1398هـ / 1978م ، (ص22).

([8])  أخرجه مسلم في صحيحه (3/1476رقم 1848، كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال وتحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة).

([9])  متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد (2/938 رقم 2508)، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (4/1964 رقم 2535).

 ([10])بمعنى: أنا متقدم قدامك فتردين علي [شرح مسلم – النووي (16/6)]، والحديث متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاستئذان ، باب الجلوس كيفما تيسر (5/2317 رقم 5928)، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم، باب فضائل فاطمة بنت النبي عليها السلام (4/1904 رقم 2450).

([11])  وهو مطبوع متداول، وانظر الطبعة الثانية منه، ط. دار اللؤلؤة.

([12])  أخرجه الإمام أحمد في مسنده (2/297 رقم 7944 ، مسند أبي هريرة).

([13])  متفق عليه.




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام